تتجه الأنظار في الأيام الأخيرة إلى الحدود السورية اللبنانية التي تشهد حالة من الترقب الأمني في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، فمع اتساع رقعة الحرب في المنطقة تتزايد المخاوف من أن تمتد تداعياتها إلى مناطق جديدة، ما يجعل الشريط الحدودي بين البلدين أحد أكثر المواقع حساسية في المشهد الإقليمي الحالي.
وفي محاولة لتجنب أي تصعيد غير محسوب، عززت بيروت ودمشق وتيرة التواصل السياسي والعسكري بينهما لمتابعة التطورات الميدانية وضبط الوضع على طول الحدود المشتركة. ويهدف هذا التنسيق إلى منع أي احتكاك قد يؤدي إلى فتح جبهة جديدة، خصوصاً في المناطق الممتدة بين القلمون السوري والبقاع اللبناني.
وشكّل سقوط قذائف مدفعية في محيط بلدة سرغايا في ريف دمشق الغربي، القريبة مباشرة من الحدود اللبنانية، نقطة تحول دفعت الاتصالات السياسية والأمنية بين بيروت ودمشق إلى التكثف خلال الساعات الماضية. وركزت هذه الاتصالات، التي جرت بين الرئيس اللبناني والرئيس السوري، على احتواء تداعيات الحادثة ومنع تحولها إلى توتر أوسع.
"جرس إنذار" على الحدود السورية اللبنانية
أعلن الجيش السوري، الثلاثاء 10 مارس/ آذار 2026، أن القذائف أُطلقت من الأراضي اللبنانية وسقطت بالقرب من نقاط انتشار عسكرية في المنطقة، في حين تحدثت تقارير ميدانية عن تحركات لعناصر تابعة لحزب الله على الجانب المقابل من الحدود.
في المقابل، أعلن حزب الله اللبناني أن إطلاق الصواريخ جاء في سياق استهداف مروحيات إسرائيلية قال إنها كانت تحاول تنفيذ عملية إنزال في المنطقة بهدف التقدم نحو الأراضي اللبنانية في البقاع.
غير أن هذه الرواية اصطدمت بمعطيات ميدانية مختلفة، إذ نقلت وكالة رويترز عن مصادر عسكرية إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي لم يخض أي اشتباك مع حزب الله في تلك المنطقة، كما لم يتم تسجيل أي عملية إنزال عسكرية.
كما أكدت السلطات السورية أنها لم ترصد أي نشاط عسكري إسرائيلي من هذا النوع داخل الأراضي السورية في تلك الليلة، الأمر الذي زاد من حالة الغموض حول ملابسات الحادثة.
ودفع هذا التباين في الروايات الجيشين السوري واللبناني إلى تفعيل قنوات الاتصال العسكرية القائمة بينهما لمتابعة التحقيق في الحادثة ومنع تكرارها.
مخاوف متبادلة على جانبي الحدود
رغم حرص الطرفين على احتواء التوتر، فإن العلاقات السورية اللبنانية تمر حالياً بمرحلة من الحذر المتبادل تحكمها حسابات أمنية معقدة.
في لبنان، أثارت التعزيزات العسكرية السورية التي انتشرت مؤخراً على طول الشريط الحدودي حالة من القلق في بعض الأوساط السياسية، خصوصاً في المناطق الحدودية في البقاع والشمال، حيث تخشى بعض القوى من احتمال أن تتحول هذه الحشود إلى مقدمة لعمليات عسكرية محدودة داخل الأراضي اللبنانية.
غير أن مصادر حكومية لبنانية قالت لـ"عربي بوست" إن هذه المخاوف لا تستند إلى معطيات ميدانية فعلية، إذ تشير الاتصالات المباشرة مع دمشق إلى أن التحركات العسكرية السورية تأتي في إطار إجراءات دفاعية لضبط الحدود، وليس في إطار أي نية للتدخل في الساحة اللبنانية.
في المقابل، تنظر دمشق إلى الوضع الحدودي من زاوية مختلفة، فالمخاوف السورية تتركز أساساً على احتمال استخدام الحدود اللبنانية كمنصة لتهديد الأمن السوري، سواء عبر تحركات عسكرية قد يقوم بها حزب الله في ظل الحرب الجارية، أو عبر نشاط مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السوري السابق.
وأشارت مصادر أمنية سورية لـ"عربي بوست" إلى أن القيادة في دمشق تأخذ بجدية احتمال أن تحاول إيران أو بعض حلفائها نقل جزء من الصراع إلى الأراضي السورية في حال تعذر توسيع الجبهات الأخرى في المنطقة.
كما تخشى دمشق من احتمال أن تسعى إسرائيل إلى دفع الأمور نحو احتكاكات ميدانية بين سوريا وحزب الله، بما يؤدي إلى خلق توتر دائم على الحدود السورية اللبنانية.
هواجس سورية من التحركات الإسرائيلية
إلى جانب المخاوف المرتبطة بتحركات حزب الله، تبدي دمشق قلقاً متزايداً من النشاط العسكري الإسرائيلي في منطقة البقاع اللبنانية، التي تعتبرها القيادة السورية امتداداً جغرافياً وأمنياً مباشراً للعمق السوري.
وتعتقد مصادر حكومية سورية أن إسرائيل قد تسعى خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية في البقاع، سواء عبر ضربات جوية أو عبر عمليات إنزال محدودة تستهدف مواقع عسكرية تابعة لحزب الله.
غير أن القلق السوري لا يقتصر على استهداف الحزب فقط، بل يرتبط أيضاً بالانعكاسات الاستراتيجية التي قد تنجم عن أي وجود عسكري إسرائيلي متقدم في تلك المنطقة.
فمن الناحية الجغرافية، تشرف المرتفعات الواقعة في البقاع الغربي على مساحات واسعة من الأراضي السورية، بما فيها الطريق المؤدي إلى العاصمة دمشق، وبالتالي فإن أي تمركز عسكري إسرائيلي في تلك المرتفعات قد يمنح تل أبيب قدرة أكبر على مراقبة العمق السوري وفرض ضغط عسكري مباشر على دمشق.
وتشير تقديرات سورية إلى احتمالين رئيسيين قد تسعى إسرائيل لتحقيقهما في البقاع:
- الأول تنفيذ عمليات عسكرية محدودة انطلاقاً من مرصد جبل الشيخ باتجاه مناطق البقاع الغربي، بما قد يسمح للقوات الإسرائيلية بالاقتراب أكثر من الحدود السورية.
- أما الاحتمال الثاني فيتمثل في تنفيذ عمليات إنزال سريعة تستهدف مواقع عسكرية محددة أو مرتفعات استراتيجية، بما يسمح لإسرائيل بفرض واقع أمني جديد في المنطقة.
وترى دمشق أن مثل هذه التحركات قد تندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة بعد الحرب الحالية.
تعزيزات عسكرية سورية لضبط الحدود
في هذا السياق، دفعت القوات السورية خلال الساعات الماضية بتعزيزات إضافية إلى محيط بلدة سرغايا وعدد من النقاط الواقعة على طول الحدود السورية اللبنانية.
وتضم هذه التعزيزات وحدات من حرس الحدود وكتائب استطلاع وقوات خاصة من "العصائب الحمراء"، وتتمثل مهمتها الأساسية في تكثيف عمليات المراقبة الميدانية ومنع أي عمليات تسلل محتملة عبر الحدود.
كما جرى تعزيز نقاط المراقبة العسكرية في المناطق الجبلية والمعابر غير الشرعية التي استخدمت خلال السنوات الماضية لنقل السلاح والمقاتلين بين البلدين.
وبحسب مصادر عسكرية سورية، فإن هذه الإجراءات تندرج ضمن خطة أوسع لإعادة إحكام السيطرة على الحدود في ظل المخاوف من استغلال الظروف الإقليمية الحالية لإعادة فتح خطوط الإمداد العسكرية عبر الأراضي السورية.
تنسيق سياسي وأمني لاحتواء التوتر
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن بيروت ودمشق تدركان أن ضبط الحدود السورية اللبنانية بات ضرورة مشتركة للبلدين.
فبالنسبة إلى سوريا، يمثل منع أي نشاط عسكري غير منضبط على الحدود أولوية أمنية في هذه المرحلة الحساسة. أما لبنان، فيسعى إلى تجنب فتح جبهة إضافية في وقت يواجه فيه تصعيداً عسكرياً واسعاً مع إسرائيل.
ولهذا السبب كثف الطرفان خلال الأيام الأخيرة التنسيق السياسي والأمني بينهما لضمان بقاء الحدود تحت السيطرة ومنع أي حادث ميداني من التحول إلى أزمة بين البلدين.
وفي موازاة ذلك، أجرى الرئيس السوري سلسلة اتصالات مع عدد من المسؤولين اللبنانيين، من بينهم رئيس الحكومة نواف سلام وزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب الكتائب سامي الجميل، في خطوة تهدف إلى توضيح طبيعة التحركات العسكرية السورية ومنع استغلالها سياسياً داخل لبنان.
وتشير مصادر حكومية لبنانية إلى أن هذه الاتصالات ساهمت في تهدئة المناخ السياسي في بيروت، وأعادت التأكيد على أن التحركات العسكرية السورية على الحدود تندرج ضمن إجراءات دفاعية تهدف إلى ضبط الحدود ومنع انتقال التوترات الإقليمية إلى الداخل السوري.
وفي ظل استمرار الحرب الإقليمية وتزايد احتمالات اتساعها، تبدو الحدود السورية-اللبنانية مرشحة للبقاء واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد الإقليمي، حيث تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية مع الهواجس الأمنية لكل من بيروت ودمشق.