مع الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، برزت مخاوف متزايدة في القاهرة من ترتيبات تُدار بالتوازي مع مسار التهدئة، ترى فيها مصر مؤشرات على وجود تصورات أميركية-إسرائيلية قد تفضي إلى دفع الفلسطينيين خارج القطاع، ولتي تدخل في إطار مشروع "غزة الجديدة" الذي روج له دونالد ترامب.
وتتعامل مصر مع المقترحات المطروحة بشأن إدارة المعبر والتشديد الأمني المحيط به، إلى جانب حديث متزايد عن مشاريع مستقبلية لغزة، باعتبارها حلقات مترابطة ضمن رؤية أوسع لما بعد الحرب. وترى القاهرة أن بعض هذه الطروحات يتجاوز البعد الإنساني، ويفتح الباب أمام إعادة هندسة الواقع السكاني للقطاع تحت غطاء أمني أو اقتصادي.
وفي ظل هذه المعطيات، يتحول الخلاف حول تشغيل معبر رفح إلى مواجهة سياسية غير معلنة حول مستقبل غزة وسكانها، وسط رفض مصري لأي ترتيبات قد تُفسَّر باعتبارها تمهيدًا لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة أو فرض وقائع دائمة على الأرض.
من الرفض الإسرائيلي إلى سياسة المماطلة
قال مصدر مصري مطلع إن إسرائيل لم يعد لديها أي حجة لرفض الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بعد الوصول إلى رفات آخر أسير في القطاع، وبالتالي سيكون عليها فتح المعابر، وإدخال المساعدات الإنسانية، والتجهيز لإعادة الإعمار. غير أن المصدر أشار إلى وجود عراقيل عديدة على الأرض، في ظل "رغبة جامحة" من الحكومة الإسرائيلية المتطرفة في الإشراف الأمني الكامل على معبر رفح.
وأوضح المصدر أن هذه العقبة تحاول مصر والوسطاء تذليلها خلال الأيام المقبلة، عبر التوصل إلى اتفاق بشأن آليات الدخول والخروج، مشيرًا إلى أن ما يحكم القاهرة استراتيجيًا هو الحفاظ على الأمن القومي ومنع تصفية القضية الفلسطينية. وأضاف أن هناك اتفاقية واضحة لإدارة المعابر، تصر مصر على العمل بها، مع إعادة فتح معبر رفح بوجود البعثة الأوروبية، ونشر القوات الفلسطينية على الجانب الآخر من المعبر داخل قطاع غزة.
ولفت المصدر الذي صرح لـ"عربي بوست" مفضلًا عدم ذكر اسمه، إلى أن المطالب المصرية تقابل بتعنت إسرائيلي، يصل إلى حد رفض دخول أي مساعدات مزدوجة الاستخدام إلى القطاع، إلى جانب تحكم إسرائيل في دخول الأفراد إلى غزة، متوقعًا التوصل إلى آليات مرحلية لإدارة المعبر خلال الفترة المقبلة.
وأبدت القاهرة رفضها استحداث نقطة ثالثة كانت إسرائيل تريد إقامتها في المسافة ما بين معبر رفح ومعبر كرم أبو سالم، بإشراف (مصري-فلسطيني-إسرائيلي). وأوضح أن هذه الأفكار ما زالت مطروحة، غير أن مصر وافقت على فتح المعبر شريطة أن يكون عدد الداخلين إلى قطاع غزة يوميًا مساوياً لعدد الخارجين منه، بما لا يتيح أي فرصة لتمرير مخطط التهجير.
اتفاق المعابر.. رهان مصري على رقابة ثلاثية
انتقلت إسرائيل من مرحلة الرفض الكامل لفتح معبر رفح إلى مرحلة المماطلة، عبر الإصرار على الإشراف الأمني من الجانب الآخر للمعبر.
وتوقع مصدر "عربي بوست" أن تستمر هذه المماطلات خلال الفترة المقبلة، في وقت تعوّل فيه مصر على تغيير مرحلي في إدارة المعبر، عبر الانتقال من وجود مراجعات أمنية إسرائيلية غير مباشرة إلى العودة لاتفاق المعابر، بما يضمن رقابة ثلاثية من جانب مصر والاتحاد الأوروبي وعناصر الأمن الفلسطيني.
وأكد أن هذا المسار سيستدعي تدخلات متواصلة من الإدارة الأميركية للضغط على إسرائيل، إلى جانب ضغوط أخرى يمارسها الوسطاء.
وكان معبر رفح تحت إدارة مشتركة مصرية-فلسطينية منذ انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، وتعد السيطرة الإسرائيلية الحالية عليه منذ مايو/ أيار 2024 غير قانونية بموجب القانون الدولي الإنساني. وسبق أن رفضت مصر، في ديسمبر/ كانون الأول 2025، اقتراحًا إسرائيليًا بفتح المعبر في اتجاه واحد فقط لخروج الفلسطينيين، معتبرة ذلك محاولة لتهجيرهم قسرًا.
آليات تشغيل المعبر وفق الترتيبات الجديدة
بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، أقر "الكابينت" فتح المعبر الحدودي بين غزة ومصر، للسماح بخروج الأشخاص إلى الأراضي المصرية دون تفتيش أمني مباشر من إسرائيل، على أن تتولى بعثة الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع طواقم محلية تابعة للسلطة الفلسطينية، إجراءات التدقيق، مع إشراف إسرائيلي عن بعد فقط.
وسيتم الدخول من مصر إلى غزة على مرحلتين: تفتيش أولي من قبل بعثة الاتحاد الأوروبي، ثم تفتيش أمني إسرائيلي داخل منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، لمنع التهريب أو دخول غير المصرح لهم. ولم يُحدد بعد العدد النهائي للمغادرين والعائدين، لكنه يُقدر ببضع مئات يوميًا.
ويعد معبر رفح شريانًا اقتصاديًا وأمنيًا على الحدود بين مصر وقطاع غزة، إذ يُسهل دخول المساعدات الإنسانية وخروج المسافرين والمصابين، قبل أن تسيطر إسرائيل على الجانب الفلسطيني منه في 7 مايو/ أيار 2024.
رهائن غزة والضغط على القاهرة
أعلن جيش الاحتلال، الاثنين 26 يناير/ كانون الثاني 2026، استعادة جثمان آخر رهينة متوفى في غزة، في أول مرة منذ عام 2014 يخلو فيها القطاع من رهائن إسرائيليين. وقال في بيان: "بعد عملية تحديد هوية أجراها المركز الوطني للطب الشرعي بالتعاون مع الشرطة الإسرائيلية والحاخامية العسكرية، أبلغ المسؤولون عائلة الفقيد بأنه تم التعرف على رفاته وسيتم نقله إلى مثواه الأخير".
ويُدرج بند فتح معبر رفح ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض أكثر من مرة فتحه، كان آخرها في 6 يناير/ كانون الثاني 2026، وربط الفتح بتسلُّم آخر رفات إسرائيلية لدى حركة حماس.
وبحسب مصدر مسؤول تحدث لـ"عربي بوست"، أخرت إسرائيل عمدًا الإعلان عن العثور على رفات آخر رهينة متوفى، بهدف تأخير فتح معبر رفح، والضغط على مصر للقبول باشتراطاتها المتعلقة بالإدارة الأمنية الكاملة لدخول الفلسطينيين وخروجهم من القطاع.
وأضاف أن الضغط الأميركي الأخير انتهى بموافقة الاحتلال على فتح المعبر، لكن دون حل الإشكاليات الخاصة بإدارته بين مصر وإسرائيل، مشيرًا إلى أن إسرائيل أعلنت مؤخرًا إمكانية السماح بدخول الفلسطينيين بعد مراجعات أمنية شاملة، شريطة عدم وجود أي انتماءات فصائلية، في حين ستسمح مصر بدخول الحالات الإنسانية العاجلة.
وأوضح المصدر أنه حتى اللحظة لا توجد استراتيجية أو خطة لتغيير هذا النمط، لكنه قد يتغير مع الوقت، لافتًا إلى أن إسرائيل كانت ترفض فتح المعبر وتربط ذلك بمسألة نزع السلاح، وهي الآن تقدم على هذه الخطوة دون تحقق رؤيتها، بينما تدرك مصر أن هناك أهدافًا إسرائيلية لتهجير أكبر عدد ممكن من السكان عبر معبر رفح، ولن تسمح بذلك.
"غزة الجديدة".. رؤية أميركية تثير قلق القاهرة
المصدر المسؤول الذي صرح لـ"عربي بوست" أشار إلى أن القاهرة أرسلت موقفًا واضحًا لواشنطن، تعبر فيه عن رفضها لمقترح "غزة الجديدة" الذي أعلنت عنه إدارة ترامب قبل أيام، معتبرة أنه يتماشى مع الرغبة الإسرائيلية في جعل القطاع طاردًا للسكان.
ما يقلق القاهرة هو وجود نقاط مشتركة بين ما تحدثت عنه مصادر إسرائيلية قريبة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن استحداث "معبر رفح 2″، وبين الخطة الأميركية التي تتحدث عن إنشاء معبر كبير في شرق غزة يكون بديلًا لمعبر رفح، إلى جانب حديث عن مطار وميناء ومحطة قطارات قرب الحدود المصرية، وهو ما تعترض عليه مصر.
وكان مسؤولون أميركيون قد قدموا رؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب حول "غزة الجديدة"، التي تهدف إلى تحويل القطاع المدمر إلى منتجع فاخر يضم ناطحات سحاب ومساحات خضراء خلال 3 أعوام.
وقال ترامب، خلال تقديمه في دافوس "مجلس السلام" الذي أعلن تشكيله لحل النزاعات الدولية: "سنحقق نجاحًا كبيرًا في غزة. وستكون مشاهدة ذلك أمرًا رائعًا". وأضاف أمام المنتدى الاقتصادي العالمي: "أنا مطور عقاري في صميمي… وقلت: انظروا إلى هذا الموقع المطل على الشاطئ، انظروا إلى هذه الأرض الرائعة، وما يمكن أن تكون عليه لكثير من الناس".
وكشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية أن الخطة تتألف من جدول زمني لتطوير القطاع على 6 مراحل، تركز المرحلة الأولى منها على مدينتي رفح وخان يونس، بينما تتضمن المرحلة الثانية توسيع نطاق التطوير في خان يونس.
وأوضحت الصحيفة أن المرحلة الثالثة تستهدف مناطق مخيمات اللاجئين وسط القطاع، فيما تُعنى المرحلة الرابعة بإعادة إعمار مدينة غزة، مع تخصيص جزء كبير من الشريط الساحلي لإقامة مشروعات سياحية، تشمل إنشاء 180 برجًا متعدد الاستخدامات.
وأضافت أن الخطة تتضمن مقترحات لإنشاء ميناء جديد ومطار، ومعبر ثلاثي الأطراف في رفح، إلى جانب خط سكك حديدية لنقل البضائع، مرتبط بممر لوجستي خلفي للميناء، فضلًا عن شبكة طرق دائرية ورئيسية لربط المراكز الحضرية في مختلف أنحاء غزة.
خلافات تتجاوز المعبر إلى مستقبل إدارة غزة
بحسب مصدر فلسطيني مطلع على الاتصالات الجارية بشأن تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، فإن الخلافات بين مصر وإسرائيل لا تقتصر على تشغيل المعبر، بل تمتد إلى مستقبل الإدارة المدنية في غزة، خصوصًا ما يتعلق بملف نزع سلاح حماس، الذي تصر إسرائيل على اعتباره شرطًا أساسيًا لإعادة الإعمار، في حين ترفضه مصر وترى ضرورة السير بالتوازي بين الإعمار وإجراءات "ضبط السلاح".
وأوضح المصدر أن هناك آلية مؤقتة لإدارة معبر رفح، من المتوقع أن تشمل في الأسابيع الأولى مغادرة المرضى والمصابين المحتاجين للعلاج في الخارج، والطلبة الحاصلين على قبول جامعي، وأبناء غزة من حملة الجنسية المصرية والجنسيات الأجنبية، إضافة إلى الحاصلين على تأشيرات دخول إلى دول أوروبية أو الولايات المتحدة، والفلسطينيين الذين لديهم وظائف في الخارج وانتهت إقاماتهم خلال الحرب.
في المقابل، يوضح المصدر، ستكون الأولوية لدخول المرضى الفلسطينيين الذين أنهوا علاجهم في المستشفيات المصرية، أو الذين لا تزال أسرهم بالكامل داخل القطاع.
وأشار إلى أن "لجنة التكنوقراط" التي شُكلت مؤخرًا ستتولى إعداد قوائم يومية بأسماء المسافرين والعائدين، وإرسالها إلى هيئة الارتباط المدنية الفلسطينية الإسرائيلية وبعثة المراقبين، قبل الحصول على الموافقة الإسرائيلية والتنسيق مع الجانب المصري.
وكان علي شعث، رئيس لجنة إدارة غزة، قد أعلن في كلمة متلفزة مسجلة بُثت خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، فتح المعبر هذا الأسبوع، فيما وافقت الحكومة الإسرائيلية على تشغيله عقب زيارة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، برفقة مستشار الرئيس الأميركي جاريد كوشنير، إلى إسرائيل.
وأكد الاتحاد الأوروبي جاهزية بعثته على معبر رفح للعمل فور إعادة فتحه واستئناف حركة العبور. وقال الناطق باسم الاتحاد الأوروبي، أنور العانوني، إن البعثة في وضع الاستعداد وجاهزة للتحرك بمجرد إعادة فتح نقطة العبور.
وبحسب بيانات الاتحاد الأوروبي، يبلغ قوام البعثة حاليًا 18 فردًا من موظفين دوليين ومحليين، وتقدم دعمًا فنيًا وتنسيقيًا للجانب الفلسطيني، بهدف تعزيز إدارة المعبر وتسهيل عمليات العبور بين قطاع غزة ومصر.