تفاصيل أكثر: تفاصيل ما دار في المفاوضات الأخيرة بين سوريا وإسرائيل، والدور الذي لعبته قوى عربية وإقليمية

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/07 الساعة 10:48 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/07 الساعة 10:48 بتوقيت غرينتش
المفاوضات بين سوريا وإسرائيل ستستمر في باريس لجولات أخرى/ عربي بوست

لم تعد المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، التي تحتضنها باريس، مجرّد جولات تقنية تُدار بهدوء خلف الأبواب المغلقة، بل تحوّلت إلى اختبار إقليمي واسع لإعادة ضبط واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الشرق الأوسط. ففي لحظة إقليمية مزدحمة بالضغوط، جاء انعقاد الجولة الأخيرة ليعكس انتقال الملف السوري–الإسرائيلي من هامش الاشتباك المحدود إلى صدارة الحسابات السياسية والأمنية.

بعيدًا عن الصورة التقليدية لمسار تفاوضي بطيء ومفتوح، تكشف معطيات دبلوماسية أن ما جرى في باريس كان ثمرة مسار سياسي متكامل، تداخلت فيه ضغوط عربية وتركية منسّقة على واشنطن، مع رغبة أميركية متصاعدة في إنهاء حالة الاستنزاف في جنوب سوريا، الذي بات نقطة تهديد مباشر لأي مشروع استقرار إقليمي أو إعادة ترتيب للنفوذ.

في هذا السياق، برزت باريس كمنصة اختبار لجدّية الأطراف، ليس فقط من خلال مضمون النقاشات، بل أيضًا عبر التغييرات التي طالت تركيبة الوفد الإسرائيلي، والدور الأميركي المتصاعد، والحضور الإقليمي على هامش المفاوضات. فاستبدال رئيس الوفد الإسرائيلي، ورفع مستوى التمثيل الأمني، ودخول البيت الأبيض بثقله السياسي، كلها مؤشرات على أن المسار تجاوز مرحلة المناورة إلى لحظة قرار.

ضغوط عربية ومواكبة المفاوضات بين سوريا وإسرائيل

كشف مصدر دبلوماسي عربي مطّلع لـ"عربي بوست" أن جولات المفاوضات السورية–الإسرائيلية التي عُقدت في باريس يومي 5 و6 يناير لم تكن لقاءات تقنية عابرة، بل جاءت نتيجة مسار سياسي إقليمي متكامل، تخللته ضغوط عربية وتركية منسّقة على الإدارة الأميركية، للدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب يضع حدًا لحالة الاستنزاف الميداني والسياسي المستمرة في جنوب سوريا، ويحدّ من استمرار إسرائيل في عرقلة مسار الاستقرار السوري.

وبحسب المصدر، فإن عددًا من الدول العربية، إلى جانب تركيا، أبلغت واشنطن بوضوح أن استمرار الوضع القائم في الجنوب السوري لم يعد قابلًا للاحتواء، وأن "ترك المنطقة مفتوحة على الفوضى والاشتباكات المحدودة والمشاريع الانفصالية سيقوّض أي محاولة لإعادة الاستقرار إلى سوريا أو ضبط التوازنات الإقليمية". وهذه الضغوط لم تبقَ في الإطار السياسي النظري، بل رافقها حضور إقليمي مباشر على هامش جولات باريس.

وأكد مصدر "عربي بوست" أن المفاوضات جرت بمواكبة تركية–سعودية مباشرة، حيث وصل إلى باريس وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في توقيت متزامن مع جولات التفاوض، فيما حضر أيضًا مسؤول سعودي رفيع المستوى، في إطار تنسيق غير معلن هدفه تأمين مظلة إقليمية داعمة للمسار الأميركي، وضمان عدم انحراف المفاوضات نحو ترتيبات تُعيد إنتاج الفوضى أو التقسيم في جنوب سوريا.

ولم يكن الدور التركي–السعودي تدخليًا في تفاصيل المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، بل انحصر في ضبط الإيقاع السياسي الإقليمي، والتأكيد أن أي تفاهم أمني يجب أن يخدم استقرار الدولة السورية، لا فتح مسارات نفوذ جديدة أو تكريس مناطق خارجة عن السيطرة، وفق ما أوضحه مصدر "عربي بوست".

مدرعة إسرائيلية على الحدود بين الجولان المحتل والأراضي السورية/ رويترز
مدرعة إسرائيلية على الحدود بين الجولان المحتل والأراضي السورية/ رويترز

عدم جدية رئيس الوفد الإسرائيلي السابق يُقلق دمشق

في هذا السياق، نقل الجانب السوري إلى الإدارة الأميركية، عبر المبعوث الأميركي الخاص توماس باراك، ملاحظات حادة تتعلق بأداء رئيس الوفد الإسرائيلي السابق رون ديرمر، معتبرًا أنه لم يُبدِ جدّية حقيقية في مسار المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، وتعامل مع الجولات السابقة بوصفها مساحة مناورة سياسية، من خلال الانقلاب المتكرر على تفاهمات شفهية تم التوصل إليها، ما أدى عمليًا إلى تعطيل أي فرصة لاتفاق.

ويشير المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست"، شريطة عدم ذكر اسمه، إلى أن هذا التوصيف السوري لاقى صدى داخل الإدارة الأميركية، التي كانت قد سجّلت بدورها ملاحظات مشابهة حول إدارة ديرمر للملف بما يخدم حسابات داخلية إسرائيلية أكثر مما يخدم هدف الوصول إلى تفاهم مستقر.

ومارس توماس باراك ضغوطًا مباشرة باتجاه تغيير رئيس الوفد الإسرائيلي، يقول مصدر "عربي بوست"، قبل أن ينتقل هذا الضغط إلى مستوى أعلى مع دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الخط خلال تواصله مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وعلى أثر ذلك، جرى تكليف يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، برئاسة الوفد الإسرائيلي، بمشاركة اللواء رومان جوفمان، السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، إضافة إلى ممثلين رفيعي المستوى عن جهازي الشاباك والموساد، في خطوة فسّرها المصدر على أنها محاولة جدّية لإخراج المفاوضات من الحسابات السياسية الضيقة ووضعها في عهدة المؤسسة الأمنية.

رسالة مباشرة من واشنطن إلى سوريا

ويكشف المصدر أن الإدارة الأميركية أوفدت إلى دمشق الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، الذي أبلغ الوفود أن الرئيس ترامب قرر رفع مستوى الانخراط الأميركي في هذا المسار، من خلال تكليف ستيف ويتكوف بمتابعة الملف السوري–الإسرائيلي مباشرة، بهدف الانتقال من إدارة تفاوض مفتوح إلى محاولة إنتاج تفاهم فعلي.

ويؤكد المصدر أن ترامب كان قد مارس، خلال لقائه مع نتنياهو في أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2025، ضغوطًا كبيرة لإقناعه بضرورة التوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق، مع طرح تصور أولي لإمكانية البناء لاحقًا على هذا الاتفاق عبر مقاربات اقتصادية محدودة أو غير معلنة، في حال توافرت الشروط السياسية والأمنية.

ما دار في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل

دخل الوفد السوري المفاوضات بسقف مطالب واضح، شمل انسحابًا إسرائيليًا من كل الأرض السورية، مع الانسحاب التدريجي إلى حدود جبل الشيخ في المرحلة الأولى، ووقف أي دعم لمشاريع انفصالية في السويداء ومناطق الجنوب السوري، ووقف تدريب أو دعم عناصر من قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى وقف أي تواصل أو تنسيق مع فلول النظام السوري السابق.

كما شدد الجانب السوري على رفض أي صيغة موسعة لمنطقة منزوعة السلاح، وعلى رفض تقليص السيادة السورية عبر قواعد أجنبية أو إدخال تقنيات عسكرية متطورة إلى دمشق من أطراف عربية أو إقليمية، بما في ذلك تركيا، مع التأكيد أن أي تفاهم أمني يجب أن يقوم على مبدأ السيادة الكاملة.

وبحسب المصدر الدبلوماسي العربي، فإن مداولات النقاش في الجلسات المغلقة دخلت في تفاصيل تقنية–سياسية دقيقة، تجاوزت العناوين العامة، وتركزت على إعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، مع بحث تعديلات عملية تأخذ في الاعتبار التحولات الميدانية التي شهدتها سوريا منذ عام 2011.

ونوقشت خرائط انتشار القوات، وآليات الرقابة، ودور الأمم المتحدة، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من نقاط متقدمة في الجنوب، وخصوصًا في محيط جبل الشيخ. وشدد الوفد السوري على أن أي صيغة لا تتضمن انسحابًا واضحًا ومحددًا زمنيًا ستكون مرفوضة.

قوات أمريكية في سوريا
قوات أمريكية في سوريا

كما حضرت بقوة مسألة السويداء وجنوب سوريا، حيث طالب الجانب السوري بوقف أي تواصل إسرائيلي مباشر أو غير مباشر مع مجموعات محلية، واعتبر استخدام ورقة الحماية أو الانفصال خطًا أحمر لا يمكن فصله عن الأمن القومي السوري. وفي المقابل، حاول الجانب الإسرائيلي ربط هذه المسألة بما سماه "ضمانات أمنية طويلة الأمد"، من دون تقديم التزامات مكتوبة.

وتناول النقاش كذلك ملف قوات سوريا الديمقراطية، حيث قدم الجانب السوري اعتراضًا مباشرًا على أي دعم أو تدريب أو قنوات تواصل معها، وربط هذا الملف بوقف أي استخدام لفلول النظام السابق كورقة ضغط داخلية. وبحسب المصدر، أبدى الجانب الإسرائيلي استعدادًا لمراجعة مقارباته السابقة ضمن سلة تفاهمات أوسع.

كما طُرح ملف النفوذ الإقليمي في سوريا، حيث شددت دمشق على رفض تحويل الاتفاق الأمني إلى مدخل لإعادة توزيع النفوذ أو فرض وقائع جديدة، وهو ما نوقش مطولًا في ظل المواكبة التركية–السعودية للمسار.

ويشير المصدر إلى أن حضور ستيف ويتكوف في اليوم الثاني من المفاوضات غيّر نبرة الجلسات، إذ انتقلت من تبادل مواقف عامة إلى نقاش سيناريوهات تنفيذية، تتعلق بتدرج الخطوات، وضمانات الالتزام، وآليات المتابعة الأميركية، مع تأكيد أن ترامب يريد اتفاقًا قابلًا للتنفيذ، لا تفاوضًا مفتوحًا بلا أفق.

كيف كان تعاطي إسرائيل مع المفاوضات؟

في إطار متصل، يشير مصدر دبلوماسي فرنسي لـ"عربي بوست" إلى أن الجانب الإسرائيلي أبدى مرونة لافتة خلال المفاوضات بين سوريا وإسرائيل في باريس، خصوصًا بعد دخول ويتكوف على الخط.

وتشير تقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى أن التوصل إلى اتفاق مع سوريا يخدم المصلحة الاستراتيجية لإسرائيل على المدى المتوسط، لأنه يفرض إعادة تموضع سورية مستقبلية ضمن معادلات أكثر قابلية للضبط، بخلاف رهانات بنيامين نتنياهو السياسية التي تميل إلى إدارة الصراع بدل حسمه.

ووفق المصدر الدبلوماسي الفرنسي، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبلغ زعماء عربًا وغربيين رغبته بتوقيع سوريا وإسرائيل اتفاقًا قبل منتصف الشهر الحالي، وأنه يسعى بكل ما أوتي من قوة لتحقيق ذلك.

واختُتمت الجولة الأخيرة من المفاوضات بين سوريا وإسرائيل بإنشاء خلية اتصال لتبادل معلومات استخباراتية وخفض التصعيد العسكري. وقال بيان مشترك إسرائيلي سوري أصدرته الخارجية الأميركية إن مسؤولين كبارًا من إسرائيل وسوريا التقوا في باريس، وأكدوا خلال اللقاء التزامهما بالتوصل إلى ترتيبات دائمة لأمن واستقرار البلدين.

وأضاف البيان المشترك أن قيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أتاحت مناقشات مثمرة بشأن احترام سيادة سوريا وأمن إسرائيل. وكشف البيان عن إنشاء آلية دمج مشتركة كخلية اتصال للتنسيق الفوري الاستخباراتي وخفض التصعيد، كما تتضمن الآلية المشتركة الانخراط الدبلوماسي والتجاري بإشراف أميركي.

وأشار البيان إلى أن الآلية المشتركة السورية–الإسرائيلية ستكون منصة لمعالجة أي خلافات بسرعة. وقال البيان إن واشنطن تثمن الخطوات الإيجابية بين سوريا وإسرائيل وتؤكد التزامها بدعم تنفيذها، وإن لقاء باريس يشير إلى عزم سوريا وإسرائيل على فتح صفحة جديدة.

تحميل المزيد