المصريون ينتظرون انخفاض الأسعار 2026، والحكومة متفائلة، لكن المخاطر قائمة

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/03 الساعة 10:29 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/03 الساعة 10:29 بتوقيت غرينتش
الاقتصاد المصري يعاني من ارتفاع التضخم وتراجع قيمة الجنيه/ رويترز

يدخل المصريون عامًا جديدًا مثقلين بانتظارات معيشية كبيرة، بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية غير المسبوقة، شهدت تراجعًا حادًا في قيمة الجنيه، وارتفاعًا قياسيًا في معدلات التضخم، إلى جانب تداعيات إقليمية ودولية أثّرت بشكل مباشر على الاقتصاد المصري، وأضعفت مصادر دخل رئيسية مثل السياحة وقناة السويس.

هذه العوامل مجتمعة جعلت ملف الأسعار في صدارة هموم الشارع المصري، الذي يطالب بتحسن ملموس في مستوى المعيشة، وليس مجرد أرقام إيجابية في التقارير الرسمية. ورغم أن المؤشرات الاقتصادية بدأت خلال العام المنقضي في تسجيل تحسن نسبي، فإنه لم ينعكس بعد بالقدر الكافي على حياة المواطنين.

المطالب برفع الرواتب وخفض الأسعار لا تزال قائمة، في ظل شعور عام بأن كلفة المعيشة ما زالت مرتفعة مقارنة بالدخول. فهل يتحول التحسن الكلي إلى انفراجة معيشية حقيقية؟ أم أن "عام انخفاض الأسعار" سيظل مشروطًا بعوامل خارجية وقدرة الحكومة على إدارة الملفات المعقدة، وفي مقدمتها الدين، وسوق الصرف، والاستثمار؟

تفاؤل حكومي ومؤشرات مشجعة

قال مصدر حكومي مطّلع لـ"عربي بوست" إن العام الجديد يحمل معه بشائر استقرار اقتصادي وارتفاعًا على مستوى مؤشرات النمو، وهو ما يتبعه أيضًا استقرار في أسعار غالبية السلع، بل من الممكن انخفاضها، الأمر الذي سيكون له انعكاسات إيجابية على المواطنين، مشيرًا إلى أن الشعور بحالة تحسن أوضاع الاقتصاد يظهر من خلال صعود الجنيه واستقرار الأسواق بشكل كبير وتوفر السلع وعدم وجود أزمة في توفير العملة الصعبة".

وأضاف المتحدث في تصريحه لـ"عربي بوست" أنه كان من الممكن تحقيق مزيد من المكاسب الاقتصادية لو كانت الأوضاع الجيوسياسية المحيطة بمصر في حالة استقرار، إذ إن حرب غزة قادت لخسائر فادحة على مستوى عوائد قناة السويس التي بلغت 12 مليار دولار منذ بدء الحرب.

وأوضح المصدر ذاته أن الجنيه سيمضي نحو الاستقرار خلال الأشهر الأولى من عام 2026، وسيكون مدعومًا بما يمكن أن تحققه خطة الحكومة نحو تشجيع الصادرات غير النفطية، وأن التحدي الأصعب يتمثل في كيفية سداد الديون الخارجية مع ضمان عدم تأثر الجنيه.

لكن وصول احتياطات النقد الأجنبي لأكثر من 50 مليار دولار، يقول المصدر، يمكن أن يمتص الصدمات مع تسريع ملف الطروحات وفقًا لبرنامج صندوق النقد، مع التعويل على استعادة 80% من إجمالي الملاحة بقناة السويس وتحقيق عوائد سنوية تصل إلى نحو 9 مليارات دولار، وجذب 21 مليون سائح، واستكمال قرض صندوق النقد، ومساعدات الاتحاد الأوروبي.

وأشار المصدر ذاته إلى أن معدلات النمو المنتظرة تصل إلى 6%، وهو ما يشجع مزيدًا من الشركات على زيادة دورتها الإنتاجية، وهو ما يمكن أن ينعكس على المواطنين سواء من خلال توفير فرص عمل للشباب أو استقرار الأسواق وانخفاض الأسعار، إذ إن التضخم من المتوقع أن يسجل خلال النصف الثاني من العام الجديد نحو 8%.

وذكر المصدر أن السياسات النقدية القائمة على ترك سعر مرن للجنيه سوف تستمر، لافتًا إلى أن القاهرة سوف تحاول الاحتفاظ بالأموال الساخنة دون هروبها، وهو ما يعني أن أسعار الفائدة قد تشهد مزيدًا من الانخفاض، لكن ليس بمستويات كبيرة. كما أن القاهرة سوف تستمر في الدخول بمشروعات استثمارية ضخمة لتوفير سيولة دولارية تساعد في التعامل مع أزمة الديون.

بلغت نسبة التضخم في نوفمبر 2025 نحو 12.3%، مقارنة بـ12.5% خلال أكتوبر الماضي، وانخفض معدل التضخم السنوي في مصر من مستوى قياسي بلغ 38% في سبتمبر 2023، بدفعة من حزمة دعم مالي بقيمة 8 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي في مارس 2024.

قرّرت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري في اجتماعها نهاية الأسبوع الماضي خفض أسعار الفائدة بنسبة 1%، ليصبح سعرا عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة 20% و21% على الترتيب.

وبحسب بيان صادر عن "المركزي"، فإن القرار يأتي انعكاسًا لتقييم لجنة السياسة النقدية لآخر تطورات التضخم وتوقعاته منذ اجتماعها السابق. وكانت هذه هي المرة الخامسة التي يقرر فيها "المركزي" خفض أسعار الفائدة خلال عام 2025.

ويستهدف "المركزي المصري" بلوغ متوسط معدل التضخم نطاقًا من 5 إلى 9 في المائة في الربع الرابع من 2026، ونطاقًا من 3 إلى 7 في المائة في الربع الرابع من 2028، وفقًا لبيانه الأخير الأسبوع الماضي.

ما الذي يُهدد الاقتصاد المصري في 2026؟

قال محلل اقتصادي قريب من الحكومة المصرية لـ"عربي بوست" إن تأثيرات المخاطر الجيوستراتيجية تبقى المهدد الأكبر لنمو الاقتصاد المصري في 2026، مع احتمالات اندلاع حرب بين إسرائيل وإيران وتأثيرها على حركة الملاحة بقناة السويس، أو بشأن التوترات في البحر الأحمر، واحتمالات وجود صراعات عسكرية عند مدخل قناة السويس.

وبالتالي فإن المؤشرات الحالية بشأن نمو الاقتصاد المصري خلال عام 2026 ترتبط بوجود حالة من الاستقرار، مما يسمح أيضًا بتحقيق عوائد من السياحة تصل إلى 18 مليار دولار، مع وجود خطط مصرية للوصول إلى جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2030.

وتوقع المصدر ذاته أن ينخفض الدولار بقيمة 2 جنيه أخرى ليستقر بشكل كبير عند 45 جنيهًا، لكن هذا الرقم سيكون مرتبطًا بقدرات القاهرة على زيادة الصادرات غير البترولية، في ظل مجالات تنافسية صعبة في القارة الأفريقية، ومع الاعتماد على الاستيراد من الخارج على مستوى مكونات التصنيع المحلي.

وأوضح أن ما يدعم إمكانية تحسن الاقتصاد أنه جرى التعامل بشكل كبير مع أزمات شح الدولار، والآن تبحث الحكومة عن العملة الصعبة من أجل التوسع في استثمارات تنشئ أصولًا وتخلق فرص عمل وتدعم الصادرات على المدى المتوسط والطويل.

وأشار المحلل الاقتصادي أيضًا إلى أن الحكومة المصرية باتت أكثر حذرًا في الاعتماد على تدفقات الأموال الساخنة لضمان استقرار الدولار، وتتعامل معه كأداة مساندة مع تعزيز الاستثمارات الأجنبية.

وأشار إلى أن ما يدعم الاقتصاد المصري في العام الجديد أن الأسواق الدولية أضحت أكثر ثقة بهذا التحسن في أعقاب موافقة صندوق النقد على الشريحتين 5 و6 من مراجعة القرض الإصلاحي، وهو أمر تعول عليه الحكومة المصرية كثيرًا، مع تلقيها بعض الوعود من مؤسسات دولية وإقليمية لضخ استثمارات مباشرة.

وبلغ إجمالي الدين الخارجي لمصر 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، فيما سددت البلاد نحو 38.7 مليار دولار أقساطًا وفوائد خلال 2024/2025. وتشير أحدث نتائج استطلاع أجرته "بلومبرغ" إلى توقعات بنمو الاقتصاد المصري بنسبة 4.4% في 2025، مع تسارع وتيرة النمو إلى 4.7% في 2026.

ماذا عن أسعار السلع والمواد الأساسية؟

على مستوى الأسعار، يؤكد رئيس مجلس إدارة إحدى أبرز شركات المنتجات الغذائية في مصر أن أسعار الفائدة والتضخم يمكن أن يقودا إلى خفض أسعار السلع الرئيسية، لكن بعد فترة قد تتراوح بين شهر ونصف شهر و6 أشهر بحسب الإقبال على السلع ودورة استيرادها من الخارج.

وأشار المتحدث، مفضلًا عدم ذكر اسمه، إلى أن السلع الغذائية الموجودة الآن في الأسواق تم استيرادها منذ شهر أو أكثر، كما أن بعض السلع قد لا تشهد انخفاضًا في أسعارها إذا كان هناك طلب مرتفع عليها، لافتًا إلى أن المنافسة القوية في الأسواق يمكن أن تُسرّع من وتيرة خفض الأسعار.

فيما أشار أحد أعضاء غرفة صناعة السيارات إلى أن الانخفاض في الأسعار سيكون حاضرًا في العام الجديد، خاصة بعد نهاية يناير 2026، وذلك مع الإعلان عن السيارات الجديدة، وهناك أكثر من 18 ماركة مختلفة سوف تطرح سياراتها، إضافة إلى استقرار سعر العملة الذي سيؤدي إلى انخفاض مباشر في الأسعار مثلما كان الوضع في النصف الثاني من عام 2025.

لكن غرفة صناعة السيارات شددت في الوقت ذاته، خلال حديثه لـ"عربي بوست"، على أن ركود السوق مع تراجع القوة الشرائية للمواطنين يحرمان هذا القطاع من الشعور بالتحسن، موضحًا أن القطاع لم يتعافَ بشكل كامل منذ أزمة كورونا.

وفي المقابل، شدد أحد أعضاء شعبة الملابس الجاهزة على أن هذا القطاع تمكن بشكل كبير من التعافي رغم أنه يعتمد على الخامات المستوردة في الجزء الأكبر من العملية الإنتاجية، مشيرًا إلى أن السوق المصري حجز مكانًا في السوق العالمية، وتحديدًا في الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي وبعض دول الخليج.

كما أشار إلى أن الدولار يؤثر إيجابيًا في هذه الصناعة، ويعزز فرص اتساعها وزيادة التصدير، لكنه لم يؤكد في الوقت ذاته ما إذا كان من الممكن حدوث انخفاض في أسعار الملابس من عدمه، وأشار إلى أن طبيعة السوق والعرض والطلب وحجم التصدير إلى الخارج هي من تحدد.

وتشهد سوق الملابس الجاهزة نموًا في مصر، إذ ارتفعت صادراتها خلال الشهور السبعة الأولى بنسبة 26%، لتصل إلى 1.939 مليار دولار، مقابل 1.539 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفق المجلس التصديري للملابس الجاهزة.

ويتابع مركز معلومات مجلس الوزراء المصري بشكل يومي أسعار السلع، وفقًا لما يتم نشره على بوابة أسعار السلع المحلية والدولية. وتشير مؤشرات الأسبوع الماضي إلى أن هناك ارتفاعًا في أسعار الفول والدقيق والزيت والسكر واللحوم، وانخفضت أسعار الأرز والجبن والمسلي الصناعي.

وشهدت مصر أزمة في توفر الكثير من السلع مع نقص العملة الصعبة خلال الأعوام الماضية، حتى قررت الحكومة في مارس 2024 تحرير سعر الصرف، ليرتفع الدولار من 30 جنيهًا في البنوك إلى 50 جنيهًا، مع عقد صفقات استثمارية لتوفير الدولار، ما قوّض السوق السوداء التي وصل فيها سعر الدولار إلى 70 جنيهًا في بعض الأحيان.

تحميل المزيد