يشهد ملف الأجانب الوافدين إلى مصر تحوّلاً لافتاً في الأسابيع الأخيرة، مع تصاعد شكاوى من توقيف وترحيل أجانب لا يحملون أوراقاً ثبوتية، وسط انتقادات لآليات تنفيذ هذه الترحيلات والحديث عن تجاوزات ترافقها، مقابل تأكيدات رسمية مصرية بعدم صدور ضوابط جديدة تستهدف جنسيات بعينها.
في قلب المشهد تقف الجاليتان العربية السورية والسودانية، بالتوازي مع مؤشرات على تنسيق أمني متزايد بين القاهرة وكل من دمشق والخرطوم لضبط الحدود والتحقق من هويات الوافدين إلى مصر. وتتزامن هذه التطورات مع حملات تدقيق في عدد من المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة للوافدين.
التحرك المصري يأتي، وفق مصادر خاصة لـ"عربي بوست"، في سياق مزدوج؛ داخلي يرتبط بضبط الإقامة غير المقننة لآلاف الوافدين في مصر، وخارجي يتصل بإعادة هندسة العلاقات المصرية مع الحكومتين السورية والسودانية، وسط بيئة إقليمية ما زالت مشحونة بالصراعات وتداعياتها البشرية.
تشديد ميداني لضبط غير المقننين
قال مصدر مصري مطلع، إنه لم يتم اتخاذ إجراءات جديدة على مستوى التعامل مع الوافدين إلى مصر، كما لم تصدر أي إجراءات أو اشتراطات جديدة بشأن استقبال الوافدين، لكن ما يحدث على الأرض هو عمليات فحص لمن لا يملكون أوراقاً ثبوتية بعد أن منحت القاهرة مدد زمنية مطولة لتقنين الأوضاع، وبعدما وجدت أن هناك أعداداً كبيرة تقيم دون أي أوراق ثبوتية أو معلومات أمنية، وهو ما يشكل خطراً يهدد الأمن القومي المصري وتسعى لضبطه.
وأوضح المصدر ذاته، الذي صرح لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن إجراءات التدقيق لا تشمل جنسيات بعينها بل جميع الوافدين على الأراضي المصرية، غير أن الشكاوى اللافتة تظهر من السوريين أو السودانيين وهم الفئات الأكثر انتشاراً في مصر.
وناشدت القاهرة خلال الأشهر الماضية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجميع الجهات الدولية المانحة لتسهيل استضافة الأعداد المتزايدة، لكن دون أن تلقى استجابة تُذكر، كما أنها عملت على توفير الخدمات لملايين اللاجئين خلال السنوات الماضية ما يضمن لهم إقامة إنسانية.
تنسيق أمني مع دمشق وتطمينات للسوريين
وفق مصدر "عربي بوست"، فإن هناك تنسيقاً بين مصر والدول العربية بشأن إجراءات التدقيق، وقال إن التقارب مع الحكومة السورية منح مجالاً للتنسيق الأمني بشأن التعرف على هوية الوافدين، وكذلك تبادل المعلومات بشأن الموجودين في مصر، وأن المستهدف ليس التضييق على السوريين بقدر الهدف الرئيسي التأكد من وجودهم الشرعي.
وبينما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضمن بيان منسوب إلى مصدر أمني عدم صحة ما يتداول في شأن صدور ضوابط جديدة لدخول السوريين إلى مصر، قال مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد الأحمد إن الوزارة تتابع أوضاع المواطنين السوريين في مصر من كثب.
وأوضح في منشور على "إكس": "وجّهنا سفارتنا في القاهرة إلى تقديم أقصى المساعدة القنصلية والقانونية الممكنة، كما تقدمنا إلى الجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة للسوريين المقيمين في مصر". واختتم قوله: "ستظل حقوق السوريين وحماية مصالحهم في الاغتراب دائماً على رأس أولويات عملنا الدبلوماسي".
وقبل أيام انتشرت تعليمات جديدة تتعلق بتنظيم سفر السوريين، وعدم قبول طلبات سفرهم إلى مصر إذا كانوا قادمين من 4 دول عربية، هي: سوريا، لبنان، الأردن، والعراق. ويأتي ذلك في سياق إعادة ترتيب العلاقات بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024.
بين الخوف من الترحيل وخيارات البقاء القانونية
بحسب مصدر سوري مقيم في مصر، فإن الأيام الماضية كانت شاهدة على تنظيم حملات أمنية لتوقيف الوافدين، ورغم أنه يعيش في مصر لأكثر من 12 عاماً، لكنه الآن يخشى الخروج إلى الشارع خوفاً من الترحيل، إذ لم يجدد إقامته وإقامة أبنائه بعد إلغاء الإقامة السياحية، واضطر للحصول على "الكارت الأصفر" للاجئين، ويسعى حالياً لتجديده بعدما منحته المفوضية موعداً في نهاية إبريل/ نيسان المقبل، ما يجعله في وضع قانوني غير واضح.
حسب المصدر ذاته، فإن كثيراً من السوريين باتوا يعتمدون على "التأشيرة الاستثمارية" التي تضمن بقاءً آمناً لكنها تتطلب تأسيس شركة قانونية ووديعة بنكية بحد أدنى 100 ألف جنيه مصري، إلى جانب موافقة أمنية وجواز ساري وعقد إيجار أو تمليك، وهي شروط صعبة لكنها تمثل حلاً لمن يستطيع.
فيما يتجه آخرون إلى العودة في ظل تشديد الإجراءات، خاصة بعد تقليص الاعتماد على الغرامات واعتماد الترحيل كإجراء أكثر شيوعاً.
وبحسب مصدر مطلع بالهيئة العامة للاجئين السوريين في مصر، فإن هناك شكاوى بالفعل من ترحيل بعض السوريين خلال الأيام الماضية لكن دون القدرة على تحديد العدد بالتفصيل، وهو ما انعكس على قرارات كثير من السوريين الذين قرروا حزم أمتعتهم للعودة، في ظل تطمينات من الحكومة السورية بوجود تواصل مع القاهرة لتسهيل الإقامة أو التنسيق بشأن إجراءات الترحيل.
وأكد المصدر ذاته أن القاهرة أصدرت خلال الأشهر الماضية تنبيهات عديدة لتقنين الأوضاع، لكن تعقيدات روتينية وأزمات مالية تعوق بعض المقيمين، فيما منحت السلطات إعفاءات من غرامات مخالفة الإقامة للراغبين في المغادرة، ما دفع البعض للعودة الطوعية، بينما يفضل آخرون البقاء رغم أوضاعهم غير القانونية لعدم امتلاكهم مأوى في سوريا بعد سنوات الحرب.
السودان: ضبط الحدود ونفي اتهامات الترحيل الجماعي
الوضع ذاته مع الحكومة السودانية، يقول مصدر "عربي بوست" موضحاً أن هناك إجراءات مشددة لضبط الحدود وعدم السماح بعمليات التهريب، إلى جانب تنظيم العودة الطوعية لمن يريد أن يعود إلى أي من الولايات السودانية، نافياً ما يُشاع عن ضبط آلاف السودانيين خلال الأيام الماضية.
ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للسودانيين، حيث قدّمت منظمات حقوقية ومدنية سودانية ودولية مذكرة قانونية إلى الأمم المتحدة وجهات دولية أخرى تطالب بوقف عمليات ترحيل السودانيين من مصر، محذّرة من انتهاكات قالت إنها طالت لاجئين يحملون وثائق رسمية.
وقال تجمع السودانيين بالخارج لدعم الثورة إن المذكرة وُجهت إلى الأمين العام للأمم المتحدة، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وعدد من المنظمات الحقوقية، إضافة إلى وزارة الخارجية المصرية، مشيراً إلى أنها تتضمن توثيقاً لحالات احتجاز وترحيل قسري طالت سودانيين خلال الأسابيع الماضية.
وأضافت المنظمات الحقوقية التي وثقت عمليات الترحيل أن بعض المرحّلين أُعيدوا إلى مناطق تشهد نزاعات مسلحة في السودان، ما يعرض حياتهم للخطر، ويخالف مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين.
وطالبت المذكرة بوقف فوري لجميع عمليات الترحيل خارج الإطار القضائي، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً أو عرضهم على القضاء مع ضمان حقوق المحاكمة العادلة. كما دعت إلى تمكين المفوضية السامية والمنظمات الإنسانية من الوصول إلى أماكن الاحتجاز لمراقبة الأوضاع.
وأكد مصدر مصري مطلع أن ما ادعته هذه المنظمات بمثابة شائعات تدعمها بعض القوى الخارجية ومحسوبة على قوات الدعم السريع في السودان، مشيراً إلى أنه لا يمكن الاقتناع بوجود مضايقات في ظل هذا الانتشار الواسع لملايين السودانيين في مناطق عديدة، وما يحدث الآن محاولة لتشويه صورة مصر وبث الفرقة بين الشعبين المصري والسوداني وخلق حالة من الاستقطاب.
وأوضح أن مصر تعامل اللاجئين السودانيين معاملة المواطن المصري في كافة الجوانب، سواء في الحصول على التعليم أو السكن أو حتى الرعاية الطبية، مشيراً إلى هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالمعاملة الطيبة للأشقاء السودانيين.
وفق المصدر الذي صرح لـ"عربي بوست"، فإن هناك عدداً قليلاً جداً من اللاجئين السودانيين في مصر الذين اتخذت ضدهم الأجهزة الأمنية المصرية إجراءات الترحيل بسبب عدم توافر الأوراق اللازمة لديهم أو ارتكابهم أفعالاً يعاقب عليها القانون المصري.
التنسيق بين القاهرة والسفارة السودانية
المصدر المصري الذي صرح لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، أشار إلى وجود تنسيق بين الأجهزة الأمنية في مصر والسفارة السودانية في القاهرة فيما يتعلق بالأوراق والمستندات اللازمة للاجئين السودانيين، وذلك لتوفيق أوضاعهم بشكل قانوني.
كما منحت مصر بعض اللاجئين السودانيين الذين لديهم مشاكل في الأوراق ممهلة لتوفيق أوضاعهم أو الذهاب إلى المنظمة الخاصة باللاجئين للحصول على الأوراق اللازمة.
وأصدرت سفارة السودان في مصر تنويهاً هاماً لكافة مواطنيها المقيمين في الأراضي المصرية، شددت فيه على ضرورة الالتزام بالضوابط القانونية المتعلقة بالهوية والإقامة.
وأهابت السفارة بكافة المواطنين السودانيين المقيمين في مصر ضرورة حمل وثائقهم الثبوتية بصفة دائمة، والتأكد من سريان مفعولها، مؤكدة على أهمية اقتران هذه الوثائق ببطاقة الإقامة الصادرة عن جهات الاختصاص المصرية.
وكان الفريق عماد الدين عدوي، سفير السودان لدى القاهرة، قد نفى بشكل قاطع ما تردد مؤخراً حول طلب الحكومة السودانية من نظيرتها المصرية تضييق المساحات على السودانيين أو ترحيلهم قسرياً، واصفاً تلك الادعاءات بأنها "مجرد أوهام ولا أساس لها من الصحة".
وأوضح أن الإجراءات التأمينية والتنظيمية التي تشهدها مصر حالياً تستهدف كافة الجنسيات ولا تقصد الوجود السوداني بصفة خاصة. وكشف أن عدد السودانيين في مصر يبلغ نحو 6 ملايين شخص، في حين لا يتجاوز عدد المسجونين بالسجون المصرية 400 سجينة وسجين فقط.
ملايين الوافدين إلى مصر وكلفة مرتفعة
تفيد بيانات رسمية بأنّ مصر تُعَدّ من أكثر الدول استقبالاً للاجئين، إذ تجاوز عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجّلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 1,098,000 شخص من نحو 60 جنسية مختلفة حتى نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2025.
ووفقاً للبيانات نفسها، فقد تصدّر السودانيون الأرقام بواقع 834,201 طلب، تلاهم السوريون بنحو 123,383 طلباً.
وتقدّر البيانات الحكومية أعداد الأجانب الموجودين بأكثر من 9 ملايين من 133 دولة، ما بين لاجئ وطالب لجوء ومهاجر ومقيم، يمثلون 8.7 في المائة من تعداد السكان الذي تجاوز 107 ملايين نسمة، وتقدر تكلفة استضافتهم نحو 10 مليارات دولار سنوياً.
ومع نهايات عام 2024، حدث تحوّل لافت؛ فقد كثفت الدولة إجراءاتها الأمنية، وطالبت الوافدين بتقنين أوضاعهم، وبعد فترة بدأت في فحص أوراقهم وتغريم أو ترحيل المخالفين منهم.
وأصدرت القاهرة القانون رقم 164 لسنة 2024، في 16 ديسمبر/ كانون الأول 2024، لتنظيم لجوء الأجانب إلى مصر، وشكّلت "اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين" التي تتبع مجلس الوزراء، ومنذ ذلك الحين بدأت القاهرة مراجعة تصاريح الوافدين بشكل دوري، قبل أن تكثف إجراءاتها في الأسابيع الأخيرة.