كيف تتحرك مصر في القرن الأفريقي للحفاظ على موازين القوى وتحجيم نفوذ إثيوبيا وإسرائيل؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/02/13 الساعة 14:43 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/02/13 الساعة 14:46 بتوقيت غرينتش
ترحركات مصرية لمواجهة النفوذ الإثيوبي في القرن الأفريقي/ عربي بوست

كثّفت مصر خلال الفترة الأخيرة تحركاتها في محيط البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في مسعى واضح للحفاظ على توازنات القوة في منطقة تُعد من أكثر الممرات حساسية للتجارة العالمية. هذا التحرك لم يقتصر على البعد العسكري، بل شمل تنويع الشراكات الاقتصادية والأمنية مع الدول المتشاطئة، في إطار رؤية تعتبر أن أمن البحر الأحمر جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

في هذا السياق، تمضي القاهرة في تجهيز قواتها للانتشار في الصومال تحت مظلة بعثة الاتحاد الأفريقي، بالتوازي مع برامج دعم وتدريب تستهدف رفع كفاءة الجيش الصومالي وتعزيز قدراته. ويأتي ذلك ضمن مقاربة أوسع تهدف إلى تثبيت حضور قوى صديقة في منطقة باب المندب، ومنع أي فراغ قد تستغله أطراف إقليمية منافسة، لا سيما في ظل التوترات المرتبطة بإثيوبيا وسعيها لتوسيع نفوذها البحري.

كما تتحرك مصر على خط موازٍ لتعزيز تعاونها مع دول الجوار الإثيوبي، في محاولة لتضييق هامش المناورة أمام أديس أبابا، بالتزامن مع بناء تنسيق إقليمي مع كل من تركيا والمملكة العربية السعودية. وتستهدف هذه الشبكة من التحالفات الحفاظ على توازن إقليمي يمنع تموضع قوى معادية عند مدخل باب المندب، بما قد يهدد حركة الملاحة في قناة السويس ويؤثر على المصالح الاستراتيجية المصرية.

التواجد العسكري المصري في الصومال

تعمل مصر على تقديم كافة أشكال الدعم العسكري لدولة الصومال بحيث لا تتعرض لأي هجمات خارجية، بحسب ما صرح به مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست"، موضحاً أن ذلك يتم سواء في إطار قوات حفظ السلام أو عبر تطوير الجيش الصومالي ما يساعده الحفاظ على وحدة وسلامة البلاد، والتعامل مع أي هجمات مضادة من جانب إثيوبيا أو إقليم أرض الصومال الانفصالي.

ويأتي ذلك في ظل التحالف القائم بين ما يسمى بـ"أرض الصومال" وإسرائيل، يقول المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه، مشيراً إلى أن تدخل مصر تحت علم الأمم المتحدة وكذلك جامعة الدول العربية من خلال اتفاقية الدفاع المشترك لضمان الحفاظ على أمنه، ما يمنع الإخلال بموازين القوى في تلك المنطقة المهمة على ساحل البحر الأحمر.

كما أن استعراض القوات المسلحة المصرية الأخير بحضور الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يقول المصدر، يبعث برسائل مهمة مفادها أن الصومال "لن يكون بمفرده في أي مواجهة"، وأن الأيادي المصرية ممتدة للمساعدة، وستقدم القاهرة كل ما تستطيع لحماية أمن واستقرار الصومال الذي يقع في المجال الحيوي المصري، ما يضمن حماية مصالح القاهرة، خاصة ما يتعلق بالملاحة.

الرئيس المصري ونظيره الصومالي في آخر لقاء بينهما في القاهرة/ الرئاسة المصرية
الرئيس المصري ونظيره الصومالي في آخر لقاء بينهما في القاهرة/ الرئاسة المصرية

هذه التحركات المصرية تهدف أيضاً، بحسب المصدر ذاته، إلى تضييق الخناق على إثيوبيا التي "تعمل على الإضرار بالأمن المائي المصري عبر سد النهضة"، وبالتالي فإن دعم الصومال، يؤكد المصدر المصري المطلع، يحقق أهدافاً مزدوجة تتعلق بحفظ توازنات منطقة البحر الأحمر وكذلك الحفاظ على الأمن المائي المصري.

وذكر المتحدث أن الحديث المصري المستمر بشأن الحفاظ على توازن القوى في البحر الأحمر يشير إلى ضمان وجود قوات صديقة عند مدخل باب المندب، وأن تواجد إثيوبيا أو إسرائيل في تلك المنطقة يمثل تهديداً مباشراً للملاحة في قناة السويس وللأمن القومي المصري، وهو ما يتطلب وجود عوامل ردع عديدة تتحقق الآن من خلال اتفاقيات التعاون العسكري مع الصومال، إلى جانب بناء مقاربات مصرية – تركية – سعودية في هذه المنطقة.

واستعرض الجيش المصري الأربعاء 11 فبراير/ شباط 2026 قواته المقرر مشاركتها في بعثة الاتحاد الإفريقي لحفظ السلام بالصومال، وذلك بحضور الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود. وقال الجيش في بيان إن هذه الإجراءات "عكست مدى الجاهزية والاستعداد القتالي لكافة الأسلحة والتخصصات".

ولم تعلن مصر عدد القوات المقرر مشاركتها في البعثة الإفريقية المدعومة من الأمم المتحدة، وعادة ما يكون الاصطفاف في المفهوم العسكري قبيل مهمة أو عمليات أو تدريبات موسعة. وفي نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال.

تحركات أوسع في القارة الأفريقية

قال مصدر دبلوماسي مصري إن المقاربة المصرية نحو الحفاظ على وحدة وسلامة الصومال لا تنفصل عن تحركات أخرى في القارة الأفريقية، وفي مقدمتها جهود وقف الحرب في السودان بعد أن أضحى واضحاً أن هناك تدخلاً من جانب إثيوبيا لترجيح كفة قوات الدعم السريع ومناكفة مصر على حدودها الجنوبية.

وبالتالي، يوضح مصدر "عربي بوست"، فإن الحشد الأفريقي لصالح دعم الحكومة والجيش السوداني من خلال مجلس السلم والأمن الأفريقي الذي ترأسه مصر، مع الضغط لإنهاء تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، يأتي في إطار أوسع يتعلق بسد النوافذ التي يمكن من خلالها تهديد الأمن القومي المصري.

وشدد على أن الزيارة التي قام بها الرئيس السيسي إلى الإمارات مطلع هذا الأسبوع تأتي في هذا الإطار أيضاً، إذ تعمل القاهرة على تحجيم دور الإمارات في دعم المليشيات التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في إطار ما تشهده علاقات القاهرة وأبوظبي من تقارب اقتصادي وسياسي أيضاً.

كما شدد المصدر الدبلوماسي المصري على أن القاهرة لديها محاذير وخطوط حمراء في السودان لن تسمح بتجاوزها، وتعمل على أن تكون تحركاتها التي تطالب بوحدة وسلامة البلاد متماشية مع القانون الدولي ومبدأ الاتحاد الأفريقي الخاص بقدسية الحدود المتوارثة.

وذكر أن حفظ التوازن في البحر الأحمر يبدأ من جيبوتي وإريتريا، وهي دول معها شراكات ومشروعات متعددة لدى مصر، وتعمل القاهرة على تطوير محطات الطاقة هناك وتحويل موانئها إلى موانئ خضراء، وتعزيز البنى التحتية اللوجستية لتلك الدول، وهو ما يهدف إلى منع إثيوبيا من الوصول إلى البحر الأحمر واستخدامه كمصدر للتجارة الدولية.

إثيوبيا وتوازنات البحر الأحمر والقرن الأفريقي

المصدر الدبلوماسي قال إن تقويض إثيوبيا ليس الهدف الرئيسي بعد أن أصرت على الملء والتشغيل المنفرد لسد النهضة، لكن ذلك يستهدف إعادة الدور القوي لمصر أفريقيا، وهو ما يعد عاملاً مهماً في الحفاظ على توازنات القوى في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

كما أن تلك المشروعات تعزز حركة التجارة بين مصر ودول شرق أفريقيا الأخرى، خاصة وأن القاهرة تعمل على إنشاء منطقة لوجستية للشركات المصرية والربط الشبكي للطرق في جيبوتي وغيرها من الدول في المنطقة مستقبلاً.

وشدد على أن مصر تبني إطاراً متكاملاً يدعم التنسيق الإقليمي والتنمية المشتركة، وهو ما يعزز من مكانتها كلاعب إقليمي فاعل يحفظ مصالحها القومية ويحمي ممرات الملاحة الحيوية.

وأشار المتحدث إلى أن مبادرة "السويس والأحمر للتنمية الاقتصادية والبحرية" تعد بمثابة خطة استراتيجية شاملة تستهدف تعزيز التكامل الاقتصادي والتنمية البحرية بين الدول المطلة على البحر الأحمر، كما ترتكز على تطوير البنية التحتية للموانئ وربطها بشبكات نقل حديثة، وهو ما يسهم في تحقيق أهداف مصر الاستراتيجية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر بشكل عام.

وكثفت مصر حشدها الأفريقي لدعم وحدة السودان والصومال، وذلك على هامش اجتماعات المجلس التنفيذي وقمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا. وأبرزت لقاءات مصرية دبلوماسية جهود القاهرة بشأن استقرار الأوضاع في الخرطوم ومقديشو.

تحركات مصرية تركية

مصدر عسكري مصري قال إن التحركات المصرية في القرن الأفريقي ليست فردية، وتأتي في سياقات جماعية تتكامل فيها القوى التي تسعى لتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر ولا تتنافس فيما بينها، مشيراً إلى أن الدعم العسكري المصري التركي للصومال يعكس خطورة ما يحاك للمنطقة في ظل استعداد إسرائيل أيضاً لنشر قوات في إقليم الصومال الانفصالي.

وأشار المصدر إلى أن مصر تدرك بأن العلاقات التركية الصومالية علاقات نشطة، وشهد الصومال دعماً تصاعدياً من تركيا في كثير من المجالات الإنسانية والتنموية والاقتصادية والعسكرية، وأن مصر تسير على نفس هذا النهج في الوقت الحالي، ويتزامن ذلك مع تحسن العلاقات المصرية التركية بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وأصبح التعاون والتنسيق بين البلدين أكثر نشاطاً.

التقارب المصري التركي ينعكس على تواجدهما في الصومال/ الرئاسة المصرية
التقارب المصري التركي ينعكس على تواجدهما في الصومال/ الرئاسة المصرية

المصدر العسكري الذي صرح لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه قال إن هناك تنسيقاً أمنياً بين القوات المصرية والتركية مع القوات المسلحة الصومالية للحفاظ على الأمن والاستقرار في مواجهة العمليات الإرهابية والقرصنة البحرية جنوب باب المندب.

وتمتلك تركيا قوة عسكرية صلبة وخبرة مناورة بين الشرق والغرب، وهو ما يمنح، وفق المصدر العسكري، ثقلاً للتحركات المصرية التي تسعى لردع قوة إسرائيل المنفلتة مع القناعة بأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد ضمانة كافية لتحجيم توجهات الحكومات الإسرائيلية المتطرفة.

وأدان الصومال، في يناير/ كانون الثاني 2026، ما سماه "التوغل غير المصرح به" لوزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر إلى مدينة هرجيسا، مشيراً إلى أن المدينة تعد جزءاً لا يتجزأ ولا ينفصل من الأراضي السيادية لجمهورية الصومال الفيدرالية، فيما قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن زيارة عاصمة إقليم أرض الصومال كانت "سرية بناءً على توجيهات الجهات الأمنية".

وفي وقت متزامن مع اصطفاف القوات المصرية تمهيداً لمشاركتها في قوات حفظ السلام بالصومال، استقبل الصومال وحدات من القوات البحرية التركية، على رأسها سفينة إنزال بحري، كما وصلت إلى البلاد ناقلة جوية عسكرية في إطار التعاون العسكري بين البلدين.

في حين قالت وزارة الدفاع الصومالية إن زيارة السفن الحربية التركية إلى البلاد "تأتي في وقت تولي فيه الحكومة الفيدرالية أهمية خاصة لبناء وتطوير القوات البحرية وخفر السواحل".

تحميل المزيد