لم تكن استقالة رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله اللبناني، وفيق صفا، حدثاً إدارياً عابراً، ولا مجرّد تغيير في موقع تنظيمي، فالرجل الذي ارتبط اسمه لسنوات بإدارة ملفات أمنية وقضائية حساسة، كان يمثل أحد أبرز وجوه التداخل بين الأمن والسياسة داخل الحزب. لذلك، فإن خروجه من هذا الموقع يعكس ما هو أعمق من خطوة فردية.
منذ انتهاء الحرب الأخيرة مع إسرائيل، دخل الحزب في مرحلة مراجعة داخلية غير مسبوقة، فرضتها خسائر قيادية كبيرة، وضغوط سياسية متزايدة، وأسئلة داخلية حول فعالية البنية التنظيمية التي حكمت عمله طوال سنوات. هذه المراجعة لم تقتصر على ملء الفراغات، بل طالت نمط إدارة الحزب نفسه.
ما يجري اليوم هو محاولة لإعادة تعريف وظيفة الحزب داخل المشهد اللبناني: تقليص النفوذ الأمني العلني، توسيع الحضور السياسي، وضبط مراكز القرار تحت إشراف مركزي أكثر إحكاماً. وفي هذا السياق، تبدو استقالة صفا جزءاً من مسار إعادة تموضع شامل، لا مجرد تعديل إداري.
مراجعة بنية حزب الله اللبناني ما بعد الحرب
بعد انتهاء "حرب الإسناد"، وجد حزب الله اللبناني نفسه أمام تحديات مركّبة لم يسبق أن واجهها بهذا الحجم؛ فقد أدت الحرب إلى اغتيال عدد من قادة الصف 1 والصف 2، وخلّفت فراغاً في مواقع قيادية أساسية، كما كشفت اختلالات داخلية في آليات العمل والتنظيم، دفعت القيادة الجديدة إلى مراجعة نمط إدارة الحزب، الذي ظل ثابتاً إلى حدّ بعيد طوال سنوات.
وخلافاً لما كان سائداً في المرحلة السابقة، حيث كان التغيير التنظيمي محدوداً ونادراً، تشير مصادر "عربي بوست" إلى أن القيادة الحالية للحزب، بقيادة الشيخ نعيم قاسم، أطلقت منذ نهاية 2025 ورشة تنظيمية شاملة، شملت مختلف المستويات السياسية والأمنية والإعلامية والاجتماعية، وهدفت إلى وضع تصورات جديدة لطبيعة الحزب ووظائفه في المرحلة المقبلة.
وتوضح المصادر أن هذه الورشة لم تكن شكلية أو تقنية، بل استهدفت معالجة الخلل البنيوي الناتج عن تداخل الأدوار داخل المؤسسات، وضبط الصلاحيات، ومنع الجمع بين المهام الأمنية والسياسية، وهي سمة ميّزت المرحلة السابقة وأسهمت في إنتاج إرباك داخلي وكلفة سياسية متزايدة، وخاصة بعد حصول خروقات أمنية في الجسم المشترك السياسي-الأمني.
ضبط نفوذ وحدة الارتباط والتنسيق
في هذا السياق، برزت وحدة الارتباط والتنسيق بوصفها إحدى أكثر الوحدات التي خضعت لإعادة النظر داخل حزب الله. فهذه الوحدة، التي أدت دوراً محورياً في إدارة الإشكالات الأمنية والتنسيق مع الأجهزة الرسمية ومتابعة ملفات قضائية وأمنية حساسة، توسّع دورها تدريجياً خلال السنوات الماضية ليشمل مهام سياسية غير منصوص عليها تنظيمياً.
وتشير المعلومات إلى أن هذا التوسّع أفضى، في مرحلة معينة، إلى إرباك داخل حزب الله، وإلى تحميله أعباء سياسية وإعلامية متزايدة، لم يعد من الممكن تحمّلها في ظل المتغيرات الداخلية والإقليمية. ومع الوقت، تحولت بعض ممارسات الوحدة إلى مادة انتقاد داخلي وخارجي، وأصبحت مرتبطة بصورة الحزب وموقعه في علاقاته مع الدولة والمجتمع الدولي.
وتلفت المصادر إلى أن حادثة تهديد المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت، وما أعقبها من صدى دولي سلبي، شكّلت نقطة مفصلية في تقييم حزب الله اللبناني لدور الوحدة ورئيسها. إذ تكرّست لدى القيادة قناعة بأن استمرار هذا النموذج التنظيمي بات يعرقل أي محاولة لإعادة التموضع السياسي، ويضع الحزب أمام كلفة دائمة يصعب احتواؤها.
خلفيات استقالة وفيق صفا
بحسب مصادر قريبة من الحزب لـ"عربي بوست"، فإن استقالة صفا لم تكن قراراً مفاجئاً أو معزولاً، بل جاءت بعد سلسلة قرارات داخلية سبقتها بأشهر طويلة، وشملت تقليصاً تدريجياً لصلاحياته، ومنع ظهوره الإعلامي من دون موافقة مسبقة من الجهات المختصة، وحصر دوره في التنسيق التقني مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، وتحديداً مخابرات الجيش والأمن العام.
ووفق المعلومات، فإن صفا سعى خلال المرحلة السابقة لتولي مهام العلاقة الأمنية مع سوريا، وخاصة مع بروز أدوار ووساطات لأطراف إقليمية تهدف لترتيب تنسيق أمني حدودي بين الحزب من جهة، والجهات الرسمية السورية من جهة أخرى، لكنها اصطدمت برفض دمشق أولاً لشخص صفا، ولاعتراضات داخل بنية الحزب نفسه.
وتؤكد المصادر أن صفا غاب عملياً عن الملفات السياسية والانتخابية، ولم يعد موفداً للحزب إلى القوى السياسية اللبنانية، كما لم يظهر في مناسبات رسمية أو لقاءات علنية مع الحلفاء والخصوم، في مقابل صعود أدوار سياسية أخرى داخل الحزب، لا سيما على مستوى المجلس النيابي والقيادات السياسية.
إعادة تقديم الحزب كفاعل سياسي
بالتوازي مع تحجيم الأدوار الأمنية، عمل حزب الله اللبناني على إعادة تفعيل الدور السياسي لنوابه وقياداته السياسية، بحيث بات الخطاب السياسي يخرج حصراً عبر قنوات محددة، وبمفردات مختلفة عن المرحلة السابقة، تركّز على العلاقة مع مؤسسات الدولة، والانفتاح على القوى السياسية، وضبط التوترات الداخلية.
وتشير المعلومات التي وصل إليها "عربي بوست" إلى أن حزب الله أعاد تنظيم عمله الإعلامي ضمن إدارة مركزية واحدة، مهمتها توحيد الخطاب، وضبط التصريحات، ومنع أي اجتهاد فردي قد ينعكس سلباً على صورة الحزب أو يربك مسار إعادة التموضع الذي يعمل عليه.
وتندرج هذه الخطوات ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تكريس صورة الحزب كفاعل سياسي لبناني، يتواصل مع الدولة بلغة أقل تصادمية، ويعيد تنظيم علاقاته الداخلية بما يحدّ من الطابع الأمني الذي طغى في مراحل سابقة.
السياسة تتقدّم على "العمامة"
مصادر مطلعة تؤكد لـ"عربي بوست" أن التغييرات داخل حزب الله اللبناني لم تقتصر على وحدة الارتباط والتنسيق، بل شملت إعادة ربط جميع المؤسسات الحزبية بالأمانة العامة، بما يمنح القيادة المركزية قدرة أكبر على ضبط القرار، بعد سنوات من اللامركزية الواسعة وتعدد مراكز التأثير.
كما شهدت المرحلة الحالية إدخال عدد من السياسيين إلى مواقع القرار، مقابل تراجع الحضور العلني لرجال الدين الذين تصدروا المشهد القيادي في مراحل سابقة، في مؤشر على تحول تدريجي في طبيعة القيادة داخل الحزب، وتقديم الطابع السياسي والمؤسساتي على الصيغة الدينية – الأمنية.
في موازاة هذه التحولات، تكشف معلومات خاصة حصل عليها "عربي بوست" أن الحزب يتجه إلى إعادة توزيع جوهرية للمناصب القيادية السياسية والتنظيمية.
ففي هذا الإطار، يتجه الحزب إلى تعيين رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد نائباً للأمين العام، في خطوة تعزز الطابع السياسي للقيادة العليا، على أن يترافق ذلك مع تنحّي رعد عن الترشح للانتخابات النيابية المقبلة المزمع إجراءها في أيار/ مايو 2026، بما يتيح له التفرغ الكامل لمهامه السياسية والتنظيمية الجديدة.
في السياق نفسه، تشير المصادر إلى أن الوزير والنائب السابق محمد فنيش تسلّم عملياً كامل القطاعات التنظيمية والإدارية داخل الحزب، إضافة إلى ملف الانتخابات النيابية، بما يشمل إدارة الترشيحات وضبط العمل الحزبي في المناطق، في إطار مسعى واضح لإعادة الانضباط التنظيمي بعد مرحلة اتسمت بتداخل الصلاحيات وتعدد مراكز القرار.
أما العلاقة مع الأحزاب، التي كان صفا يديرها في مراحل ما قبل الحرب الإسرائيلية على لبنان، فجرى تسليمها للوزير السابق عن الحزب محمود قماطي، الذي بات صلة الوصل مع القوى الحليفة أولاً، والخصوم السياسيين ثانياً، وهو ينسق بشكل مباشر مع فنيش.
أما على مستوى العلاقة مع الدولة اللبنانية، فتؤكد المعلومات أن أحمد مهنا، الذي تولّى لسنوات مسؤوليات مرتبطة بالعلاقات الخارجية والتنسيق غير المباشر مع سفارات الدول العربية والغربية، بات اليوم المسؤول المباشر عن ملف العلاقة مع الدولة اللبنانية، بما يشمل رئاسة الجمهورية ورئاستي الحكومة ومجلس النواب، ضمن صلاحيات محددة بدقة، وتحت إشراف مباشر من القيادة السياسية للحزب.
وتشير المصادر إلى أن هذه التعيينات تحمل دلالة غير مسبوقة في تاريخ حزب الله اللبناني، إذ إنها المرة الأولى التي تُسند فيها مواقع قيادية مركزية إلى شخصيات سياسية غير "معمّمة"، ما يعكس تحوّلاً بنيوياً في مقاربة الحزب للقيادة، وانتقالاً متدرجاً من نموذج ديني – أمني إلى نموذج سياسي – مؤسساتي.
إعادة تركيب عقل الحزب
بحسب المعلومات، فإن عملية إعادة الهيكلة داخل حزب الله لا تقتصر على تغييرات مرتبطة بشخصيات بعينها أو بوحدة محددة، مثل وحدة الارتباط والتنسيق، بل تمتد لتشمل عدداً من الوحدات الأمنية الأساسية في البنية التنظيمية للحزب.
وتشمل هذه العملية وحدات تُعدّ من الأكثر حساسية ومركزية في إدارة الشأن الأمني الداخلي، من بينها وحدة الأمن الوقائي، والأمن العسكري الداخلي المرتبط بأعضاء الجناح العسكري، إلى جانب وحدات أخرى يجري العمل على إعادة تنظيم أدوارها وصلاحياتها.
وتشير المعلومات إلى أن الاتجاه السائد داخل القيادة يميل إلى دمج هذه الوحدات ضمن إطار مركزي واحد، بما يسمح بتوحيد القرار الأمني، وضبط قنوات التنسيق الداخلي، وتقليص التداخل في الصلاحيات، وهي خطوة تُقرأ داخلياً كجزء من معالجة أسباب الخلل التي كشفتها الحرب الأخيرة، لا كإجراء تنظيمي عابر.
ويأتي هذا المسار بالتوازي مع تحول ملحوظ في أولويات الحزب، حيث يؤكد الوزير السابق محمد فنيش في جلسات داخلية أن المرحلة المقبلة تتطلب تغليب الاعتبارات السياسية والتنظيمية على الاعتبارات العسكرية الصرفة، في سياق إدارة الوضع الداخلي والتعامل مع ضغوط سياسية وأمنية متزايدة، في انتظار اكتمال نتائج التحقيق الداخلي المتعلق بالخرق الأمني الذي تعرّض له الحزب.
في الخلاصة، تفيد المصادر بأن وفيق صفا استقال من موقعه التنظيمي، لا من الحزب، وأن مستقبله داخل البنية الحزبية لم يُحسم بعد. غير أن وحدة الارتباط والتنسيق نفسها تخضع لإعادة تعريف شاملة لوظيفتها ودورها، بحيث يُحصر عملها في التنسيق الأمني التقني، بعيداً عن السياسة والإعلام.
وتخلص المصادر إلى أن ما يجري داخل حزب الله يشكّل اختباراً حقيقياً لقدرة الحزب على الانتقال من نموذج أمني-سياسي إلى نموذج يغلب عليه الطابع السياسي، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، ومسار إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة.