حصري: خلافات حول السيادة والنفط وراء تعثر مفاوضات الحكومة السورية وقسد

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/06 الساعة 06:41 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/06 الساعة 08:23 بتوقيت غرينتش
حصري: خلافات حول السيادة والنفط وراء تعثر مفاوضات الحكومة السورية وقسد

في سياق الجهود المستمرة لتوحيد السيطرة على الأراضي السورية بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، فشلت جولة المفاوضات التي استضافتها العاصمة دمشق يوم الأحد 4 يناير/كانون الثاني 2026 بين الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مظلوم عبدي، وذلك بعد ساعات من النقاشات التي لم تفضِ إلى أي تقدم ملموس.

وبحسب مصادر متطابقة من الجيش السوري و"قسد"، إضافة إلى مصادر قريبة من مظلوم عبدي، جاءت هذه الجولة في إطار محاولة متابعة تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025، الذي كان يُنظر إليه بوصفه خطوة محورية نحو دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة المركزية، إلا أن المفاوضات انتهت إلى طريق مسدود بسبب خلافات عميقة في ملفين رئيسيين، هما: آلية دمج قوات "قسد" ضمن الجيش السوري، وإدارة عائدات النفط في مناطق شمال شرق البلاد.

رواية الجيش السوري: فشل بسبب تعنت قيادة قسد

كشف مصدر سوري مطّلع داخل الجيش السوري عن فشل المفاوضات السورية–السورية التي جرت في دمشق بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية"، رغم ضغوط أمريكية مكثفة مارَسَتها الولايات المتحدة على قيادة "قسد" لدفعها إلى الجلوس على طاولة التفاوض. وبحسب المصدر، فإن أسباب الفشل لا تعود إلى غياب الرغبة لدى دمشق، بل إلى ما وصفه بـ"تعنت" قائد "قسد" مظلوم عبدي، الذي تعامل مع مسار التفاوض بأجندة بعيدة عن منطق التفاهم السياسي والدستوري مع الدولة السورية.

وأوضح المصدر أن الحكومة السورية أبدت منذ البداية رغبة واضحة في التوصل إلى صيغة تفاهم مرضية بشأن ملف شمال شرق سوريا، تراعي تعقيدات الواقع الميداني وتضمن في الوقت نفسه وحدة البلاد وسيادتها. إلا أن مظلوم عبدي، وفق المصدر، لم يُبدِ استعدادًا حقيقيًا للتجاوب مع هذه الرغبة، بل تمسّك بمطالب اعتبرتها دمشق خارجة عن إطار الدولة المركزية، ومتصادمة مع مبدأ السيادة الكاملة على الأراضي السورية.

وبيّن المصدر أن الخلافات الأساسية خلال المفاوضات تركزت حول ملفين رئيسيين: ملف اندماج قوات "قسد" ضمن الجيش السوري، وملف النفط وإدارته وعائداته. ورغم حساسية هذين الملفين، أكد المصدر أنه كان بالإمكان التوصل إلى تفاهم بشأنهما، لا سيما في ظل وجود الولايات المتحدة كراعٍ لمسار التفاوض وضامن محتمل لأي اتفاق. غير أن مظلوم عبدي، بحسب الرواية السورية، رفض مقترحات الحكومة، وأغلق الباب أمام أي تسوية وسط.

وفيما يخص ملف الاندماج، شدد المصدر على أن موقف الحكومة السورية ينطلق من مبدأ واضح لا يقبل المساومة، وهو أن الدولة يجب أن تتمتع بسيادة كاملة ونفوذ كامل على أراضيها، وألا ينازعها أي طرف آخر في هذا الحق. وأشار إلى أن دمشق قدمت – وفق توصيفه – "مقترحًا جيدًا" بشأن آلية اندماج قوات "قسد" ضمن الجيش السوري، بما يضمن استعادة الدولة لسلطتها العسكرية والأمنية. إلا أن مظلوم عبدي رفض هذا الطرح، مطالبًا – بحسب المصدر – بصيغة تمنحه لامركزية واسعة في مناطق شمال شرق سوريا، وتبقي الجيش السوري خارج هذه المناطق بشكل شبه كامل، وهو ما اعتبرته الحكومة السورية مرفوضًا جملة وتفصيلًا.

ولفت المصدر إلى أن دمشق ترى أن دخول الجيش السوري إلى هذه المناطق يجب أن يكون الخطوة الأولى والطبيعية، على أن يُبحث لاحقًا وضع عناصر "قسد" ضمن تصور وطني جامع. أما في ملف النفط، فقد وصف المصدر الخلاف بأنه لا يقل حدة وخطورة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تواجهها الحكومة السورية، والحاجة الملحّة إلى موارد لإعادة الإعمار وضبط المالية العامة.

وأكد المصدر أن الحكومة ترى ضرورة أن تخضع عائدات النفط السوري لرقابة مؤسسات الدولة كافة، وأن تُنفق بشكل عادل ومتوازن على جميع المحافظات السورية، باعتبارها ثروة وطنية لا تخص منطقة أو طرفًا بعينه. غير أن مظلوم عبدي، بحسب المصدر، طالب بالاستئثار بنصف عائدات النفط في مناطق شمال شرق سوريا، وهو مطلب قالت دمشق إنها لم تستطع تفهمه أو القبول به، لما يحمله من تكريس للانقسام الاقتصادي والسياسي داخل البلاد.

وبحسب المصدر نفسه، فإن فشل المفاوضات يعكس فجوة عميقة بين رؤية الحكومة السورية القائمة على استعادة الدولة المركزية لوظائفها السيادية، ورؤية قيادة "قسد" التي تسعى إلى تثبيت أمر واقع سياسي واقتصادي وعسكري مستقل نسبيًا عن دمشق، حتى في ظل الرعاية والضغط الأمريكيين.

رواية قسد: دمشق تراجعت عن تفاهمات سابقة

في المقابل، أكدت مصادر داخل "قوات سوريا الديمقراطية" ومصادر قريبة من مظلوم عبدي أن فشل مفاوضات دمشق يعود إلى ما وصفته بتراجع الحكومة السورية عن تفاهمات تم التوصل إليها في جولات سابقة. وأوضح مصدر مقرب من عبدي أن الزيارة إلى دمشق لم تكن اختيارية، بل جاءت تحت ضغط أمريكي مباشر، خاصة مع انتهاء مهلة اتفاق 10 مارس 2025 بنهاية العام الماضي، ما فرض على الطرفين العودة إلى طاولة المفاوضات مع بداية 2026.

وأشار المصدر إلى أن اتفاق 10 مارس 2025 جاء عقب لقاء تاريخي جمع الرئيس أحمد الشرع بمظلوم عبدي، ونصّ على دمج الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع الحفاظ على خصوصية إدارية وأمنية للمنطقة. وشمل الاتفاق بنودًا أساسية مثل فتح المعابر الحدودية، وإعادة تشغيل المطارات، وإدارة مشتركة لحقول النفط والغاز، مع التأكيد الصريح على وحدة الأراضي السورية.

غير أن الفترة التي تلت الاتفاق شهدت – بحسب مصادر "قسد" – تصعيدًا ميدانيًا تمثّل في اشتباكات متكررة بين قوات "قسد" وقوات الحكومة السورية في نقاط التماس. ورغم أن هذه الاشتباكات لم تكن واسعة النطاق، فإن تكرارها أدى إلى خسائر بشرية محدودة، وأسهم في تعميق فجوة الثقة بين الطرفين، وخلق مناخ سلبي سبق جولة مفاوضات يناير.

وأكد مصدر مقرب من عبدي أن "قسد" كانت تفضّل تأجيل المفاوضات إلى حين تهدئة الأوضاع الميدانية، إلا أن الضغط الأمريكي أجبرها على الذهاب إلى دمشق، في ظل قناعة واشنطن بأن تنفيذ الاتفاق يشكل عنصر استقرار ضروري في مواجهة بقايا تنظيم "داعش" والجماعات المتطرفة الأخرى.

تفاصيل المفاوضات: اللقاء الرئاسي لم يمنع الفشل

بدأت المفاوضات يوم 4 يناير بلقاء مباشر بين مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع، قبل انطلاق الجلسات الرسمية مع لجان التفاوض. وأكد مصدر سوري رسمي أن هذا اللقاء عكس رغبة دمشق في إظهار الجدية السياسية، إلا أنه لم يكن كافيًا لمنع انهيار المفاوضات لاحقًا. في المقابل، رأت مصادر "قسد" أن هذا اللقاء جاء في إطار الضغط السياسي الذي مورس على عبدي أكثر مما كان تعبيرًا عن شراكة متكافئة.

وخلال الجلسات، تصدّر ملف الدمج العسكري جدول الأعمال. ووفقًا للمصادر القريبة من عبدي، كانت هناك تفاهمات سابقة تقضي بتشكيل ثلاث فرق عسكرية تابعة للجيش السوري لكنها مكوّنة من عناصر "قسد"، وتبقى متمركزة في شمال شرق سوريا. كما شملت التفاهمات دمج قوات "الأسايش" ضمن وزارة الداخلية، مع بقائها في مناطقها دون دخول قوات جديدة من الجيش أو الأمن العام.

كما نصّت التفاهمات السابقة على تشكيل قوات خاصة لمكافحة تنظيم "داعش"، تحصل "قسد" على ثلث عناصرها، بما يضمن استمرار دورها الأمني والعسكري في مكافحة الإرهاب. إلا أن هذه الصيغة، بحسب المصادر، سقطت خلال مفاوضات يناير، بعد أن طالبت الحكومة السورية بدخول الجيش السوري مباشرة إلى مناطق شمال شرق البلاد.

النفط… العقدة الاقتصادية والسياسية

أما الملف الثاني فكان ملف النفط، الذي يشكّل جوهر الصراع الاقتصادي بين الطرفين. وتسيطر "قسد" على مناطق تضم أهم حقول النفط والغاز في سوريا، وكانت التفاهمات السابقة تنص على توزيع العائدات بنسبة 50% للحكومة السورية و50% لشمال شرق سوريا، بما يضمن تمويل الإدارة المحلية.

لكن خلال المفاوضات الأخيرة، طالبت الحكومة السورية بالإشراف الكامل على الإنتاج والتوزيع والعائدات، وهو ما اعتبرته "قسد" انتهاكًا صريحًا للاتفاقات السابقة، وتهديدًا مباشرًا لمصادر تمويلها. وترى مصادر قسد أن هذا التحول يعكس حاجة الحكومة الماسة إلى الموارد في مرحلة إعادة الإعمار، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تهميش الإدارة الذاتية اقتصاديًا وسياسيًا.

في ظل فشل المفاوضات، تعالت أصوات داخل "قسد" تدعو إلى وقف مسار التفاوض مع دمشق. ومن بين هذه الأصوات عضو لجنة التفاوض سيبان حمو، الذي يرى أن المفاوضات باتت بلا جدوى في ظل غياب الثقة واستمرار التراجع عن التفاهمات السابقة. ويربط حمو موقفه بالاشتباكات الميدانية السابقة، وبفشل الضغط الأمريكي في فرض حلول وسط.

تصريحات عبدي السابقة… تفاؤل لم يصمد

ويأتي هذا التطور بعد أشهر من تصريحات متفائلة أدلى بها مظلوم عبدي في أكتوبر/تشرين الأول 2025 لوكالة فرانس برس، تحدث فيها عن "تفاهم مبدئي" مع السلطات الانتقالية بشأن دمج قواته ضمن وزارتي الدفاع والداخلية. وأكد حينها أن وفودًا عسكرية وأمنية من قواته موجودة في دمشق لمتابعة آلية الدمج، مشيرًا إلى أن قواته – التي تضم نحو مئة ألف عنصر – لعبت دورًا حاسمًا في دحر تنظيم "داعش" عام 2019 بدعم التحالف الدولي.

وأوضح عبدي أن إعادة هيكلة قواته ستتم ضمن بنية وزارة الدفاع مع "تسمية جديدة"، مع الحفاظ على الاسم التاريخي لـ"قسد"، كما أشار إلى مفاوضات دستورية مستمرة لضمان حقوق الأكراد، وإلى أهمية التعاون في إدارة حقول النفط والغاز، مؤكدًا أن الثروات الباطنية ملك لكل السوريين.

غير أن فشل مفاوضات يناير 2026 كشف الهوة الواسعة بين هذا الخطاب التفاؤلي والواقع السياسي المعقد، وطرح تساؤلات مفتوحة حول مستقبل العلاقة بين دمشق و"قسد"، وحدود الدور الأمريكي، وإمكانية إعادة بناء دولة سورية موحدة في مرحلة ما بعد الأسد.

تحميل المزيد