نظرة أعمق: هل يمهّد اتفاق الغاز بين مصر وسوريا لتقارب سياسي استراتيجي بين البلدين؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/12 الساعة 15:45 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/12 الساعة 15:46 بتوقيت غرينتش
اتفاق اقتصادي بين مصر وسوريا، فهل يتطور لعلاقات استراتيجية؟ عربي بوست

فتحت مذكرتا التفاهم اللتان وقّعتهما مصر وسوريا بشأن توريد الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية بابًا واسعًا للتساؤلات حول ما إذا كان هذا المسار سيتوقف عند حدوده الاقتصادية، أم أنه يشكّل مدخلًا لتقارب سياسي أوسع بين القاهرة ودمشق بعد سنوات من الفتور الحذر.

بحسب مصادر مطلعة، لا يمكن فصل الاتفاق بين مصر وسوريا عن تحولات أعمق في مقاربة القاهرة للملف السوري منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة، وسط انفتاح مشروط تحكمه اعتبارات أمنية وسياسية دقيقة. فمصر ترى في التعاون الطاقي فرصة لدعم استقرار سوريا، دون تجاوز ملفات عالقة تتعلق بالتنسيق الأمني وتسليم مطلوبين.

ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه القاهرة إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي لتداول الغاز، مستفيدة من بنيتها التحتية وشبكة علاقاتها في المنطقة. وبينما تُقدَّم مذكرات التفاهم كخطوة تقنية لتأمين احتياجات الطاقة السورية، فإنها تحمل مؤشرات على استخدام الغاز كأداة دبلوماسية قد تمهّد لتقارب تدريجي بين مصر وسوريا.

خلفيات ورهانات اتفاق الغاز بين مصر وسوريا

مصدر مصري مطلع قال لـ"عربي بوست" إن مذكرات التفاهم بين وزارتي البترول والطاقة في البلدين لديها خلفيات سياسية، فهناك تحول مصري في العلاقة مع دمشق، جاء على خلفية تفاهمات أخرى بين مصر والسعودية وتركيا، في ظل مساعي تأسيس تحالف ثلاثي لمواجهة الأخطار التي تُهدد البلدان الثلاثة، في ظل الأطماع التوسعية الإسرائيلية.

المصدر، الذي صرّح للموقع شريطة عدم ذكر اسمه، أشار إلى أن اتفاق تصدير الغاز الأخير بين مصر وسوريا يدعم استقرار دمشق، التي تعاني مشكلات في الطاقة والكهرباء، وهناك رغبة عربية وأمريكية أيضًا في أن يعود الاستقرار إلى سوريا سريعًا.

غير أن المتحدث أشار إلى أن الاتفاق بين مصر وسوريا يمكن أن يبقى في إطاره التجاري البحت إذا لم يكن هناك تعاون سوري مع مصر في ملفات أمنية أخرى، بينها ملف تسليم المطلوبين لدى القاهرة ومن صدرت بحقهم أحكام قضائية، بخاصة أن مصر سبق وتقدّمت بقائمة من المطلوبين.

بحسب المتحدث، فإن مصر تنفتح على التقارب مع الحكومة الحالية، ولديها مصلحة في أن تبقى سوريا موحّدة، بعيدًا عن خطط التقسيم التي تسعى إليها إسرائيل وقوى أطراف معادية، وبالتالي فإنها تعمل على تقديم مبادرات حسن نوايا، خاصة بعد حضور الرئيس السوري القمة العربية في القاهرة، كما أن الاتصالات لم تتوقف بين وزيري خارجية البلدين.

وذكر المصدر ذاته أن مصر لا تقف عند الاختلافات الأيديولوجية، وتركز على علاقاتها مع الدول التي تشكل ركيزة لاستقرار المنطقة، وبالتالي فإن إحراز تقدم على المستوى السياسي مع دمشق متوقع، بخاصة أن القاهرة لديها مشكلات أكبر تسعى لمواجهتها، بينها التهديدات الإسرائيلية وأزمة السودان وتعقيدات حرب غزة، وستكون بحاجة إلى تقارب مع دول إسلامية مهمة في المنطقة.

ولفت المصدر ذاته إلى أن مصر تنظر إلى خطوتها الأخيرة مع سوريا على أنها بادرة إيجابية بانتظار أخرى من الحكومة السورية، وفي تلك الحالة يمكن دعم مسار التقارب على نحو أسرع من السابق، مشيرًا إلى أن اللقاءات التي يعقدها وزيري خارجية البلدين تتطرق إلى هذه الملفات.

وفي حال حدوث تقدم، تحديدًا على مستوى ضمان عدم تهديد الأمن القومي المصري من جانب عناصر متطرفة أو سبق أن صدرت بحقها أحكام قضائية في مصر، فإن ذلك سيكون دافعًا لمزيد من أطر التعاون، إلى أن تصل إلى حد مناسب من العلاقات، بعيدًا عن وصف "معقول" الذي استخدمه الرئيس السوري عند حديثه عن شكل العلاقات مع مصر.

سياسة القاهرة: الانفتاح والحذر

بحسب مصدر دبلوماسي مصري، فإن القاهرة تتبنى سياسة مع سوريا تقوم على الانفتاح والحذر في آن واحد، بمعنى أنها ليس لديها مانع من إحراز تقدم على مستويات ملفات مختلفة، معظمها اقتصادي في الوقت الحالي، وانتظار ما يمكن أن تسفر عنه سياسيًا وأمنيًا على الناحية الأخرى.

المصدر الدبلوماسي أشار إلى أن اعتبارات الأمن القومي المصري والسياسة الخارجية القائمة على تنويع المصالح والانفتاح على دول الإقليم، تجعل هناك تقاربًا ملموسًا خلال هذا العام مع سوريا، دون الحديث عن قطيعة كاملة أو تطبيع كامل، مشيرًا إلى أن مذكرة التفاهم الأخيرة يمكن أن تبقى تطبيعًا غير مباشر.

كما أن التواصل بين مصر وسوريا لم يتوقف، رغم عدم وجود تقدم ملحوظ على مستوى تحسين العلاقات، وهذا التواصل يركز بشكل رئيسي على تقديم الدعم إلى سوريا للحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها ورفض تفكيك الدولة، لكنه تواصل لم يصل بعد إلى مستوى الشراكة السياسية أو التنسيق الاستراتيجي الكامل.

وهو أمر مفهوم، يقول المصدر الدبلوماسي، موضحًا أنه يأتي في ظل استمرار التعقيدات الأمنية والسياسية داخل سوريا، وتشابك علاقاتها الإقليمية والدولية، والقاهرة تدرك أن هناك ملفات عديدة أمام السلطة الحالية سيكون عليها إنجازها بما يحافظ على حالة من الاستقرار الداخلي.

وأشار إلى أن مصر لديها رغبة في تطوير مجالات التعاون ذات الصلة بالأمن القومي المصري، وفي مقدمتها ملف اللاجئين السوريين وضمان عدم تسلل عناصر خطرة يمكن أن تصل مجددًا إلى مصر، في ظل حالة عدم اليقين الحالية بشأن الوصول إلى الاستقرار الكامل هناك.

وهو ما يجعل هناك مساعي مصرية لتثبيت الاستقرار وتقديم أطر الدعم التي تساعد على ذلك، بما في ذلك تصدير الغاز والمنتجات البترولية، لافتًا إلى أن تعزيز منطق الدولة داخل سوريا وقدرة السلطة الحالية على نشر الأمن وتحجيم جهات من شأنها زعزعة الاستقرار تتصدر أولويات الأمن القومي المصري.

لقاء السيسي والشرع على هامش القمة العربية الطارئة
لقاء السيسي والشرع على هامش القمة العربية الطارئة

وفق المصدر الدبلوماسي المصري، فإن ما يعطّل وصول العلاقات الثنائية بين مصر وسوريا إلى "المثالية" هو التشوش والبطء اللذان يحاصران مسار الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، فضلًا عن علاقة الدولة السورية ببعض القوى الإقليمية والدولية.

وتوقع المصدر ذاته أن يشهد هذا العام تثبيتًا للعلاقات، انطلاقًا من التعاون الاقتصادي والتجاري الذي تم تدشينه عبر مذكرتي تفاهم تصدير الغاز والمنتجات البترولية، إلى جانب مساهمة مصر في إعادة بناء البنية التحتية للطاقة في سوريا، على أن يكون هذا التثبيت وفق مراحل متدرجة وصولًا إلى شراكة متوازنة ومستدامة.

كما أشار إلى أن الاتصالات المستمرة على مستوى وزراء الخارجية تُبرهن على أن القاهرة ماضية في أن يكون التقارب أكثر سرعة من ذي قبل، بخاصة أن ذلك يدعم الخطط المصرية الساعية لأن تكون القاهرة نقطة لوجستية للغاز الطبيعي في المنطقة، عبر تسييل الغاز وإرساله إلى سوريا وأيضًا إلى لبنان، في ظل حاجة سوريا للغاز، وذلك في إطار حرص مصر على تعزيز التعاون الإقليمي في قطاع الطاقة.

مصر ودبلوماسية الطاقة

قبل أسبوع من توقيع مذكرتي التفاهم بين مصر وسوريا، وقّع لبنان مع القاهرة مذكرة تفاهم لتلبية احتياجاته من الغاز الطبيعي من أجل توليد الطاقة الكهربائية، في خطوة استراتيجية تستهدف تعزيز مسار التعاون العربي في قطاع الطاقة، ودعم استقرار إنتاج الكهرباء لدى بيروت، التي تواجه أزمة ممتدة منذ سنوات طويلة.

ومن شأن الاتفاقية أن تسهم في رفع كفاءة توليد الكهرباء في لبنان، بالإضافة إلى تحسين وزيادة عدد ساعات التغذية، بما يؤدي إلى دعم الشبكة الوطنية في مواجهة الطلب المتزايد. وتأتي الصفقة امتدادًا للعلاقات التاريخية بين البلدين، واستكمالًا لنتائج الزيارة الأخيرة لرئيس مجلس الوزراء المصري إلى بيروت.

ويؤكد الخبراء أن نجاح المشروع قد يشكل نموذجًا للتعاون الإقليمي، ويتيح فرصًا لاحقة للربط الكهربائي وتبادل الطاقة بين مصر ولبنان وسوريا وربما دول الجوار. كما وقّعت مصر وقطر، في الدوحة، مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مجالات الطاقة، وفي مقدمتها مبيعات واستيراد الغاز الطبيعي المُسال.

وقال مصدر مطلع بوزارة البترول المصرية إن مصر في طريقها نحو استقبال الغاز القبرصي بعد إتمام صفقة الغاز مع إسرائيل، ومؤخرًا أبرمت صفقة مماثلة مع الجانب القطري، إلى جانب التوسعات في الاكتشافات لزيادة قدرة الإنتاج المحلي وتنوع سبل الحصول على الغاز.

وبالتالي فإنه أضحى ممكنًا الاستفادة من البنية التحتية المصرية، ممثلة في محطات الإسالة في إدكو ودمياط، لتصدير الغاز وتحقيق استفادة عبر تنويع مصادر العملة الصعبة، مع وجود خطط مصرية لتحقيق الاكتفاء المحلي من الاكتشافات الحالية، والتي يمكن أن تأتي بمردود خلال هذا العام، وفق ما صرّح به المصدر.

وأكد المصدر ذاته أن عقبات تصدير الغاز من مصر إلى لبنان وسوريا لم يعد لها وجود الآن، مشيرًا إلى القيود الدولية التي كانت سابقًا، وأن مصر ستقوم بإصلاح خط الغاز العربي، الذي يمتد من العريش في شمال سيناء إلى العقبة في الأردن، ثم دير الزور في سوريا وطرابلس في شمال لبنان.

وأشار المصدر بوزارة البترول المصرية، في تصريح لـ"عربي بوست"، إلى أن مذكرة التفاهم مع سوريا تسير في هذا الاتجاه، مع إمكانية مد هذا الخط لنحو 60 كيلومترًا إضافية ليصل إلى تركيا، موضحًا أن مصر تلقت أيضًا تطمينات أمنية من الحكومة السورية بشأن تأمين خط الغاز في دير الزور وحمص.

وتعتمد مصر على استراتيجية تهدف من خلالها إلى التحول إلى مركز إقليمي للطاقة واستغلال بنيتها التحتية في الإسالة، وهو ما يمكن وصفه بدبلوماسية الطاقة التي قد تجني مكاسب أخرى في ملفات مختلفة، إلى جانب الاستفادة من شبكة داخلية يزيد طولها على 26 ألف كيلومتر، وتغطي أكثر من 28 محافظة، وهو ما يعكس حجم السوق المصري وقدرته على التعامل مع كميات كبيرة من الغاز.

تحميل المزيد