تسير الحرب اللبنانية الإسرائيلية نحو لحظة مفصلية قد تحدد مسارها في الأسابيع المقبلة، وسط مؤشرات متزايدة على أن المواجهة مرشحة للانتقال من الضربات الجوية المتبادلة إلى مرحلة أكثر خطورة تشمل عمليات برية واسعة داخل جنوب لبنان. وفي موازاة هذا التصعيد العسكري، تتحرك بيروت على أكثر من خط دبلوماسي في محاولة لفتح نافذة تفاوضية عاجلة.
المعطيات التي تتداولها دوائر سياسية ودبلوماسية في بيروت تشير إلى أن لبنان يقف حالياً أمام مفترق حاسم، إذ إن إسرائيل تلوّح بتوسيع عملياتها العسكرية وتدرس خيارات ميدانية قد تصل إلى إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، بينما تحاول السلطة السياسية اللبنانية الدفع باتجاه إطلاق مسار تفاوضي سريع يوقف الحرب قبل أن تتحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
مصادر حكومية ودبلوماسية مطلعة تحدثت لـ"عربي بوست" عن كواليس مرحلة توصف داخل الأوساط الرسمية بأنها الأخطر منذ اندلاع الحرب، في ظل تقديرات متزايدة بأن الأيام المقبلة قد تشهد تطورات عسكرية كبيرة، بالتوازي مع تحركات سياسية متسارعة لمحاولة تجنب السيناريو الأسوأ، وهو ما ستكشف تفاصيله في هذا التقرير اعتماداً على مصادر موثوقة.
تحركات دبلوماسية وتحذيرات أوروبية
قالت مصادر حكومية ودبلوماسية مطلعة لـ"عربي بوست" إن لبنان دخل مرحلة شديدة الحساسية من الحرب مع إسرائيل، وسط تقديرات متزايدة بأن المواجهة مرشحة للتوسع خلال الأسابيع المقبلة. وفي الوقت الذي تستعد فيه إسرائيل لعملية برية داخل جنوب لبنان، تحاول بيروت فتح مسار تفاوضي عاجل مع إسرائيل لوقف الحرب قبل انتقالها إلى مرحلة أكثر خطورة.
وشهدت الأيام الأخيرة سلسلة اتصالات دبلوماسية مكثفة بين بيروت وعدد من العواصم الغربية والعربية في محاولة لمنع توسع العمليات العسكرية، غير أن المؤشرات التي تصل إلى لبنان لا تعكس حتى الآن وجود قرار دولي حاسم للضغط على إسرائيل من أجل وقف الحرب.
تقديرات دبلوماسية أوروبية، نقلتها مصادر مطلعة لـ"عربي بوست"، تشير إلى أن عدداً من العواصم الغربية، وتحديداً بريطانيا وفرنسا، ترى أن الوضع في لبنان يتجه "من السيئ إلى الأسوأ"، وأن إسرائيل أبلغت أطرافاً دولية بأن الظروف الحالية قد تشكل فرصة لإعادة صياغة المعادلة الأمنية على حدودها الشمالية.
وبدأت بالفعل إجراءات احترازية داخل بعض السفارات الأجنبية في بيروت، شملت تقليص عدد الدبلوماسيين وإجلاء أفراد من عائلاتهم، في ظل مخاوف من توسع العمليات العسكرية لتشمل بنى تحتية لبنانية.
وتعكس هذه الإجراءات تقديراً دبلوماسياً متزايداً بأن الملف اللبناني لم يعد يحظى بالأولوية الدولية نفسها، في ظل انشغال القوى الكبرى بالحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وتداعياتها الاقتصادية العالمية.
هذه التطورات دفعت تقارير دبلوماسية أوروبية إلى الحديث بشكل صريح عن أن ملف سلاح حزب الله أصبح في قلب الحسابات الدولية المرتبطة بالحرب، مع تقديرات في عدد من العواصم الغربية بأن لحظة الحسم في هذا الملف قد تكون تقترب.
تصريح خامنئي وانخراط لبنان في الحرب
داخل الأوساط الحكومية اللبنانية، يُنظر إلى تصريح المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي حول دخول حزب الله الحرب دعماً لإيران باعتباره أحد أكثر التطورات تأثيراً في مسار المواجهة.
مصادر حكومية لبنانية أوضحت لـ"عربي بوست" أن هذا الإعلان نقل الحرب في لبنان من إطار المواجهة الحدودية التقليدية إلى إطار الصراع الإقليمي المفتوح بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
هذا التحول عزز، بحسب تقديرات رسمية لبنانية، قناعة إسرائيل بأن القرار العسكري في لبنان لم يعد بيد السلطة السياسية اللبنانية، بل بيد حزب الله المرتبط مباشرة بالمحور الإيراني.
وترى هذه المصادر أن هذا التقدير يفسر تجاهل إسرائيل حتى الآن للمبادرة التي طرحها رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون لفتح مفاوضات مباشرة تهدف إلى وقف الحرب.
محاولة وقف الحرب اللبنانية الإسرائيلية
ضمن محاولة لاحتواء التصعيد، يعمل رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون منذ أيام على بلورة مبادرة سياسية شاملة تهدف إلى وقف الحرب وإطلاق مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل.
المبادرة، وفق المصادر الحكومية، تقوم على عدة عناصر أساسية، أبرزها وقف إطلاق النار بالتزامن مع بدء مفاوضات سياسية، إضافة إلى وضع خطة تدريجية لسحب سلاح حزب الله من مختلف المناطق اللبنانية وفق آلية زمنية محددة تمتد من 6 أشهر إلى سنة.
كما تتضمن المبادرة تصوراً لإعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب وتأمين دعم دولي وعربي للبنان خلال مرحلة ما بعد النزاع.
غير أن هذه المبادرة لم تحظ حتى الآن بدعم دولي واضح، كما اصطدمت بتحفظات داخلية، خصوصاً من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله.
وتكشف المصادر أن الحرب أظهرت أيضاً تبايناً واضحاً داخل السلطة اللبنانية بشأن كيفية التعامل مع الأزمة.
فبينما يميل جوزيف عون ونواف سلام إلى فتح مسار تفاوضي سريع لوقف الحرب، يتمسك نبيه بري بعدم الدخول في مفاوضات مباشرة تحت ضغط العمليات العسكرية، ويؤكد تمسكه بالآلية السابقة للتفاوض غير المباشر المعروفة باسم "الميكانيزم"، التي كانت تستخدم لإدارة الاتصالات بين لبنان وإسرائيل.
وترى المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست" مفضلة عدم ذكر اسمها أن هذا الخلاف يعكس اختلافاً في تقدير المخاطر، إذ يخشى بري أن يؤدي التفاوض المباشر تحت ضغط الحرب إلى فرض شروط قاسية على لبنان.
وفد تفاوضي لبناني قيد الإعداد
في موازاة هذه التحركات السياسية، تجري مشاورات لتشكيل وفد تفاوضي لبناني يمثل مختلف المكونات السياسية والطائفية في البلاد. المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" تشير إلى أن الأسماء المطروحة لعضوية الوفد تشمل: وزير الخارجية يوسف رجي، والسفير اللبناني السابق سيمون كرم.
كما تشمل أيضاً الباحث والأكاديمي بول سالم، والسفير اللبناني السابق في روسيا شوقي بو نصار، والأمين العام لوزارة الخارجية عبد الستار عيسى، والسفير اللبناني السابق في لندن رامي مرتضى.
ويجري بحث إمكانية ضم شخصيات عسكرية وخبراء في ملف ترسيم الحدود، بينما لا تزال النقاشات مستمرة حول مكان انعقاد المفاوضات المحتملة، مع طرح خيارات تشمل قبرص أو فرنسا أو الولايات المتحدة.
إسرائيل تستعد لتوسيع العمليات العسكرية
على المستوى العسكري، تتحدث مصادر أمنية لبنانية لـ"عربي بوست" عن تكثيف واضح للتحركات الإسرائيلية على الحدود خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع توسيع العمليات الجوية داخل الأراضي اللبنانية.
وتشير التقديرات إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يدرس تنفيذ عملية برية قد تمتد إلى نحو 10 كيلومترات داخل جنوب لبنان بهدف إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود.
وطالت الضربات الإسرائيلية الأخيرة مناطق واسعة من لبنان، من الجنوب إلى البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت وصولاً إلى قلب العاصمة. وشملت الغارات مناطق داخل بيروت مثل الرملة البيضاء وعرمون والباشورة وزقاق البلاط، في مؤشر واضح إلى تحول في قواعد الاشتباك.
المعطيات الميدانية تشير كذلك إلى تنفيذ القوات الإسرائيلية توغلات محدودة في عدد من القرى الحدودية.
في القطاع الشرقي شملت التحركات مناطق كفركلا والعديسة وبرج الملوك ووادي هونين، بينما شملت في القطاع الأوسط بلدات مارون الراس وعيتا الشعب وبنت جبيل ويارون ورامية.
أما في القطاع الغربي فقد طالت العمليات مناطق الناقورة وعلما الشعب والضهيرة والجبين. وتقدّر مصادر ميدانية أن القوات الإسرائيلية دخلت أو حاولت الدخول إلى نحو 15 موقعاً مختلفاً داخل الشريط الحدودي.
ماذا عن الحدود السورية؟
تتزايد المخاوف من تطورات الوضع في الجبهة الجنوبية على الحدود اللبنانية السورية. وأفادت مصادر عسكرية بأن الولايات المتحدة طلبت من الرئيس السوري عدم الانخراط في المواجهة في حال تنفيذ عمليات عسكرية ضد حزب الله في منطقة البقاع، غير أن الشرع أكد رفضه لهذا المسار مشيراً إلى أنه سيعمل على تعزيز الإجراءات على طول الحدود.
فيما جرى اتصال هاتفي بين الرئيس اللبناني جوزيف عون والرئيس السوري أحمد الشرع لبحث التطورات، حيث اتفق الطرفان على خفض التوتر وضبط الوضع على الحدود. وشارك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في اتصال ثلاثي مع الرئيسين اللبناني والسوري لبحث الوضع الأمني في المنطقة.
حزب الله يستعد لمواجهة برية
في المقابل، تتعامل قيادة حزب الله مع المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة انتقالية قد تسبق توسيع العمليات البرية الإسرائيلية داخل جنوب لبنان.
مصادر مقربة من الحزب أوضحت لـ"عربي بوست" أن التركيز يجري منذ أيام على إعادة تنظيم الانتشار العسكري في الجبهة الجنوبية ورفع مستوى الجهوزية القتالية تحسباً لأي محاولة توغل أوسع من جانب الجيش الإسرائيلي.
وبحسب هذه المصادر، فإن الحزب وضع وحداته الميدانية في حالة استنفار مرتفعة منذ إعلان الدخول في الحرب المفتوحة، وبدأ بإعادة توزيع جزء من قواته في القرى والبلدات الواقعة على امتداد الشريط الحدودي.
كما جرى تعزيز نقاط الرصد والمراقبة وإعادة تفعيل عدد من الشبكات القتالية التي أُنشئت منذ حرب تموز/ يوليو 2006 وتم تطويرها خلال السنوات الماضية.
المصادر تشير إلى أن الحزب يتعامل مع احتمال التقدم البري الإسرائيلي وفق سيناريوهات متعددة، تبدأ بمحاولات توغل محدودة لتدمير مواقع أو منصات إطلاق صواريخ، وقد تصل إلى عملية أوسع تهدف إلى إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية.
وفي هذا السياق، جرى إعداد خطط دفاعية تعتمد على مزيج من الكمائن الأرضية والاشتباكات القريبة واستخدام الصواريخ الموجهة المضادة للدروع، إضافة إلى عمليات قنص واستهداف القوات المتقدمة بهدف إبطاء أي تقدم بري وإيقاع خسائر في صفوفه.
هدف إسرائيل من العملية
وتوضح المصادر أن الحزب يرى أن هدف إسرائيل من التهديد بعملية برية لا يقتصر على تدمير البنية العسكرية للحزب في الجنوب، بل يشمل أيضاً محاولة فرض معادلة سياسية جديدة على لبنان تتعلق بمستقبل سلاحه ودوره في الداخل اللبناني.
ولهذا السبب يعتبر الحزب أن المواجهة الحالية تتجاوز بعدها العسكري المباشر إلى ما يصفه بـ"محاولة إعادة تشكيل التوازنات في لبنان والمنطقة".
وفي هذا السياق أعلن الحزب إطلاق اسم "العصف المأكول" على عملياته العسكرية الأخيرة، في إشارة إلى انتقاله من مرحلة الردود المحدودة إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل.
وتقول المصادر إن هذه التسمية تعكس قراراً داخل قيادة الحزب بالاستعداد لمواجهة طويلة نسبياً، مع توسيع نطاق العمليات الصاروخية واستهداف مواقع عسكرية إسرائيلية على طول الجبهة.
التقديرات القريبة من الحزب تشير إلى أن استراتيجيته تقوم على الصمود الميداني ومنع إسرائيل من تحقيق أهداف عسكرية سريعة، بما يؤدي إلى استنزاف قدراتها وإجبارها في نهاية المطاف على القبول بوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات سياسية.
كما تعتقد قيادة الحزب أن أي عملية برية إسرائيلية واسعة قد تتحول إلى عامل ضغط على الحكومة الإسرائيلية نفسها إذا تكبد الجيش الإسرائيلي خسائر كبيرة داخل القرى الحدودية.
وترى هذه المصادر أن الحزب يربط أيضاً مسار المواجهة في لبنان بالتطورات الإقليمية الأوسع، ولا سيما المواجهة بين إيران وإسرائيل.
لبنان أمام سباق مع الزمن
في ظل هذه التطورات، يبدو أن لبنان يقف أمام سباق مع الزمن بين مسارين متوازيين: مسار الحرب المتصاعدة على الأرض، ومسار دبلوماسي تحاول من خلاله السلطة اللبنانية فتح باب للتفاوض قبل أن تتوسع العمليات العسكرية.
حتى الآن، لا تظهر مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الحرب، بينما تتسارع التطورات الميدانية بوتيرة تفوق قدرة المبادرات السياسية على مواكبتها.
وفي حال توسعت العمليات البرية الإسرائيلية داخل جنوب لبنان، فقد تدخل البلاد مرحلة أكثر تعقيداً تجعل التوصل إلى تسوية سياسية أمراً أكثر صعوبة في المدى القريب.