رغم وصية خامنئي بعدم التوريث لابنه.. كواليس تعيين مجتبى مرشداً جديداً لإيران وتفاصيل الخلافات الداخلية

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/11 الساعة 16:56 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/11 الساعة 16:56 بتوقيت غرينتش
مجتبى خامنئي عين مرشدا أعلى لإيران خلفا لوالده/ عربي بوست

في أعقاب الضربة التي أنهت حياة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، دخلت إيران واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، فغياب الشخصية التي حكمت البلاد لأكثر من 3 عقود فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول كيفية إدارة انتقال السلطة داخل النظام، خاصة في ظل الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

لم يمر وقت طويل قبل أن تعلن طهران تعيين مجتبى خامنئي، الابن الثاني للمرشد الراحل، مرشداً أعلى جديداً للجمهورية الإسلامية، غير أن هذا القرار لم يكن مجرد خطوة إجرائية داخل مؤسسة الحكم، بل رافقته كواليس معقدة داخل المؤسسة الدينية والسياسية، شملت اجتماعات سرية لمجلس الخبراء، وتبايناً في مواقف بعض كبار رجال الدين حول آلية اختيار المرشد الجديد.

تكشف مصادر سياسية ودينية إيرانية لـ"عربي بوست" تفاصيل ما جرى خلف الأبواب المغلقة خلال الأيام التي أعقبت اغتيال خامنئي، بدءاً من ظروف انعقاد جلسة مجلس الخبراء بشكل عاجل وسري، مروراً بالخلافات التي ظهرت داخل المؤسسة الدينية، وصولاً إلى العوامل السياسية والأمنية التي دفعت دوائر نافذة داخل النظام إلى الدفع بتعيين مجتبى خامنئي في هذا التوقيت الحرج.

جلسة سرية لتعيين مجتبى خامنئي

أعلن مجلس الخبراء في إيران، وهو هيئة دينية منتخبة تضم 88 عضواً من كبار رجال الدين، تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران خلفاً لوالده. وتتمثل مهمة المجلس، وفق الدستور الإيراني، في اختيار المرشد الأعلى ومراقبة أدائه، مع امتلاكه صلاحية عزله إذا لزم الأمر.

وجاء الإعلان عن التعيين بعد موجة من التصريحات المتضاربة داخل المؤسسة الدينية الإيرانية بشأن ما جرى داخل المجلس. فعلى سبيل المثال، قال آية الله علم الهدى إن "التصويت تم بالفعل لاختيار مرشد أعلى جديد، وتم اتخاذ القرار النهائي وفقاً للدستور ولا يحق للأعضاء تغييره".

في المقابل، صرح آية الله محمد مهدي مير باقري لوسائل إعلام إيرانية محلية، قبل ساعات من إعلان تعيين مجتبى خامنئي في 9 مارس/ آذار 2026، بأنه لم يتم إجراء التصويت بعد، مشيراً إلى أن بعض العقبات الإجرائية لا تزال بحاجة إلى حل قبل إعلان القرار الرسمي.

ويفسر رجل دين بارز من داخل المؤسسة الدينية الإيرانية هذا التضارب بالقول لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم الكشف عن هويته: "تم اتخاذ قرار عقد جلسة مجلس الخبراء لاختيار المرشد بشكل سريع للغاية وسري، وتم إبلاغ ثلثي الأعضاء فقط، وقال لنا المسؤولون الأمنيون إن هذه الإجراءات الاستثنائية جاءت بسبب ظروف تأمين أعضاء المجلس".

وكانت إسرائيل قد استهدفت في الأيام السابقة مباني مجلس الخبراء في مدينة قم الإيرانية. وبحسب مصادر إيرانية تحدثت لـ"عربي بوست"، لم تقع خسائر بشرية لأن أعضاء المجلس كانوا يعقدون جلسة تشاورية عبر الإنترنت. وينص الدستور الإيراني على ضرورة تحقق النصاب القانوني بحضور ثلثي أعضاء مجلس الخبراء لإعلان المرشد الأعلى الجديد.

المصدر الديني نفسه أشار إلى أن بعض أعضاء المجلس أبدوا استياءهم من طريقة إعلان التعيين، قائلاً: "الأعضاء الذين لم يحضروا هذه الجلسة كانوا غاضبين من إعلان تعيين مجتبى من دون حضورهم وأخذ رأيهم، خاصة أن من بينهم من كان يعارض توريث المنصب حفاظاً على الأسس الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية".

وأضاف المصدر ذاته خلال حديثه لـ"عربي بوست": "الأعضاء الذين غابوا عن جلسة تعيين مجتبى خامنئي لم يتم إبلاغهم بموعد الجلسة بزعم الإجراءات الأمنية".

لماذا توريث منصب المرشد الأعلى؟

تشير مصادر دينية إيرانية تحدثت لـ"عربي بوست" إلى أن مسألة توريث منصب المرشد الأعلى لم تكن مطروحة بشكل جدي داخل المؤسسة الدينية قبل اغتيال علي خامنئي، بل إن المرشد الراحل كان حريصاً، وفق هذه المصادر، على تجنب تحويل المنصب إلى صيغة عائلية قد تتعارض مع المبادئ التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية.

بحسب تلك المصادر، فإن علي خامنئي كان قد كتب وصيته قبل اغتياله بأشهر معدودة، وشدد فيها على عدم تعيين نجله مجتبى خليفة له، في محاولة لمنع ترسيخ فكرة توريث السلطة داخل النظام السياسي الإيراني.

ويعود هذا الموقف إلى الخلفية الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية، التي قامت بعد الثورة الإيرانية عام 1979 بقيادة آية الله روح الله الخميني، والتي أطاحت بالنظام الملكي في البلاد. ومنذ ذلك الحين حرص قادة الثورة، بمن فيهم الخميني وخامنئي، على انتقاد الحكم الوراثي في أكثر من مناسبة واعتباره نموذجاً "فاسداً" يتناقض مع مبادئ الثورة.

وفي هذا السياق، يقول رجل دين بارز مقرب من مجلس الخبراء، ورافض لتولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى، في حديثه لـ"عربي بوست": "في العديد من المناسبات والاجتماعات المغلقة بين خامنئي الأب ورجال الدين، أكد رفضه لتوريث منصبه، وكان يؤيده في هذا الأمر الكثير من رجال الدين البارزين".

كما أضاف المصدر ذاته أن مجلس الخبراء اقترح على خامنئي العديد من أسماء المرشحين لخلافته، "لكنه اكتفى بتحديد الشروط اللازمة لاختيار خليفته، والتي كان من أبرزها أن يكون المرشح مخلصاً لقيم الجمهورية الإسلامية والقيم الثورية، وسبق له أن تولى منصباً منتخباً".

لكن الظروف الاستثنائية التي أعقبت اغتيال خامنئي، خصوصاً اندلاع المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أعادت ترتيب أولويات النخبة السياسية داخل النظام.

ويقول مصدر سياسي من التيار الأصولي لـ"عربي بوست": "لولا الحرب ما كان التوريث. قبل اغتيال خامنئي كان هناك شخصيات بارزة في المؤسسة السياسية رافضة لتولي مجتبى الحكم، ولكن تم إسكاتها الآن بحجة أن إيران تحتاج إلى قائد يكمل مسيرة خامنئي الأب، ويكون على دراية كاملة بشؤون الحكم الداخلي".

دوافع اختيار مجتبى خامنئي

حددت المصادر السياسية والدينية الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست" 3 عوامل كانت وراء الدافع لاختيار مجتبى خامنئي لخلافة أبيه:

تحدي الولايات المتحدة وإسرائيل

يقول سياسي إيراني بارز من التيار الأصولي لـ"عربي بوست": "وصف ترامب مجتبى خامنئي بأنه أسوأ اختيار لإيران، وقال إنه يريد أن يشارك في هذه العملية، كما هددت إسرائيل باغتياله. كل هذه الأمور دفعت القيادات العسكرية والأمنية الإيرانية إلى اختيار مجتبى كتحدٍ لواشنطن وتل أبيب".

السياسي الإيراني أكد أيضاً أنه "صحيح أن تأمين مجتبى سيكون أصعب بعد إعلانه قائداً لإيران، ولكن بعض قادة الحرس وكبار المسؤولين الأمنيين الذين تربطهم علاقة قوية بمجتبى رأوا أن تعيينه سيكون بمثابة إرسال رسالة تحدٍ للأعداء".

إغلاق الباب أمام التنافس الداخلي

في هذا الصدد، أشار مصدر "عربي بوست" إلى أنه بعد اغتيال خامنئي الأب كان هناك الكثير من التنافس بين الفصائل السياسية حول اختيار خليفة خامنئي.

وقال: "بدأت حدة التنافس في الازدياد، كل فصيل يريد الدفع بمرشحه المفضل، وإذا تم ترك الباب مفتوحاً أمام هذا التناحر فهذا سيؤدي إلى إضعاف الجبهة الداخلية، مما يؤثر على التماسك الداخلي في مواجهة الضغوط العسكرية الخارجية".

ويقول مصدر سياسي آخر مقرب من مكتب المرشد الأعلى لـ"عربي بوست": "اختيار مجتبى جاء لإسكات كل الأصوات المتنافسة، لأننا في وقت غير عادي. نمر بأكبر تهديد وجودي، ولا مجال للتنافسات السياسية الداخلية، فكان لا بد من تدخل حاسم لإعلان قائد يستكمل مسيرة خامنئي".

ضغط الدولة العميقة

لطالما كان مجتبى خامنئي مقرباً من الدوائر الأمنية والعسكرية، كما أنه كان يدير مكتب والده، المؤسسة السياسية الهائلة التي يُنظر إليها باعتبارها الحكومة غير المنتخبة والتي تمثل الدولة العميقة في إيران.

وفي هذا السياق، يقول المصدر السياسي المقرب من مكتب المرشد الأعلى لـ"عربي بوست": "مجتبى هو اختيار الدولة العميقة في المقام الأول. إنه على دراية بكل خفايا سير المؤسسة السياسية ويمتلك داعمين أقوياء في المؤسسات الأمنية والاستخباراتية، كما أنه الوحيد القادر على الحفاظ على المصالح السياسية والاقتصادية لأصحاب النفوذ في المؤسسة السياسية الإيرانية".

تماسك النظام مقابل الأيديولوجية

يرى بعض المراقبين أن قرار تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران يعكس تحولاً في أولويات النخبة الحاكمة داخل الجمهورية الإسلامية، حيث جرى تغليب الاعتبارات المتعلقة بالحفاظ على تماسك النظام واستقراره على النقاشات الأيديولوجية التي لطالما شكلت أحد أعمدة الخطاب السياسي للنظام منذ قيام الثورة عام 1979.

وفي هذا السياق، يعلق المحلل السياسي المقرب من المؤسسة السياسية الإيرانية رضا أحمديان على اختيار مجتبى خامنئي، واصفاً القرار بأنه "اختيار تماسك النظام على حساب الاتساق العقائدي والأيديولوجي".

ويقول أحمديان في حديثه لـ"عربي بوست": "الأزمة الحالية التي تمر بها إيران كانت هي الدافع الأكبر لصعود مجتبى إلى الحكم، من أجل ترسيخ النظام بدلاً من المغامرة بتفكيكه في الوقت الحالي". ويضيف موضحاً أن دوائر القرار داخل طهران تنظر إلى اللحظة الراهنة باعتبارها لحظة دفاع عن النظام أكثر من كونها فرصة لإعادة تشكيله سياسياً.

وقال أحمديان: "يرى قادة إيران الحاليون أن هذه اللحظة هي لحظة تعزيز مركزية المؤسسات والشبكات التي لطالما حافظت على هذا النظام، وليست لحظة إفساح المجال لتجديد دماء الحكم أو فتح الباب أمام التنافس السياسي".

ويختتم أحمديان حديثه بالإشارة إلى أن تداعيات هذا القرار قد تظهر لاحقاً على المستويين السياسي والاجتماعي، لكنه يرى أن حسابات القيادة الإيرانية تركز حالياً على إدارة الأزمة القائمة.

ويقول: "بالطبع سيكون هناك تداعيات لاختيار مجتبى سواء سياسية أو اجتماعية لم تتبلور إلى الآن، ولكن في اللحظة الراهنة، وفي ظل الأزمة غير المسبوقة التي تمر بها الجمهورية الإسلامية، فإن الحفاظ على النظام والتماسك الداخلي وتأجيل التوترات السياسية والاجتماعية أهم من مناقشة النتائج على المدى البعيد".

تحميل المزيد