اتفاق غزة: تفاصيل تحركات مصرية لإعادة ملف القطاع إلى الواجهة بعد أن همَّشَتْه الحرب الإيرانية

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/14 الساعة 15:35 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/14 الساعة 15:35 بتوقيت غرينتش
المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تواجه عوائق أمريكية وإسرائيلية/ عربي بوست

أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ترتيب أولويات المجتمع الدولي، ليتراجع معه ملف قطاع غزة تدريجياً من صدارة الاهتمام السياسي والدبلوماسي العالمي. فبعد أن كانت الأنظار مركزة على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وخطط إعادة إعمار القطاع، تحولت بوصلة الاهتمام نحو تداعيات الحرب الإقليمية الجديدة.

هذا التحول خلق حالة من الجمود السياسي حول اتفاق غزة، خاصة ما يتعلق بالمرحلة الثانية منه. ومع انشغال القوى الكبرى والوسطاء الإقليميين بالحرب الجديدة، باتت المخاوف تتزايد من أن يستغل الاحتلال الإسرائيلي هذا الانشغال الدولي لفرض وقائع جديدة على الأرض أو لإبطاء تنفيذ الالتزامات المرتبطة بالاتفاق.

وسط هذه التطورات، تتحرك مصر على عدة مسارات في محاولة لمنع تجميد اتفاق وقف إطلاق النار بشكل كامل، وإعادة الزخم الدولي إلى مسار التسوية في غزة. وتشمل هذه التحركات اتصالات مع الوسطاء الإقليميين والولايات المتحدة، إلى جانب مشاورات مع حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في القطاع.

تحركات لمنع تجميد ملف قطاع غزة

كشف مصدر مصري مطلع على ملف قطاع غزة أن القاهرة تتحرك في اتجاهات متعددة لضمان عدم الوصول إلى نقطة التجميد الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة. وتشمل هذه التحركات، وفق المصدر، التواصل مع الوسطاء والولايات المتحدة بشأن إمكانية استكمال بنود المرحلة الثانية من الاتفاق.

المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست" شريطة عدم ذكر اسمه أشار إلى أن الأزمة تكمن في أن كلاً من قطر وتركيا والولايات المتحدة منشغلون حالياً بتطورات الحرب الإيرانية، كما أن الاتصالات الدبلوماسية مع الجانب الإسرائيلي تكاد تكون منقطعة.

هذا الواقع دفع القاهرة إلى توجيه دعوة لقيادات في حركة حماس لعقد اجتماعات في القاهرة لبحث سبل تذليل العقبات التنفيذية المرتبطة بالاتفاق، بما في ذلك مسألة نزع السلاح ونشر قوة الاستقرار الدولية، إضافة إلى التنسيق بين الحركة والشرطة المحلية التي قامت القاهرة بتدريب عناصرها.

وبحسب المصدر ذاته، فإن ملف قطاع غزة يمكن القول إنه معطل بشكل شبه كلي منذ 12 يوماً مع اندلاع الحرب الإيرانية، إلا أن الاتصالات التي جرت مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وكبير مستشاري ترامب مسعد بولس عكست وجود رغبة أميركية في العودة إلى استكمال الملف.

كما أبدت القاهرة تخوفات من تراجع الأموال التي تم الإعلان عنها في مجلس السلام لإعادة إعمار غزة، خاصة أن 7 مليارات دولار تعهدت بها دول خليجية هي قطر والكويت والإمارات، وهي دول تضررت بشكل مباشر من تداعيات الحرب الإيرانية الحالية.

ويرى المصدر المصري المطلع على ملف قطاع غزة أن القاهرة تحاول إعادة إحياء الملف الفلسطيني حتى لا تستفيد إسرائيل من حالة الانشغال الدولي، خاصة أنها تعمل على خنق القطاع ودفع سكانه إلى فقدان أي أمل في إعادة بناء منازلهم أو استعادة حياتهم الطبيعية.

مساعٍ لتنظيم البيت الفلسطيني

تتزامن الجهود المصرية على المستوى الدولي مع تحركات أخرى تهدف إلى ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني في غزة، فالقاهرة، بحسب المصدر المطلع، تعد حالياً الطرف الأكثر نشاطاً في هذا الملف في ظل انشغال تركيا وقطر بتداعيات الحرب الإيرانية.

وتشير المعطيات التي حصل عليها "عربي بوست" إلى أن القاهرة حصلت على وعود من الولايات المتحدة الأمريكية بالتطرق إلى استكمال المرحلة الثانية من الاتفاق خلال الزيارة التي كانت مقررة للمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إلى إسرائيل قبل إلغائها.

وفي ظل صعوبة إيجاد مسارات قابلة للتنفيذ على الأرض، كثفت مصر ضغوطها على إسرائيل للسماح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع. وبحسب المصدر، لم يدخل إلى غزة سوى نحو 500 شاحنة منذ بدء الحرب الإيرانية، في حين كان المعدل قبلها يقارب 200 شاحنة يومياً.

وفي الوقت ذاته، تعمل القاهرة على تنظيم الجبهة الداخلية الفلسطينية بانتظار ما ستؤول إليه التطورات الإقليمية خلال الأيام المقبلة. وتشمل هذه الجهود تقليص الفجوة بين حركة حماس ولجنة إدارة غزة للوصول إلى نقاط مشتركة تضمن تسليم اللجنة مهامها داخل القطاع عند دخولها.

كما تسعى مصر إلى تقليص الخلافات بين حركتي فتح وحماس، إلى جانب الدفع باتجاه إصلاح السلطة الفلسطينية، في محاولة لتقويض الحجج الإسرائيلية التي تعرقل تنفيذ الاتفاق.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في فعاليات الندوة التثقيفية رقم 43 التي نظمتها القوات المسلحة أن الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في إطار خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب شكل محطة فارقة في تاريخ هذا الصراع.

كما اعتبر الرئيس المصري أن القضية الفلسطينية تمثل جوهر النزاع في الشرق الأوسط، موضحاً أن موقف مصر فيها واضح، قائلاً: "لا سلام بلا عدل.. ولا استقرار بلا دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية".

تداعيات الحرب الإقليمية على اتفاق غزة

مع بدء الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، أغلق الاحتلال الإسرائيلي معبر رفح الحدودي مع مصر باعتباره إجراءً أمنياً، وفق ما أعلنت هيئة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية "كوغات".

وأشارت الهيئة إلى أنه "تم تنفيذ عدة تعديلات أمنية ضرورية، بينها إغلاق المعابر إلى قطاع غزة، بما في ذلك معبر رفح"، وذلك بعد إعادة فتحه في 2 فبراير/ شباط للمرة الأولى منذ نحو عامين من سيطرة القوات الإسرائيلية عليه خلال الحرب على غزة.

مصدر مسؤول أكد لـ"عربي بوست" أن المشهد في غزة أصبح شبه مجمد مع تحول الأنظار نحو إيران، كما أن ارتفاع أسعار الوقود عالمياً وإغلاق المطارات واحتمالات انجرار الاتحاد الأوروبي إلى الصراع، إضافة إلى محاولات الزج بدول الخليج في عمليات هجومية، كلها عوامل ساهمت في تراجع الاهتمام الدولي بالقطاع.

ويرى المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست" شريطة عدم ذكر اسمه أن الأخطر حالياً يتمثل في ما تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية، إلى جانب إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين خلال شهر رمضان وتصاعد اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين.

وتحاول مصر التعامل مع هذه التطورات عبر تبني مواقف جماعية رافضة لهذه الانتهاكات، وهو ما انعكس في البيان العربي الإسلامي الذي أدان جرائم إسرائيل في المسجد الأقصى.

وقد أدان وزراء خارجية مصر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية وقطر استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في إغلاق أبواب المسجد الأقصى الحرم القدسي الشريف أمام المصلين المسلمين، خصوصاً خلال شهر رمضان المبارك.

وأكد الوزراء أن القيود الأمنية المفروضة على الوصول إلى البلدة القديمة في القدس وأماكن العبادة فيها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وللوضع التاريخي والقانوني القائم، ولمبدأ حرية الوصول غير المقيد إلى أماكن العبادة.

وشدد الوزراء على رفضهم المطلق لهذه الإجراءات غير القانونية وغير المبررة، كما أكدوا أنه لا سيادة لإسرائيل على مدينة القدس المحتلة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

كما طالبوا إسرائيل بصفتها القوة القائمة بالاحتلال بالتوقف عن إغلاق أبواب المسجد الأقصى فوراً وعدم إعاقة وصول المصلين إليه، ورفع القيود المفروضة على الوصول إلى البلدة القديمة في القدس.

مستقبل الاتفاق في ظل التصعيد الإقليمي

الحرب الإقليمية الجارية تهدد أيضاً بإعاقة تنفيذ مبادرة ترامب الرئيسية للسلام في الشرق الأوسط، التي قدمها باعتبارها هدفاً رئيسياً لسياسته الخارجية.

ففي فبراير/ شباط 2026، تعهدت نحو 24 دولة بتقديم أكثر من 16 مليار دولار للمجلس، بينها 10 مليارات دولار من الولايات المتحدة، بهدف دعم إعادة إعمار قطاع غزة.

وركزت خطة ترامب على إلقاء حركة حماس سلاحها مقابل منح قادتها العفو، تمهيداً لإعادة إعمار القطاع وانسحاب إضافي للجيش الإسرائيلي. لكن المفاوضات غير المباشرة التي كان يجريها الوسطاء في البيت الأبيض بين إسرائيل وحماس توقفت بعد اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير/ شباط.

ويرى محلل سياسي أن تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة أصبح أكثر تعقيداً في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، خاصة أن أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة ما زالوا يمارسون عملهم من القاهرة وتبقى قراراتهم مرتبطة بالموافقة الأميركية.

وأوضح في تصريح لـ"عربي بوست" أن الإدارة الأميركية تركز حالياً على الحرب وكيفية تحقيق مكاسب في المواجهة مع إيران، وهو ما يجعل ملف غزة وسلاح حماس والقوات الدولية متعددة الجنسيات في مرتبة متأخرة على جدول الأولويات.

وبحسب المصدر، فإن حالة الجمود التي دخلت فيها المرحلة الثانية من اتفاق غزة قد تستمر لفترة طويلة إذا اتسعت المواجهات الإقليمية، وهو ما يعني أن اتخاذ قرارات مصيرية أو تحقيق اختراق سياسي سيظل أمراً صعباً في ظل تعقيد المشهد الإقليمي ومراوغة القيادة الإسرائيلية.

تحميل المزيد