في 6 فبراير/ شباط 2026، لم تكن العاصمة العُمانية مسقط مجرد محطة دبلوماسية جديدة في سجل الوساطات الإقليمية، بل تحولت إلى مسرح لاختبار نوايا حقيقية بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أشهر من التصعيد العسكري والتلويح بحرب كانت قريبة.
فبين التصريحات المتناقضة، والتكتم الشديد على طبيعة اللقاء، انعقد اجتماع بين الولايات المتحدة وإيران، وُصف في الكواليس بأنه الأكثر حساسية منذ انهيار مسار التفاوض عقب حرب يونيو/ حزيران 2025، في لحظة إقليمية مشبعة بالقلق والشكوك وسط مخاوف من اندلاع حرب جديدة.
بعيدًا عن البيانات الرسمية، تكشف مصادر سياسية ودبلوماسية مطلعة لـ"عربي بوست" تفاصيل دقيقة عن لقاء "استكشافي" كُسر فيه أحد المحرمات الأساسية، عبر جلوس الطرفين وجهًا لوجه، بعد سنوات من الاعتماد على القنوات الخلفية والوساطات غير المباشرة.
هذا التقرير يرصد كواليس اجتماع مسقط كما جرت خلف الأبواب المغلقة: من الخلاف الجوهري حول "صفر تخصيب" مقابل تعليق مؤقت، مرورًا بالصواريخ الباليستية ودور الحلفاء الإقليميين، وصولًا إلى معضلة الضمانات وانخراط موسكو كعامل كبح للانفجار.
لقاء "استكشافي" بين الولايات المتحدة وإيران
قالت مصادر سياسية ودبلوماسية إيرانية مطلعة، بعضها كان حاضرًا في مسقط، إن جلسة المباحثات كانت "مباشرة"، بعد أن نصح بعض الوسطاء العرب طهران بأن إجراء مناقشات مباشرة مع الأميركيين سينعكس بشكل إيجابي على مسار استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال دبلوماسي إيراني كان ضمن الفريق النووي المفاوض الإيراني لـ"عربي بوست"، مفضلًا عدم ذكر اسمه نظرًا لحساسية الموضوع: "حصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على موافقة من المؤسسة السياسية الإيرانية بإجراء مناقشات مباشرة مع الأميركيين".
ووصفت المصادر الإيرانية المطلعة اللقاء الأخير في مسقط بأنه كان بمثابة لقاء استكشاف لمسار الدبلوماسية المحتمل بين البلدين، ومن أجل طرح وجهات النظر المختلفة بين الولايات المتحدة وإيران، كبداية لاستكمال المسار الدبلوماسي الذي توقف منذ الهجوم الإسرائيلي على إيران في يونيو/ حزيران 2025.
مصدر دبلوماسي إيراني كان حاضرًا لهذا الاجتماع وصفه بأنه كان "معقولًا"، قائلًا لـ"عربي بوست": "لم يكن الاجتماع إيجابيًا أو سلبيًا، كان مجرد بداية، ولكن طهران لديها رغبة قوية في استكمال هذا المسار، بل وتسريع المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق نووي يرضي جميع الأطراف وتجنب الانزلاق إلى الحرب".
كما قال مسؤول إيراني مطلع ومقرب من القيادة الإيرانية العليا لـ"عربي بوست" إن جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كان حاضرًا اجتماع مسقط بين الولايات المتحدة وإيران، بالإضافة إلى قائد العمليات الأميركية الوسطى الأدميرال براد كوبر.
المصدر ذاته الذي صرح لـ"عربي بوست" مفضلًا عدم ذكر اسمه، علّق على حضور براد كوبر قائلًا: "يريد دونالد ترامب إرسال رسالة إلى طهران بأن التهديد العسكري الأميركي تجاه إيران ما زال مطروحًا، كان حضور كوبر إشارة سيئة بالنسبة لإيران".
كما وصف المسؤول الإيراني رفيع المستوى الاجتماع بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية، قائلًا: "لم يحقق أي نتائج على أرض الواقع، كان مجرد عرض لوجهات النظر، الرهان على ما هو قادم".
البرنامج النووي الإيراني على رأس الأولويات
كان البرنامج النووي على رأس القضايا التي نوقشت في هذا اللقاء. وبحسب المصادر السياسية والدبلوماسية الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، طلب الفريق الأميركي وقف تخصيب اليورانيوم بشكل كامل داخل الأراضي الإيرانية، وقد أصر كوشنر على هذا المطلب بحسب المصادر.
كما طالب الجانب الأميركي نظيره الإيراني بضرورة الكشف عن مصير 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي لم تسمح طهران منذ حرب يونيو/ حزيران 2025 بالكشف عن مصيره حتى الآن، مع منعها مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من زيارة منشآتها النووية.
فيما كشفت مصادر دبلوماسية غربية لـ"عربي بوست" أن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف أبلغ الوسطاء العُمانيين والقطريين والمصريين بضرورة وقف تخصيب اليورانيوم بالكامل داخل إيران، والسماح بعمليات تفتيش شاملة للمواقع التي تختارها الفرق الدولية والأميركية.
في المقابل، رفض الفريق الإيراني مبدأ "صفر تخصيب" الذي تطالب به الولايات المتحدة، لكنه اقترح خفض مستويات تخصيب اليورانيوم إلى ما هو أقل من 60%، واحتفاظ إيران بكميات اليورانيوم عالي التخصيب، والتوصل إلى اتفاق يشمل آلية لضمان سلمية البرنامج النووي الإيراني بمشاركة أميركية.
وقال المصدر الدبلوماسي الإيراني لـ"عربي بوست": "اقترح الأميركيون تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة 5 سنوات مع السماح بتفتيش المنشآت النووية، لكن اقترح عراقجي تعليق التخصيب لمدة عام 1 فقط بشكل سري وغير معلن، ووصف هذا الأمر بأنه أكبر تنازل يمكن أن تقدمه إيران في هذه المفاوضات".
وأضاف المصدر ذاته قائلًا: "لكن حتى تعليق تخصيب اليورانيوم لعام 1 كان مشروطًا برفع تدريجي للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران، بينما لم يناقش الفريق الأميركي أي شيء يخص رفع العقوبات واكتفوا بالإشارة إلى الإفراج عن بعض الأموال الإيرانية المجمدة، وهذا الأمر تم رفضه، فنحن نبحث عن رفع للعقوبات الظالمة".
ماذا عن برنامج الصواريخ الباليستية؟
فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية، قالت المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست" إن الفريق الأميركي اقترح تقييد مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية، وليس إنهاء البرنامج بشكل كامل، بالإضافة إلى إخضاع البرنامج الصاروخي لمراقبة دولية مقارنة بالبرنامج النووي.
كما طالب الفريق الأميركي الذي قاد المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط بتعهدات إيرانية بعدم نقل تكنولوجيا البرنامج الصاروخي إلى حلفاء إيران في المنطقة، بينما رفض الفريق الإيراني أي حديث عن الصواريخ الباليستية.
إذ قال المسؤول الإيراني المقرب من المؤسسة السياسية الإيرانية لـ"عربي بوست": "أخبر عراقجي الفريق الأميركي بأنه لا يمكن التنازل عن البرنامج الصاروخي الإيراني أو التفاوض عليه في حال استمرار التهديدات الإسرائيلية تجاه إيران وحلفائها في المنطقة، بالتحديد حزب الله اللبناني".
وأضاف المصدر ذاته قائلًا: "اقترح عراقجي تفعيل الوساطة الروسية فيما يخص البرنامج الصاروخي"، وأشار إلى أن علي لاريجاني زار موسكو نهاية شهر يناير/ كانون الثاني، وفي لقائه بالرئيس الروسي اقترح الأخير أن تقوم روسيا بالتعهد لدى واشنطن بعدم استخدام طهران صواريخها في تهديد إسرائيل أو المصالح الأميركية في المنطقة.
لكن بحسب المصدر الدبلوماسي الإيراني، لم يعلق الفريق الأميركي على مسألة الوساطة الروسية في الاجتماع، وقالوا إنه سيتم مناقشتها في العاصمة واشنطن.
الحلفاء الإقليميون في قلب النقاش
لم يقتصر الطرح الأميركي في مسقط على الملف النووي والصواريخ الإيرانية، بل امتد، بحسب مصادر غربية مطلعة على مجريات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى صلب ما تعتبره واشنطن جوهر "مشكلة الاستقرار" في الشرق الأوسط، أي شبكة الحلفاء الإقليميين لطهران.
فقد تطرّق ستيف ويتكوف بشكل مباشر وصريح إلى الدعم العسكري الإيراني لحلفائه في المنطقة، وخصوصًا ما يتعلق بتزويدهم بالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وأنظمة التسليح التي تُستخدم، وفق التوصيف الأميركي، في استهداف إسرائيل وتهديد المصالح الأميركية وحلفائها.
وطالب المبعوث الأميركي المفاوضين الإيرانيين بوقف هذا الدعم بشكل تدريجي، وصولًا إلى تفكيك القدرات العسكرية التي ترى فيها واشنطن "مصدر تهديد دائم" قابلًا للاشتعال في أي لحظة.
ووفق المصادر نفسها، حاول المبعوث الأميركي تأطير هذا المطلب ضمن رؤية أوسع، تقوم على الربط بين أي تقدم في المسار النووي وبين تغيير ملموس في سلوك إيران الإقليمي. إذ شدد ويتكوف على أن الإدارة الأميركية لا تنظر إلى البرنامج النووي بمعزل عن البيئة الأمنية المحيطة به.
وفي هذا السياق، شدد المبعوث الأميركي على أن واشنطن ترى أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق ما دامت ساحات مثل لبنان وسوريا واليمن وغزة قابلة للتحول السريع إلى جبهات مواجهة مفتوحة بفعل دعم عسكري إيراني مباشر أو غير مباشر.
غير أن هذا الطرح، وفق ما تنقله المصادر، قوبل بتحفظ إيراني واضح، إذ ترى طهران أن ملف حلفائها يشكل ورقة قوة استراتيجية لا يمكن التخلي عنها، خاصة في ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية، وغياب أي ضمانات أميركية حقيقية بعدم اللجوء إلى الخيار العسكري مستقبلًا.
إيران تريد ضمانات قبل التوصل إلى أي اتفاق
في وقت سابق كانت طهران تصر على الحصول على ضمانات من الإدارة الأميركية على عدم الخروج من أي اتفاق محتمل بين البلدين. وبعد حرب يونيو/ حزيران ضد إيران كانت هناك محاولة تمهيدية لاستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران، حينها اشترطت إيران الحصول على ضمانات مكتوبة من ترامب بعدم استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل لإيران مرة أخرى.
يقول مصدر دبلوماسي إيراني ثانٍ لـ"عربي بوست": "كان تواصل غير مباشر بين واشنطن وطهران في أعقاب حرب يونيو/ حزيران، وأصرت طهران حينها على الحصول على ضمانات من الإدارة الأميركية بعدم استهداف إيران مرة أخرى كبادرة لإثبات حسن النية لاستئناف المفاوضات، ولكن الأمور لم تسر بشكل جيد في ذلك الوقت".
أما في اللقاء الأخير، فأخبر عراقجي الأميركيين بأن طهران باتت مقتنعة بأنه لا يمكن الحصول على ضمانات مكتوبة بشأن عدم الانسحاب الأميركي من أي اتفاق محتمل، أو تعهدات بعدم مهاجمة إيران، لذلك فإن طهران تقترح أن يتم إشراك بعض الأطراف الإقليمية لمراقبة تنفيذ الاتفاق المحتمل بين البلدين، بالإضافة إلى إشراكهم في مسألة عدم تهديد واشنطن لطهران في أي وقت.
وبحسب المصادر الإيرانية فإنه لم يتم الاتفاق على هوية الوسطاء المحتملين، كما أنه لا يبدو أن الجانب الأميركي قد تحمس لهذا الاقتراح بشكل إيجابي. وبالإضافة إلى الضمانات، طلب عراقجي سحب واشنطن معداتها العسكرية التي تم حشدها في الفترة الأخيرة في الشرق الأوسط، كإثبات على عدم وجود نية لمهاجمة إيران في أي وقت.
وبحسب مصادر دبلوماسية عربية، اتفق الطرفان في ختام الجولة على العودة للتشاور مع قيادتيهما، وتحديد موعد جديد يركّز حصرًا على إنجاز تفاهم حول الملف النووي، على أن تُرحّل الملفات الأخرى إلى مراحل لاحقة.
وترى واشنطن، وفق المصادر نفسها، أن إيران تتفاوض بجدية، لكنها في الوقت نفسه تلمس صعوبة حقيقية في سد الفجوات العميقة بين مواقف الطرفين، وسط مخاوف مشتركة من أي تصعيد عسكري مفاجئ، في ظل ضغط إسرائيلي متواصل وتشكيك علني بجدوى المسار التفاوضي.
لاريجاني في مسقط استعدادًا لجولة مفاوضات جديدة
من المقرر أن يزور أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني العاصمة العُمانية مسقط الثلاثاء 10 فبراير/ شباط 2026. وبحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن سبب هذه الزيارة هو لقاء بين لاريجاني ومسؤول أميركي رفيع المستوى من أجل ترتيب الجولة 2 من المفاوضات الإيرانية–الأميركية التي بدأت منذ أيام قليلة.
وقال مصدر مقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لـ"عربي بوست"، مفضلًا عدم الإسناد لأنه غير مخوّل له بالحديث لوسائل الإعلام: "إن الوسطاء اقترحوا ترتيب هذا اللقاء لمنع انهيار المفاوضات".
وحسب المصدر ذاته، فإن المرشد الأعلى الإيراني منح تفويضًا لعلي لاريجاني من أجل التعامل مع مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة، ووصف المصدر هذا التفويض بأنه يتخطى صلاحيات وزارة الخارجية.
لكن تحفظ المصدر خلال تصريحه لـ"عربي بوست" عن الإفصاح عن هوية المسؤول الأميركي الذي من المتوقع أن يقابله علي لاريجاني في عُمان، إلا أنه أشار في الوقت نفسه إلى احتمالية مشاركة علي لاريجاني في الجولة الثانية من المفاوضات.
كما أضاف المصدر ذاته: "سيكون اللقاء بين عراقجي والمسؤول الأميركي مهمًا للغاية لأنه سيحدد انعقاد الجولة الثانية من عدمها، كما أن لاريجاني سيكون في عُمان وبحوزته خطة كاملة ومقترحان جديدان سيتم مناقشتهما مع المسؤول الأميركي والوسطاء العُمانيين، بالإضافة إلى صلاحيات أكبر من صلاحيات وزارة الخارجية الإيرانية".
ماذا عن الدور الروسي في هذا الحراك؟
تزامنًا مع المفاوضات، كشفت مصادر دبلوماسية غربية لـ"عربي بوست" أن موسكو كثّفت اتصالاتها مع طهران وواشنطن لتفادي الانزلاق نحو مواجهة عسكرية. وقبيل جولة مسقط، نقلت روسيا إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني نصائح مباشرة بضرورة تقديم تنازلات محدودة في الملف النووي لتجنّب ضربة عسكرية محتملة.
بحسب هذه المصادر، أبدت موسكو تفهّمًا لاحتفاظ إيران ببرنامج صاروخي دفاعي، لكنها دعت إلى التخلي عن دعم الأذرع الإقليمية، معتبرة أن هذه الأذرع باتت عبئًا سياسيًا وأمنيًا، وتعرّض الدول التي تنشط فيها لمزيد من الانهيار.
كما اقترحت روسيا مجددًا نقل مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة مرتفعة إلى أراضيها، في إطار حل تقني مؤقت، وهو ما أكدت وزارة الخارجية الروسية أنه "لا يزال مطروحًا على الطاولة".
وفي موازاة ذلك، حذّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من أن التوترات المحيطة بإيران تقترب من "حافة انفجار وشيك" قد يطال المنطقة بأكملها، مؤكدًا أن موسكو لن تكتفي بدور المراقب، وأنها مستعدة للتدخل لمنع انهيار الاستقرار الإقليمي، باعتبار إيران شريكًا استراتيجيًا لروسيا.
وتختم مصادر دبلوماسية غربية حديثها لـ"عربي بوست" بالتأكيد أن مسار التفاوض لا يزال هشًا، وأن نجاحه سيبقى مرتبطًا بقدرة الأطراف على ضبط إيقاع التصعيد واحتواء الضغوط الإسرائيلية ومنح الدبلوماسية الوقت الكافي قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.