لماذا تخشى مصر من رؤية ترامب بشأن سد النهضة رغم إعلانه “دعمه” للقاهرة؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/21 الساعة 14:03 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/21 الساعة 14:03 بتوقيت غرينتش
تصريحات ترامب بشأن أزمة سد النهضة تُقلق القاهرة/ عربي بوست

رغم أن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي حمل في طياته إشارات داعمة للموقف المصري في ملف سد النهضة، وهو ما اعتُبر مؤشراً على إمكانية تحريك حالة الجمود التي تسيطر على الأزمة، فإن الخطاب لم يبدّد حالة القلق المصرية، بل فتح باب تساؤلات أوسع حول دوافع التوقيت وأهداف الوساطة الأميركية المحتملة.

فعلى الرغم من الترحيب الرسمي المصري، أبدت دوائر سياسية مطلعة في القاهرة تخوفات واضحة من أن يكون طرح ترامب ملف سد النهضة في هذه المرحلة مقدمة لإعادة صياغة مقاربة مختلفة، لا تنطلق من الأسس القانونية التي طالما تمسكت بها مصر، بقدر ما تفتح المجال لخطاب سياسي فضفاض قد يفضي إلى ضغوط على القاهرة للقبول بصيغ تفاوضية تمس جوهر حقوقها المائية.

جوهر المخاوف: "تقسيم المياه" أم اتفاق قانوني ملزم؟

يبقى التخوف الرئيسي في القاهرة مرتبطاً بحديث الرئيس الأميركي عن "تقاسم مياه نهر النيل"، في وقت تؤكد فيه مصر أن هدفها الأساسي يتمثل في التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، بما يحفظ حقوقها التاريخية في مياه النيل وفقاً لقواعد القانون الدولي، وليس الدخول في نقاشات سياسية حول إعادة توزيع الحصص.

وجاء ترحيب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بخطاب ترامب حاملاً في طياته دلالات تشير إلى قلق مصري لا ترغب القاهرة في إظهاره بشكل مباشر في موقفها الرسمي، غير أن التأكيد المتكرر على أن نهر النيل يمثل "شريان حياة" للمصريين يعكس بوضوح سعي مصر لتثبيت إطار التفاوض باعتباره قضية وجودية لا سياسية.

وفي هذا السياق، شدد السيسي على "التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، والقائم على مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة من دون إضرار بأي طرف، وهي الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري"، في إشارة واضحة إلى وضع خطوط حمراء أمام أي مفاوضات مقبلة بشأن ملف سد النهضة.

هل ينجح ترامب في حل أزمة ملف سد النهضة؟ عربي بوست
هل ينجح ترامب في حل أزمة ملف سد النهضة؟ عربي بوست

خطاب "مطّاط" وتجاهل للأسس القانونية السابقة

قال مصدر مصري مطلع على تفاصيل ملف سد النهضة لـ"عربي بوست" إن رسالة الرئيس الأميركي لم تراعِ تعامل مصر مع أزمة المياه باعتبارها أحد أساسيات استمرار الحياة، مشيراً إلى أن المصطلحات الواردة في الخطاب جاءت "مطّاطة" وقابلة لتفسيرات متعددة.

وأوضح المصدر، الذي تحدث مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن الرؤية العامة للوساطة الأميركية، كما وردت في خطاب ترامب، تحدثت عن إعادة توزيع المياه دون التطرق إلى أسس التفاوض السابقة المتعلقة بملء وتشغيل السد، وتعاملت مع الأمر وكأنه واقع جديد انتهت فيه إثيوبيا من تشغيل السد.

وهو ما قد يفضي، حسب المصدر، إلى ضغوط على القاهرة لتقديم تنازلات، من بينها شراء الطاقة الكهربائية الناتجة عن السد مقابل الإفصاح عن معلومات تتعلق بتدفق مياه النيل. وأشار إلى أن ترامب لم يتطرق إلى الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، ما يفتح الباب، وفق تقديره، أمام محاولات لإعادة طرح فكرة التنازل عن هذه الحقوق تحت مسمى "إعادة تقسيم المياه".

غموض الوساطة واحتمالات الإضرار بدول المصب

أضاف المصدر ذاته أن الخطاب الأميركي جاء غامضاً إلى حد بعيد، إذ لم يحدد ما إذا كانت الوساطة الأميركية في ملف سد النهضة ستقوم على أسس جديدة، أم سترتكز على "اتفاقية عنتيبي" التي ترفض مصر التوقيع عليها وانسحبت منها إلى جانب السودان، أم أنها ستضغط على إثيوبيا لتقديم تنازلات حقيقية تضمن عدم الإضرار بحصة مصر المائية.

ولفت المتحدث إلى أن حديث ترامب عن تقسيم مياه النيل يتجاهل حقيقة أن إثيوبيا تمتلك حصة مائية تفوق حصة مصر بعشرات المرات، وتصدر بالفعل الكهرباء إلى دول الجوار، معتبراً أن أي حديث عن إعادة التقسيم يوحي بوجود أبعاد خفية قد تضر بدولتي المصب، وليس وساطة تهدف إلى معالجة أزمة السد فحسب.

وشدد المصدر على أن الأسانيد القانونية غابت تماماً عن خطاب ترامب، وحل محلها خطاب سياسي وكأن عشرات الجولات التفاوضية السابقة لم يكن لها وجود، رغم أن إدارة ترامب في ولايته الأولى كانت قد توصلت إلى اتفاق وافقت عليه مصر والسودان، ورفضت إثيوبيا التوقيع عليه.

واعتبر أن العودة إلى "نقطة الصفر" في ملف سد النهضة تعني إهدار ما يقرب من 14 عاماً أخرى من دون جدوى، خاصة أن الطروحات المتعلقة بإعادة توزيع حصص مياه النيل سبق أن رُفضت بشكل قاطع من جانب مصر والسودان خلال مناقشة مسودة اتفاقية عنتيبي.

وأكد أن أي تفاوض يمس نقطة مياه واحدة من حصة مصر التاريخية يُعد أمراً مرفوضاً وغير قابل للنقاش، لأنه يمس بشكل مباشر حياة المصريين وأمنهم المائي، مشيراً إلى أن وضوح الموقف المصري قد يتبلور بشكل أكبر عقب لقاء محتمل بين السيسي وترامب على هامش قمة "دافوس".

رسالة ترامب وردود الفعل الإقليمية

كان ترامب قد نشر في 16 يناير/ كانون الثاني 2026، على منصته "تروث سوشيال" رسالة قال إنه وجهها إلى السيسي، أعرب فيها عن أمله في ألا يؤدي الخلاف حول ملف سد النهضة إلى صراع عسكري بين مصر وإثيوبيا.

وأكد ترامب في الرسالة أن بلاده مستعدة لاستئناف الوساطة للمساعدة في حل مسألة تقاسم مياه نهر النيل، مشدداً على أنه "لا ينبغي لأي دولة في المنطقة أن تسيطر بصورة منفردة على موارد النيل الثمينة، وأن تلحق الضرر بجيرانها".

وبحسب نص الرسالة الأميركية التي نشرها البيت الأبيض، أكد ترامب أنه يأمل في التوصل إلى صيغة تضمن إمدادات مياه مستقرة لمصر والسودان، وتسمح لإثيوبيا ببيع الكهرباء أو تزويد البلدين بها، قائلاً: "فريقي وأنا نفهم الأهمية العميقة لنهر النيل لمصر وشعبها، وأريد تحقيق نتيجة تضمن حاجات المياه لمصر والسودان وإثيوبيا على المدى الطويل".

كما أعرب عن اعتقاده بأن "المفاوضات العادلة والشفافة ودوراً أميركياً قوياً" يمكن أن يفضيا إلى اتفاق دائم يضمن إطلاق كميات مياه متوقعة خلال فترات الجفاف لمصر والسودان، مع السماح لإثيوبيا بتوليد كميات كبيرة من الكهرباء، مشدداً على أن حل التوترات حول سد النهضة "يتصدر جدول أعماله".

وردّ السيسي على رسالة ترامب مثمناً اهتمام الرئيس الأميركي بـ"محورية قضية نهر النيل لمصر، الذي يمثل شريان الحياة للشعب المصري".

بدوره، أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ترحيب حكومته ودعمها الكامل للمبادرة والوساطة التي طرحها ترامب، معتبراً أن التوصل إلى اتفاق نهائي يسهم في استدامة الأمن والاستقرار الإقليمي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق/ رويترز
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق/ رويترز

حسابات إقليمية وتحركات مقلقة

بحسب مصدر مصري مطلع صرح لـ"عربي بوست" فإن خطاب الرئيس الأميركي يفتح الباب أمام أكثر من مسار محتمل، بين ممارسة ضغوط على إثيوبيا لوقف سياساتها الأحادية، أو طرح رؤى سياسية جديدة قد تعيد خلط الأوراق في ملف مياه النيل.

المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست" شريطة عدم ذكر اسمه لفت إلى أن واشنطن تخشى من كارثة مائية قد تطال دولتي المصب في حال عدم السيطرة على كميات المياه المتدفقة من السد، وهو ما قد يؤدي إلى إغراق مناطق واسعة في السودان مع امتداد التأثيرات إلى مصر.

وأوضح المصدر أن الإدارة الأميركية تدرك أن سنوات الجفاف تمثل تحدياً وجودياً لمصر، باعتبارها الدولة الوحيدة بين دول حوض النيل التي تعتمد اعتماداً كاملاً على الزراعة المروية في ظل غياب شبه تام للأمطار، ما يجعل أي حديث عن إعادة توزيع المياه "غير واقعي وغير عادل".

وأشار إلى أن القاهرة تدعم إقامة سدود لتوليد الكهرباء في دول المنبع، بل وضخ استثمارات لبناء سد جديد في الكونغو، إلا أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب التنسيق مع دول المصب.

ولفت المصدر إلى أن القلق المصري يتعاظم في ظل تحركات القاهرة النشطة في منطقة القرن الأفريقي، وما تبعها من ارتباك إثيوبي، مشيراً إلى أن اعتراف إسرائيل مؤخراً بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي قد يكون أحد مؤشرات هذا الارتباك، وربما انعكس بدوره على مواقف الولايات المتحدة.

وأكد أن القاهرة تعمل خلال الفترة الماضية على بناء شبكة تحالفات استراتيجية مع عدد من دول الإقليم، معتبراً أن ذلك قد يكون دافعاً لتحرك أميركي في هذا التوقيت، خاصة في ظل طبيعة تفكير ترامب القائمة على عقد الصفقات، لكنه شدد على أن القاهرة ستختبر نواياه، ولن تكتفي بالتعامل مع رغبته الدائمة في الظهور تحت الأضواء أو السعي وراء جائزة نوبل للسلام.

تصريحات متكررة بشأن ملف سد النهضة تزيد الغموض

أثار ترامب الجدل مجدداً بتصريحات قال فيها إن إثيوبيا بنت سد النهضة بتمويل أميركي، معرباً عن استغرابه من ذلك، ومؤكداً أنه تدخل سابقاً في الأزمة وأن مصر "دفعت الثمن" جراء بناء السد. وكان ترامب قد كرر هذا الاتهام في يونيو ويوليو الماضيين، فيما نفت إثيوبيا هذه الادعاءات بشدة، مؤكدة أن السد "بُني بأموال الشعب الإثيوبي".

وبحسب خبير أميركي، فإن تحركات ترامب الحالية بشأن ملف سد النهضة لا يمكن فصلها عن تقارير تحدثت عن احتمالات تحرك مصري في المرحلة المقبلة تجاه سد النهضة، معتبراً أن التدخل الأميركي قد يكون هدفه احتواء تصعيد محتمل قد يهدد الأمن الإقليمي في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، رغم بقاء أهداف هذا التدخل غامضة حتى الآن.

وأوضح الخبير أن الإدارة الأميركية لا تزال حريصة على عدم إغضاب إثيوبيا، إذ لم يُلزم خطاب ترامب أديس أبابا بتقديم تنازلات واضحة، كما لم تتخذ واشنطن مواقف حازمة في عام 2020 عندما رفضت إثيوبيا التوقيع على اتفاق رعته إدارة ترامب نفسها، غير أن الرسائل الأخيرة تعكس، بحسب تقديره، رغبة أميركية في احتواء نقطة توتر قد تنفجر خارج الحسابات.

تحميل المزيد