رسائل القاهرة لحفتر.. تفاصيل ضغوط استخباراتية مصرية في ليبيا لتجفيف منابع إمداد “الدعم السريع”

عربي بوست
تم النشر: 2026/02/18 الساعة 13:36 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/02/18 الساعة 13:37 بتوقيت غرينتش
تحركات مصرية لقطع الطريق على إمدادات ليبية لقوات حميدتي في السودان/ عربي بوست

تتصاعد وتيرة التحركات الأمنية المصرية غرباً على وقع تطورات متسارعة في السودان وليبيا، حيث تتداخل حسابات الحدود مع رهانات موازين القوى في دارفور والخرطوم، إذ تنظر القاهرة إلى المشهد باعتباره وحدة جغرافية ـ أمنية مترابطة، لا يمكن فصل ما يجري في المثلث الحدودي عن ديناميات الصراع داخل السودان أو عن مراكز النفوذ شرق ليبيا.

ومع اتساع رقعة الاشتباك وتعدد خطوط الإمداد، باتت إدارة الحدود المصرية مسألة تتجاوز البعد الرقابي التقليدي إلى إعادة هندسة المجال الحيوي المحيط بمصر، وفي هذا الإطار، تتحول التحركات الأمنية إلى أداة ضغط استباقية تهدف إلى منع ترسيخ وقائع ميدانية قد تعيد رسم توازنات المنطقة على نحو لا يتوافق مع الحسابات المصرية.

في هذا السياق، تأتي زيارة مدير جهاز المخابرات المصرية إلى بنغازي، ولا تبدو أنها خطوة بروتوكولية، بل جزءاً من مسار أوسع لإعادة ضبط التوازنات في المثلث الحدودي المصري الليبي السوداني. كما تعكس الزيارة انتقالاً من مرحلة المتابعة الاستخباراتية إلى مرحلة الضغط السياسي والأمني المباشر لإعادة ترتيب شبكة التحالفات في الشرق الليبي.

الزيارة في سياق الخطوط الحمراء المصرية

لا تنفصل الزيارة التي قام بها مدير جهاز المخابرات المصري اللواء حسن رشاد إلى مدينة بنغازي الليبية ولقائه المشير خليفة حفتر، الذي يقود قوات شرق ليبيا، عن تحركات مصرية نشطة خلال الأيام الماضية لتضييق الخناق على قوات الدعم السريع في السودان بما يسهم في إنهاء الحرب وإحداث توازن تراه القاهرة ضرورياً للجيش السوداني.

إذ إنها جاءت بعد أن أعلنت مصر خطوطاً حمراء في السودان ودعمته إفريقياً خلال قمة السلم والأمن، من خلال رفض الاعتراف بالحكومة الموازية، إلى جانب زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى العاصمة الكينية نيروبي الأحد، بعد أن كانت الأخيرة شاهدة على مولد "تحالف تأسيس" الذي يقوده الدعم السريع وخروج الحكومة الموازية في السودان.

وقال مصدر مصري مطلع، صرح لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الملف السوداني كان حاضراً في زيارة رئيس المخابرات المصري الأخيرة إلى ليبيا، في ظل حالة السيولة التي تشهدها منطقة المثلث الحدودي، والتي تحاول مصر ضبطها لقطع الإمدادات عن قوات الدعم السريع.

وترى القاهرة أن هناك أكثر من أزمة يجب التعامل معها، في مقدمتها مشاركة عناصر محسوبة على قوات حفتر في تقديم الدعم اللوجستي والتدريبات لقوات الدعم السريع، والأمر الآخر يتعلق بالقدرة على ضبط الحدود، خاصة أن القوات الليبية تشكو من وجود مناطق صحراوية شاسعة يصعب السيطرة عليها، وهنا يأتي دور القاهرة في تقديم الدعم اللازم لضبط الحدود.

وشدد المصدر ذاته على أن القاهرة لديها شكوك حول لعب أطراف محسوبة على ما يعرف بـ"الجيش الوطني الليبي" أدواراً تخالف المصالح المصرية والليبية والسودانية، ووجهت تحذيرات من استمرارها، وفي الوقت ذاته تعمل على تقديم الدعم اللوجستي والمعلوماتي بشأن إمكانية تأمين الحدود.

وتملك القاهرة، وفق مصدر "عربي بوست"، إحداثيات بأماكن تمركز قوات الدعم السريع بالقرب من ليبيا، وترى أنه من دون الدعم الذي يصل إليها عبر الحدود مع ليبيا، لما استطاعت أن تحافظ على تواجد عسكري لها على الأرض، بخاصة أنه تم طردها من مناطق عديدة، لكنها تعيد انتشارها في مناطق أخرى.

وذكر المصدر أن زيارة رئيس جهاز المخابرات إلى ليبيا تأتي في سياق تنفيذ الخطوط الحمراء التي سبق أن أعلنتها القاهرة في السودان، وفي مقدمتها عدم السماح بتقسيمه والحفاظ على وحدته ومجابهة الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق المدنيين في دارفور.

كما أشار إلى أن القاهرة تثبت أن لديها القدرة على تنفيذ ما أعلنت عنه، وبالتالي فإن دعمها الذي كان يأخذ بعداً مستتراً للجيش السوداني أضحى الآن أكثر علنية ووضوحاً، خاصة مع وجود تحالف مع السعودية وتركيا يهدف إلى دعم الجيش السوداني باعتباره المؤسسة السودانية الشرعية في مواجهة مليشيات مسلحة.

المثلث الحدودي في السودان ومصر وليبيا/ عربي بوست
المثلث الحدودي في السودان ومصر وليبيا/ عربي بوست

وأوضح أن الضربات التي وجهها الجيش السوداني لمخازن أسلحة بالقرب من الحدود السودانية التشادية في دارفور قبل أيام جاءت بتنسيق استخباراتي مع الجانب المصري، وقد يمتد إلى وجود تنسيق تشادي أيضاً مع دعم عسكري تقدمه تركيا.

وتعمل القاهرة على تقويض الدعم السريع في ظل صعوبات الحفاظ على موازين القوى بين الطرفين، وترى مصر أن الموازين يجب أن تبقى محسومة لصالح الجيش، لكن إطالة أمد الحرب تسببت في إرهاقه، خاصة أنه جيش نظامي ثقيل الحركة في مواجهة مليشيات لديها سهولة في عملية الكر والفر.

تنسيق عسكري ورسائل ضاغطة

جاءت زيارة اللواء حسن رشاد إلى بنغازي، بعد أن شارك رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة في الجلسة الختامية للمؤتمر الأول لرؤساء أركان دول حوض البحر المتوسط وجنوب الصحراء، حيث تمت مناقشة سبل تعزيز التعاون العسكري والأمني بين الدول المشاركة، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة وحماية المصالح المشتركة، كما تم التطرق إلى مواجهة الهجرة غير النظامية ومكافحة الإرهاب مع احترام سيادة الدول.

والتقى خليفة بالفريق أول ركن خالد حفتر، رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة العربية الليبية، حيث تمت مناقشة سبل دعم التعاون العسكري بين البلدين بحضور وفد من الجانبين، وأشاد حفتر بالمشاركة المصرية في المؤتمر والدور الذي تلعبه مصر في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

ويوم الأحد 15 فبراير/ شباط 2026، وصل رشاد إلى بنغازي رفقة وفد رفيع المستوى، على رأسه اللواء أحمد عبد الخالق، المعروف بدوره في ملف غزة، والتقى الوفد قائد القيادة العامة، خليفة حفتر، ونجليه صدام وخالد حفتر، لبحث التطورات المحلية والإقليمية، وفق المكتب الإعلامي لقوات حفتر.

وجاءت الزيارة الثانية لرئيس المخابرات المصري في أقل من 5 أشهر للقاء حفتر وقادة قواته، وسط تداول أنباء عن حالة سخط لدى الرئيس المصري بسبب استمرار حفتر في تقديم الدعم اللوجستي والعسكري لقوات الدعم السريع السودانية بقيادة "حميدتي".

ويأتي هذا التحرك في سياق علاقة ممتدة بين القاهرة وقيادة شرق ليبيا، اتسمت خلال السنوات الماضية بكثافة الاتصالات واللقاءات على مستويات سياسية وأمنية متعددة. فمنذ اندلاع الأزمة الليبية عقب أحداث 2011، تبنت مصر مقاربة تقوم على الانفتاح على مختلف القوى الفاعلة، غير أن حفتر ظل أحد أبرز الشركاء في الحسابات المصرية.

تحذيرات مباشرة وتجفيف خطوط الإمداد

بحسب مصدر عسكري مصري، فإن زيارة المسؤولين الأمنيين المصريين إلى ليبيا لها علاقة أيضاً بالتطورات على الساحة الليبية في أعقاب مقتل سيف الإسلام القذافي، وتسعى القاهرة لأن تحافظ على حالة من الهدوء والاستقرار في الشرق الليبي بالقرب من حدودها، وفي الوقت ذاته فإنها تهدف إلى تجفيف منابع تسليح "الدعم السريع" التي تتسلل عبر الحدود الليبية.

مصدر "عربي بوست" أشار إلى أن مصر قدمت رسائل مفادها أن أي سلاح سيعبر الحدود سيواجه بتدخلات خشنة للتعامل معه، وأن التهديدات بتفكيك الدولة السودانية لا يمكن التعامل معها بتهاون، وأن القاهرة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام انهيار الدولة السودانية، وأن المساس بوحدة السودان هو مساس مباشر بالأمن المائي والقومي المصري.

وأشار المصدر الذي صرح للموقع مفضلاً عدم ذكر اسمه إلى أن التحركات المصرية في ليبيا لا تنفصل عن الاستعداد للانتشار العسكري في الصومال، الذي يهدف إلى منع وجود قواعد لدول غير مشاطئة على البحر الأحمر عبر صفقات غير قانونية.

وتعمل القاهرة بالتعاون مع تركيا والسعودية على منع أي محاولة لفرض واقع جديد في مضيق باب المندب أو السواحل الصومالية، وتكمل خطواتها من خلال حصار التحركات الداعمة لعناصر الدعم السريع سواء كان ذلك من خلال الإمارات أو حفتر أو كينيا أو جنوب السودان، التي نجحت القاهرة في تحييدها، وكذلك تشاد.

وأشار إلى أن هناك أولويات مصرية في الوقت الحالي تتمثل في حماية السودان من التفكك، ومنع التدخلات الأجنبية في الصومال، وتأمين العمق الليبي، وتبعث القاهرة برسائل مفادها أن أمنها القومي ليس مجالاً للمساومة، وبالتالي فإن زيارة اللواء حسن رشاد ليست تقليدية، لكنها ضمن حراك مصري مكثف لتأمين الحدود.

وأوضح أن الزيارات تعكس وجود تجهيزات وتنسيق ملفات أمنية عاجلة في المنطقة، بينها تحركات فاعلة لوقف تسهيل الدعم الخارجي للدعم السريع في السودان عن طريق ليبيا، مثل إمدادات الوقود والأسلحة عبر مطار الكفرة أو مصفاة السرير، أو عبور مرتزقة إلى الداخل السوداني، مشيراً إلى أن القاهرة ترى في هذا الدعم اللوجستي تهديداً لأمنها القومي، وأنها تريد التحكم في المثلث الحدودي المصري الليبي السوداني.

اتهامات تلاحق حفتر بدعم قوات الدعم السريع
اتهامات تلاحق حفتر بدعم قوات الدعم السريع

وتنظر القاهرة إلى ليبيا باعتبارها امتداداً مباشراً لأمنها القومي، في ضوء الحدود البرية الطويلة التي تربط البلدين، فضلاً عن الروابط القبلية والتجارية المتداخلة. ومن هذا المنطلق، يحتل ملف تأمين الحدود الغربية موقعاً متقدماً في أولويات صانع القرار المصري، خاصة في ما يتعلق بمكافحة تهريب السلاح وتسلل العناصر المتطرفة وشبكات الاتجار بالبشر.

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2025، أكد الرئيس المصري على ضرورة إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة في ليبيا والتصدي لأي تدخلات خارجية في الشأن الليبي، وذلك خلال استقباله خليفة حفتر، بحضور اللواء حسن رشاد، ونجلي حفتر، الفريق أول خالد خليفة، والفريق أول صدام خليفة.

ضغوط لإعادة ضبط نفوذ الشرق الليبي

سبق أن نقلت وكالة "رويترز" عن أكثر من 12 مسؤولاً عسكرياً ومخابراتياً ودبلوماسياً أن مهبطاً للطائرات في "الكفرة"، الواقعة جنوب شرقي ليبيا على مسافة نحو 300 كيلومتر عن الحدود السودانية، "غيّر شكل الحرب الأهلية في السودان من خلال توفير طوق نجاة لقوات الدعم السريع".

وأضافت الوكالة في 22 ديسمبر/ كانون الأول الماضي أن الإمدادات العسكرية التي أُرسلت عبر مهبط الكفرة أسهمت في تعزيز قدرات الدعم السريع بعد استعادة الجيش السوداني العاصمة الخرطوم في مارس/ آذار 2025. كما لعب خط الإمداد هذا دوراً محورياً في فرض قوات الدعم السريع سيطرتها على مدينة الفاشر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

وسبق أن أفاد تقرير صادر عن منظمة "ذا سنتري" الأميركية للرقابة، في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بأن قوات الجيش الوطني تزود الدعم السريع بالوقود المهرب. ونوه التقرير إلى أن التدفق المستمر للديزل والبنزين من حفتر مكّن قوات الدعم السريع من التحرك في دارفور، وبالتالي من تنفيذ عملياتها التكتيكية هناك.

وبحسب محلل سياسي ليبي، فإن القاهرة هدفت من خلال الزيارة الأخيرة إلى إعادة ضبط شبكة نفوذها في الشرق الليبي مع وجود أكثر من مركز للقرار داخل قوات حفتر، وأن مصر تتخوف من أن يكون لدى الجيل الثاني ميول نحو معسكرات لا تتماشى مع توجهاتها، وهو ما قد يكون في صالح تحالفات ومعسكرات أخرى.

وأشار المحلل السياسي الليبي في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن القاهرة قدمت معلومات حول وجود خطوط إمداد تمر عبر الجنوب الليبي نحو قوات الدعم السريع، وهدفت للحصول على تأكيدات من سلطات الشرق الليبي بشأن توقف هذا الدعم خلال الفترة المقبلة.

وأوضح أن مسألة تقديم الدعم إلى قوات الدعم السريع من جانب حفتر باتت تشكل عبئاً في ظل ما تعانيه ليبيا من فراغ أمني، مشيراً إلى أن المصالح المشتركة بين حفتر وحميدتي لم تعد حاضرة مثلما كان الوضع حينما شاركا في حرب اليمن إلى جانب الإمارات والسعودية، وأضحى هناك سهولة في فك هذا الارتباط في الوقت الحالي، وهو ما تعمل مصر عليه.

وتأتي الزيارات الأخيرة في إطار الضغط على حفتر لإنهاء دعمه لقوات حميدتي، إلى جانب سد الثغرات الحدودية التي يصل من خلالها الإمداد إلى الدعم السريع، متوقعاً أن فك هذا الارتباط سوف يحدث إذا ما استمرت ضغوط كلٍّ من مصر وتركيا والسعودية على حفتر لقطع إمداد الدعم السريع.

تحميل المزيد