لم تعد الأزمة السودانية تُدار باعتبارها صراعاً داخلياً بين الجيش وقوات الدعم السريع فحسب، بل باتت ساحة مفتوحة لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي والدولي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وبدأت تتشكل ملامح "تحالفات" إقليمية بين دول ترى في الأزمة السودانية تهديداً مباشراً لمصالحها بالمنطقة.
وفي هذا السياق، يبرز التغير اللافت في الموقف المصري خلال الأسابيع الأخيرة، منذ إعلان القاهرة عن "خطوط حمراء" لا يجب تجاوزها تجاه تطورات الحرب، في خطوة عكست انتقالاً محسوباً من سياسة التحفظ والمراقبة إلى مقاربة أكثر حضوراً وتأثيراً في مسار الأزمة السودانية المستمرة منذ سنوات.
وعقدت مصر لقاءات دبلوماسية وتحركات فاعلة على الأرض في إطار تحالف مصري سعودي تركي أسفر مؤخراً عن إبرام صفقة أسلحة للجيش السوداني من باكستان، في ظل توجه يسعى لتضييق الخناق على الدور الإماراتي، وإزاحة الدعم السريع ودمجه داخل قوات الجيش والشرطة، وصولاً لإيجاد حل سياسي ينهي الحرب.
هل تنجح "تحالفات" مصر في تحجيم دور الإمارات؟
مصدر مصري مطلع، تحدث لـ"عربي بوست" شريطة عدم ذكر اسمه، قال إن مصر اندمجت مؤخراً في موقف موحد تجاه الأزمة السودانية التي يمكن الانطلاق من خلالها لتشكيل تحالفات مماثلة في القرن الأفريقي، وأوضح أن هذه التحالفات ضمت تركيا والسعودية إلى جانب الاستفادة من القدرات العسكرية الباكستانية مع إمكانية انضمامها إلى هذا التحالف بشكل مباشر.
المصدر أشار إلى أن تعقيدات الأزمة السودانية وتأثيراتها على موازين القوى في البحر الأحمر، كانت دافعاً نحو هذا التحرك الذي بدأ بزيارة البرهان إلى كلٍّ من أنقرة والرياض والقاهرة، ثم إعلان القاهرة عن خطوط حمراء والذهاب باتجاه تقديم دعم عسكري للجيش السوداني، ونهايةً بالضغط على الولايات المتحدة لتبني مواقف مؤيدة لإنهاء الحرب.
وأوضح المصدر ذاته أن التحركات الدبلوماسية الحالية ما زالت تسير في إطار "الرباعية الدولية"، لكن يبقى الدور الفاعل لمصر والسعودية إلى جانب الضغط على واشنطن لتبني مواقف أكثر وضوحاً من مسألة وقف الحرب من الأهداف الرئيسية لهذه التحركات المصرية مع "حلفائها".
إذ إن الخطاب الأخير الذي وجهه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن سد النهضة، يقول المصدر المصري، يحمل في خلفياته نتائج مباشرة للتحالف المصري السعودي التركي الذي يزعج الولايات المتحدة، وهو ما ينعكس في توجيه نسخة من الخطاب إلى السعودية والإمارات وإثيوبيا.
فيما أشار إلى أن ذلك يبرهن على أن التحالف الثلاثي نجح مبدئياً في تحجيم دور الإمارات دون استبعادها بشكل كامل، لافتاً إلى أن التحركات التي تجري الآن على المستوى الدبلوماسي تستهدف السير في 4 مسارات متوازية لحل الأزمة السودانية.
وهي مسارات أمنية تتعلق بوقف الحرب ودمج قوات الدعم السريع، إلى جانب المسار الإنساني الذي يتمثل في إدخال المساعدات ونفاذها وإيجاد ممرات آمنة لها، والحل السياسي الذي توقف نتيجة للخلافات بين القوى السياسية السودانية، إلى جانب مسار رابع يتمثل في إعادة الإعمار.
مصدر "عربي بوست" أشار إلى أن الواقع العسكري لا يخدم الجيش السوداني في الوقت الحالي، في ظل وجود حكومة موازية وسيطرة كاملة لقوات الدعم السريع على إقليم دارفور والترويج لإقامة دولة علمانية من جانب تحالف "تأسيس" الذي يشكل حاضنة سياسية للدعم السريع سعياً لكسب تأييد الغرب.
غير أن عدم الاعتراف بهذه الحكومة والمعارضة الدولية الواسعة لها باستثناء إسرائيل والإمارات وإثيوبيا، إلى جانب قدر من التعاطف الأميركي، يشير إلى أن خطط الدعم السريع في طريقها نحو الأفول، خاصة في أعقاب التحولات الأخيرة في الموقف الأميركي، بعد أن أدركت الإدارة الحالية أنه يصعب التعويل على ميليشيات ارتكبت جرائم إبادة بحق المدنيين ومدانة دولياً وإقليمياً.
مبادرة جديدة بحثاً عن حل شامل لأزمة السودان
وتوقع المصدر ذاته إحياء منبر جدة وإحياء المسار الأمني والعسكري الخاص به لدمج قوات الدعم السريع، في إطار الدمج والمعروف باسم "دي بي ار" بشأن نزع السلاح والتسريح وإعادة التوزيع في الجيش والشرطة والمجتمع المدني، وهي وضعية سيجري على أساسها المفاوضات مع الجيش السوداني الذي سيكون أيضاً بحاجة إلى تطويره لكي يصبح جيشاً مهنياً.
كما أن التحركات الأميركية السعودية الأخيرة بشأن الأزمة السودانية، يشير مصدر "عربي بوست"، تتجه نحو الانخراط في طرح مبادرة تفرزها الآلية الرباعية، وأن اجتماع القاهرة التشاوري الأخير كان هدفه توحيد المبادرات وتشكيل مجموعة اتصال دورها المراقبة والمتابعة وضمان تنفيذ المخرجات.
وكانت مصر أكدت حرصها على استمرار العمل في إطار "الرباعية الدولية" التي تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات، للتوصل إلى هدنة إنسانية شاملة في السودان تفضي إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وذلك خلال ترؤسها الاجتماع الخامس لـ"الآلية التشاورية" لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان.
وشارك في الاجتماع ممثلون عن "الرباعية الدولية" بحضور نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، ووزير الدولة في وزارة الخارجية الإماراتية الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للسودان رمطان لعمامرة.
كما عُرف الاجتماع مشاركة ممثلين عن الاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وممثلين عن دول ألمانيا وتركيا والنرويج وقطر وبريطانيا والصين وروسيا وفرنسا والعراق وأنغولا وجيبوتي.
وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن الأزمة السودانية تستدعي تضافر الجهود الدولية والإقليمية للإسراع بوقف نزيف الدماء، مشدداً على خطورة المرحلة الراهنة وما تحمله من تداعيات جسيمة على السلم والأمن الإقليميين، لا سيما في دول الجوار ومنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ما هي تفاصيل مبادرة "الرباعية" لحل الأزمة السودانية؟
تضمنت مبادرة "الرباعية" التي جرى الإعلان عنها في سبتمبر 2025 إقرار هدنة مدتها 3 أشهر بين الفرقاء من أجل توفير المساعدات الإنسانية العاجلة للمتضررين من السكان المدنيين، على أن يتم إطلاق عملية انتقال سياسي سلمي للسلطة لمدة 9 أشهر تُفضي إلى قيام حكومة مدنية شرعية تحصل على ثقة المواطنين السودانيين.
وبحسب مصدر مصري مسؤول، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، فإن انعقاد آلية التشاور في القاهرة جاء بدعوة من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، وكانت التحركات المصرية السعودية الأخيرة دافعاً نحو البحث عن مخرج يقضي بالوصول إلى تفاهمات سياسية والضغط على الجيش والدعم السريع لتغيير مواقفهما تجاه رفض وقف الحرب.
ومن أهم الأسباب التي دفعت اللجنة الرباعية والفاعلين الدوليين للاجتماع بشأن الأزمة السودانية، يقول المصدر، استمرار تمسك مجلس السيادة الانتقالي بشرط يصعب تحقيقه، يتمثل في تسليم قوات الدعم السريع سلاحها قبل التفاوض، في وقت هي تحقق فيه تقدماً عسكرياً على الأرض.
وأوضح أن مصر تنطلق للبحث عن حلول سياسية تتماشى مع تعقيدات الوضع السياسي والعسكري في السودان، بما لا يؤدي في نهاية المطاف إلى تقسيم السودان، وبما يجنب مصر مخاطر الانخراط المباشر في الصراع العسكري، وفي تلك الحالة ستكون التأثيرات أكثر سلبية على الأمن القومي المصري.
هدف مصر: تحجيم الصراع
الهدف بالنسبة إلى مصر، يوضح مصدر "عربي بوست"، هو تحجيم الصراع وليس السماح له بأن يتمدد ويتوسع في نطاق بقاع جغرافية أخرى، مشيراً إلى أن مصر قدمت رسالة مفادها أنه لا حل عسكري للأزمة، لكن في الوقت ذاته فإن الأمر يتطلب أن يكون هناك توازن في القوى على الأرض.
ولفت المتحدث إلى أن اللقاءات التي أجراها الرئيس المصري مع مسؤولين أميركيين خلال الأيام الماضية أكدت على دعم مصر للحلول السياسية، لكنها في الوقت ذاته تضمنت تأكيداً على عدم التماهي المصري مع أي خرق للخطوط الحمراء التي تم وضعها، خاصة وأن وجود قوات الدعم السريع في منطقة المثلث الحدودي يشكل تهديداً داهماً.
كما أن القاهرة تخشى من ارتدادات سلبية للاجئين السودانيين على أراضيها، خاصة وأن عناصر الدعم السريع تحاصر مناطق في إقليم كردفان ذات كثافة سكانية مرتفعة، وهناك مؤشرات على عودة الآلاف من السودانيين الذين عادوا إلى بلادهم ضمن مبادرة "العودة الطوعية" بسبب صعوبة الأوضاع الأمنية هناك، ما يشكل مزيداً من الأعباء على الدولة المصرية.
ولفت إلى أن صفقة الأسلحة الباكستانية التي أبرمها الجيش السوداني مؤخراً تستهدف توفير حماية آمنة للمدن وعدم السماح بوصول الطائرات المسيرة إلى مناطق جرى تطهيرها من قبل، وهو ما يدعم تثبيت من عادوا إلى بلدهم مرة أخرى، وكذلك دفع قوات الدعم السريع نحو التفاوض.
وحسب المصدر ذاته فإن مصر تعمل على توظيف علاقاتها الجيدة مع مختلف الأطراف المهتمة بالأزمة السودانية نحو الوصول إلى تسوية دون توسيع الصراع أو الانخراط فيه بشكل مباشر.
ضرورة وجود "محور عربي إسلامي"
بحسب محلل سياسي مصري قريب من الحكومة، فإن ما يحدث في الصومال والسودان وما يحدث في اليمن يتطلب محوراً عربياً إسلامياً يواجه محاور دعم الحكومات الموازية والميليشيات الخارجة عن مؤسسات الدولة، وهو محور إسرائيلي إثيوبي إماراتي يواجه تعاطفاً من جانب واشنطن، موقفها لكن فيه قدر من الحذر في أن يبقى داعماً للحكومات الموازية بشكل مباشر.
كما أشار المحلل السياسي في حديثه لـ"عربي بوست" إلى أن أهداف تفتيت الدول تلقى معارضة دولية واسعة، وهو ما يجعل هناك حراكاً في الوقت الحالي على مستوى لملمة أزمات القرن الأفريقي التي تهدد المصالح الأميركية، وهو تغير حدث بعد أن أبدت مصر مزيداً من الانخراط في الأزمة السودانية عبر الخطوط الحمراء، وكذلك مع الدعم العسكري لمقديشو وإريتريا وجيبوتي، وهي تحركات مدعومة سعودياً وتركياً.
وكان عبد الفتاح البرهان قرر السبت 17 يناير 2026 إعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والسعودية، وفي سياق متصل وافقت باكستان على بيع أسلحة إلى الجيش السوداني بقيمة تُقدر بنحو 1.5 مليار دولار، في صفقة وُصفت بأنها الأضخم منذ اندلاع الحرب في البلاد.
وبحسب ما نقلته وكالة "رويترز"، تشمل الصفقة المرتقبة حصول الجيش السوداني على طائرات هجومية خفيفة، وطائرات مسيّرة مخصصة للاستطلاع والهجوم، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متطورة، إضافة إلى 10 طائرات من طراز "كاراكورام-8″، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة، وطائرات تدريب من طراز "سوبر مشاق"، مع احتمال إدراج مقاتلات من طراز "جيه إف – 7" ضمن الاتفاق.