تسعى للسيطرة على 9 محافظات عراقية تضم 90% من الموارد النفطية.. هل تنجح الأحزاب الشيعية في فرض إقليم مستقل؟

عربي بوست
تم النشر: 2025/04/05 الساعة 07:18 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2025/04/05 الساعة 11:15 بتوقيت غرينتش
البرلمان العراقي/ رويترز

في تصريح مفاجئ، لوّح زعيم كتلة ائتلاف دولة القانون، والقيادي البارز في الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم، ورئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، في مقابلة تلفزيونية، بالرغبة في إقامة إقليم شيعي مستقل، قائلاً: "الشيعة ينفردون بالنفط إذا أُجبروا على التقسيم".

فُهمت هذه التصريحات كإشارة إلى أن استمرار الخلافات السياسية داخل النخب السياسية العراقية قد يدفع الأحزاب الشيعية نحو إقامة فيدرالية شيعية مستقلة تستحوذ فيها على الموارد النفطية في الجنوب.

وتأكيداً لحديث نوري المالكي، قال نائب برلماني عن حركة "حقوق"، الجناح السياسي للفصيل الشيعي المسلح "كتائب حزب الله"، لـ"عربي بوست": "إذا استمرت خلافات مع السنة والأكراد، فلن نكتفي فقط بإقامة إقليم شيعي منفصل".

وأضاف النائب البرلماني، الذي فضّل عدم ذكر اسمه: "بل وسيكون مستقلاً استقلالاً تاماً عن أي حكومة مركزية في بغداد. سنقوم بإعلان استقلال المحافظات التسع الشيعية، وما تتضمنه من موارد نفطية".

في الواقع، كان الحديث عن الفيدرالية في العراق، أو إقامة إقليم شبه مستقل، دائماً من نصيب النخب السياسية السنية بعد عام 2014 واجتياح تنظيم الدولة الإسلامية المحافظات ذات الغالبية السنية.

وبالرغم من أن الحديث عن إقامة إقليم شيعي ليس جديداً، إذ سبق الحديث عنه عام 2005، إلا أنه من النادر خلال العشرين عاماً الماضية بعد الغزو الأمريكي للعراق، أن نرى الأحزاب الشيعية، التي تعارض دائماً أحاديث القوى السنية عن الاستقلال بمحافظاتهم، تتحدث عن الذهاب إلى الفيدرالية، التي لطالما عارضتها القوى الشيعية بدعوى أنها تهدف إلى تفتيت العراق.

لكن، ما الجديد هذه المرة؟ ولماذا يكرر سياسي مخضرم مثل نوري المالكي، الذي يمتلك حزبه عدداً كبيراً من المقاعد في البرلمان الحالي، مثل هذه التصريحات؟ هل الأمر يتعلق بالتنافس السياسي قبل الانتخابات البرلمانية القادمة؟ أم هناك أجندات محلية وإقليمية تدفع القوى الشيعية نحو الاستقلال؟

ما أسباب تداول فكرة إقامة إقليم شيعي؟

بعد حديث المالكي عن احتمالية اضطرار الشيعة إلى إقامة إقليم شيعي مستقل، يضم تسع محافظات شيعية نفطية، برزت الفكرة، وظهر السياسيون والنواب الشيعة في البرامج التلفزيونية للحديث والدفاع عن إنشاء إقليم شيعي مستقل. ولكن، ما السبب؟ ولماذا الآن؟

يُجيب عن هذا السؤال سياسي من الإطار التنسيقي الشيعي، قائلاً لـ"عربي بوست": "الشيعة يتعرضون للابتزاز، خاصة بعد سقوط بشار الأسد في سوريا. القوى السنية والكردية تضغط على الشيعة من أجل كسب المزيد، ومن حين لآخر يهددون بمصير بشار الأسد، وأن الأمر من الممكن أن يتكرر في العراق".

وأضاف المصدر ذاته قائلاً: "وما دام وصلنا إلى هذه المرحلة من الابتزاز للشيعة، فنقولها صراحة: نستقل بالمحافظات التسع ومواردنا النفطية، ويفعل الآخرون ما يحلو لهم بعيداً عنا".

وأكد مصدر سياسي آخر مقرّب من نوري المالكي نفس حديث السياسي الشيعي، قائلاً لـ"عربي بوست": "يعتقد البعض في العراق أن بسقوط بشار الأسد، والضربات التي وجّهتها إسرائيل لحزب الله في لبنان، والضغوط الأمريكية على إيران وعلى الحكومة العراقية للتخلص من الوجود الإيراني في العراق، ستجعل القوى السياسية الشيعية أضعف، وسيكون من السهل ابتزازهم، لذا ترى أن إقامة إقليم شيعي أفضل للجميع".

يُذكر أن الشيعة اتهموا مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، عندما طالب سنة 2017 باستقلال إقليم كردستان بعد خلافات مع الحكومة المركزية في بغداد حول الموارد المالية والنفطية في الإقليم.

ويعلّق أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، محمد عبدالرضا، قائلاً لـ"عربي بوست": "بعد سقوط بشار الأسد، وما حدث لمحور المقاومة منذ طوفان الأقصى، دفع الشيعة في العراق إلى القلق بشأن مستقبلهم السياسي".

وأضاف أن "مع مجيء ترامب، والضغوط الأمريكية على الحكومة العراقية للتخلص من النفوذ الإيراني، وحل الحشد الشعبي، وما إلى ذلك، فكّر الساسة العراقيون في أن الخروج الآمن من هذه الأزمات سيكون بإنشاء إقليم شيعي، يضم كل المحافظات النفطية، ما يحقق الاستقلال المادي للإقليم، وسيكون هذا الإقليم بعيداً عن أي ضغوط إقليمية أو دولية".

وأضاف عبدالرضا قائلاً: "صحيح أن ما حدث إقليمياً مقلق بالنسبة للقوى الشيعية في العراق، ولكنهم في الوقت نفسه رأوا أن إقامة إقليم شيعي مستقل في العراق يبعث برسالة قوة للجميع، داخل وخارج العراق: أن البلد بأكمله لا يساوي شيئاً بدون الشيعة، لذلك كفوا عن مهاجمتنا وتهديدنا".

ولم يستبعد أستاذ العلوم السياسية محمد عبدالرضا أن تكون طهران شريكة في هذا الطرح الجديد، قائلاً لـ"عربي بوست": "صحيح أن الإيرانيين لا يفضلون تفكيك العراق إلى أقاليم، ولكنهم لم يعترضوا على هذا الخيار بشكل صارم في أي وقت من الأوقات".

وقال إنه من المرجح أن يكونوا هم الداعمين الأساسيين لهذا الطرح الآن، لأن الضغوط الأمريكية على حلفاء إيران في العراق سيكون لها آثار سلبية هائلة على الاقتصاد الإيراني.

البداية: دعوة الحكيم عام 2005

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين وحزب البعث، وصعود الشيعة إلى حكم العراق، دارت النقاشات حينها بين النخب السياسية الشيعية حول مستقبل الحكم في العراق الجديد، وكيفية توزيع السلطة والموارد وتقاسمها بين الطوائف المختلفة.

كان حينها إقليم كردستان العراق مستقلاً منذ عام 1991 بحكم الأمر الواقع، وبدأ الحديث عن إقامة نظام فيدرالي في العراق، وتضمين الفيدرالية في الدستور العراقي الجديد والدائم في عام 2005.

وفي أثناء عملية كتابة الدستور الجديد، اقترح السياسي الشيعي العراقي ورجل الدين البارز وزعيم الحزب الإسلامي الأعلى في العراق، عبدالعزيز الحكيم، إقامة فيدرالية شيعية في جنوب البلاد، وقال الحكيم الأب حينذاك: "بات من الضروري والواجب الآن إقامة إقليم شيعي يضم جميع المحافظات الشيعية على غرار إقليم كردستان".

وقال الحكيم إن الإقليم الشيعي سيضم تسع محافظات شيعية تمتد من البصرة إلى بابل، مؤكداً أن الفيدرالية الشيعية هي الضمانة الوحيدة لعدم تهميش الشيعة العراقيين مرة أخرى.

حينها رفضت القوى السياسية السنية هذا الطرح باعتباره دعوة إلى تفكيك العراق وتحويله إلى كيانات منفصلة بدلاً من إقامة دولة موحدة، وهددت القوى السنية بمقاطعة كتابة الدستور.

في هذا الصدد، يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد، محمد عبدالرضا لـ"عربي بوست": "عندما طرح الحكيم هذه الفكرة، عارضته أيضاً شخصيات شيعية وليست السنية فقط، حينها كان السياسيون الشيعة يرون أن بقاء الحكم المركزي في بغداد يمنح الشيعة سيطرة أكبر على حكم العراق".

وأضاف أن المرجعية الدينية الشيعية، وعلى رأسها السيستاني، لم توافق أيضاً على هذا الطرح، وكانت تخشى أن تؤدي إقامة إقليم شيعي في ظل نظام سياسي غير ناضج في ذلك الوقت إلى دخول العراق في نفق مظلم، لذلك فشلت دعوات الحكيم.

وبالرغم من فشل دعوات السياسي الشيعي عبدالعزيز الحكيم، إلا أنه تم تضمين مسألة الفيدرالية في الدستور العراقي، حيث نصت المادة 119 على حق المحافظات العراقية في تشكيل أقاليم شبه مستقلة عن طريق الاستفتاء الشعبي.

يُذكر أنه سنة 2006 طرحت واشنطن فكرة الفيدرالية لإقامة أقاليم شبه مستقلة في العراق، وتم تقديم مشروع باسم "بايدن-غليب" إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، والذي طرحه كل من جو بايدن وليزلي غليب، ويضم المشروع تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم شبه مستقلة: إقليم كردي في الشمال، وإقليم سني في الوسط، وإقليم شيعي في الجنوب، على أن تكون مدينة بغداد منطقة حكم مشتركة.

النفط للشيعة

أما عن شكل الإقليم الشيعي المقترح، والذي يدور النقاش حوله في الآونة الأخيرة في العراق، فيقول السياسي الشيعي حسين نوري لـ"عربي بوست": "يشمل الإقليم الشيعي تسع محافظات شيعية تتمتع بالنفوذ الديني والمالي، وبالتالي يصبح النفط للشيعة وحقهم".

ووفقاً لنوري، فإن المحافظات التسع التي ستأتي ضمن الإقليم الشيعي المحتمل هي: بغداد، بابل، النجف، كربلاء، القادسية، المثنى، واسط، ميسان، ذي قار، والبصرة الغنية بالنفط والتي تُعتبر شريان الحياة الاقتصادي للعراق. تضم هذه المحافظات التسع المراقد الدينية الشيعية والموانئ البحرية الرئيسية، ما سيجعل هذا الإقليم المحتمل من أغنى المناطق في العراق.

ويعلق أستاذ العلوم السياسية محمد عبدالرضا قائلاً: "الإقليم الجنوبي المحتمل يضم أهم محافظات العراق الاقتصادية، والتي تحتوي على أكثر من 80% من النفط العراقي. فمحافظات مثل البصرة والناصرية يوجد بها أهم وأكبر حقول النفط في العراق، لذلك سيكون من السهل على هذا الإقليم الاستقلال بشكل كامل في أي وقت من الأوقات عن الحكومة المركزية في بغداد".

وأضاف عبدالرضا لـ"عربي بوست" قائلاً: "ناهيك عن أن سيطرة الإقليم على أهم الموانئ في العراق ستجعله المتحكم الأول والأخير في حركة الصادرات والواردات وشكل التجارة عموماً في العراق".

وبحسب المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن تمتع الإقليم الشيعي المحتمل بالنفوذ المالي سيؤثر سلباً على اقتصاد العراق ككل، وسيؤدي إلى تفاقم الأزمات حول تقاسم الموارد، ويُضعف نفوذ الحكومة المركزية في بغداد.

ولكن السياسي الشيعي حسين نوري يجد في الأمر العديد من المزايا، على الأقل سياسياً، فيقول لـ"عربي بوست": "الإقليم الشيعي سيحمي الشيعة من الانتقادات والضغوط السياسية التي يتعرضون لها كل فترة. الإقليم الفيدرالي الشيعي سيتمتع بحرية واستقلالية إدارية كبيرة، وسيكون قادراً على اتخاذ قراراته السياسية بحرية أكبر".

ويعلق محمد عبدالرضا على الاستقلالية السياسية المحتملة للإقليم الشيعي فيقول لـ"عربي بوست": "الاستقلالية السياسية تعني تنحية حكومة بغداد تماماً، وجعلها بلا فائدة لا اقتصادياً ولا سياسياً ولا إدارياً. هذا سيكون بمثابة تحول تاريخي في موازين القوى السياسية في العراق، ويعيد تشكيل العراق من جديد، ولا أعتقد أننا سنتحمل مثل هذه الصدمة".

الموقف السُنّي

فوجئت القوى السياسية السنية بالأحاديث المتبادلة بين الأحزاب الشيعية عن الذهاب لإنشاء إقليم شيعي، بعد أن عارضوا هذه الفكرة لسنوات طويلة عندما كان يتم تداولها بين السُنة العراقيين في السنوات الماضية.

وجدير بالذكر أنه قبل عام 2014 رفضت الأحزاب السنية تماماً أي حديث أو أفكار عن تقسيم العراق إلى أقاليم ثلاثة، ولكن منذ عام 2014 واجتياح تنظيم الدولة الإسلامية للمحافظات ذات الأغلبية السنية في العراق، وعمليات الفصائل المسلحة الشيعية داخل هذه المحافظات والتي اتسمت بالتطرف والطائفية في كثير من الأحيان بزعم مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، بدأت القوى السنية في طرح فكرة إنشاء إقليم سني من وقت لآخر.

وفي السياق نفسه، يقول سياسي سني مقرب من حزب "تقدم" الذي يتزعمه محمد الحلبوسي لـ"عربي بوست": "في سنوات سيطرة داعش، كان الشيعة يهيمنون على المحافظات السنية بشكل هائل، ارتكبت الفصائل الشيعية أفظع الجرائم بحق الكثير من الأبرياء في هذه المحافظات بدعوى أنهم ينتمون إلى داعش، فكان الحل أمامنا هو الذهاب إلى تأسيس إقليم سني مستقل، لحماية السنة العراقيين من الهيمنة الشيعية".

وأضاف المصدر ذاته قائلاً: "طرح القوى السنية لمسألة إقليم سني مستقل، كان مجرد ورقة ضغط لإثارة قلق الأحزاب الشيعية وانتزاع مطالبنا منهم، ولكن الآن عندما يتحدث الشيعة عن إقليم شيعي واستحواذهم على النفط العراقي فهذه مسألة معقدة للغاية".

وبحسب المصدر نفسه، فإنه إذا عزمت الأحزاب الشيعية على إنشاء إقليم شيعي، فإن هذا الأمر سيجعل المحافظات السنية في مأزق مالي كبير، لاستحواذ الإقليم الشيعي على الموارد.

ويقول مصعب عبدالرازق، الناشط السياسي السني من محافظة الأنبار لـ"عربي بوست": "صحيح أنه إذا نجح الشيعة في إقامة إقليم شيعي، سيكون لنا الحق حينها في إقامة إقليمنا السني، يبدو الأمر إيجابياً، ولكن في الوقت نفسه، سيكون الإقليم السني ضعيفاً اقتصادياً، وعندما يكون الإقليم السني بلا موارد كافية، فمن المتوقع أن تعود التنظيمات الإرهابية للظهور مرة أخرى في المحافظات السنية مستغلة الترتيبات الأمنية والإدارية الجديدة".

وأكد المتحدث لـ"عربي بوست" أن دخول العراق في ترتيبات سياسية وأمنية جديدة وصعبة إذا صممت الأحزاب الشيعية على فكرتها، سيُضعف موقف العراق محلياً وإقليمياً ودولياً.

الموقف الكردي

بطبيعة الحال، يرحب الأكراد في العراق بفكرة استقلال الشيعة وإنشاء إقليم شيعي جنوبي، لأن هذا الأمر سيعزز كثيراً فكرتهم بالاستقلال والانفصال التام عن العراق، ولكن هذا لا يمنع أن القوى السياسية الكردية ينتابها بعض القلق من الفكرة المطروحة من قبل الأحزاب الشيعية.

يقول السياسي الكردي شيروان محمد لـ"عربي بوست": "الكرد يؤيدون فكرة الأقاليم الثلاثة في العراق، إنها فكرة إيجابية، وتسمح لمحافظات هذه الأقاليم المحتملة بالنمو والازدهار والاستقلالية السياسية، ولكن للأمر الكثير من السلبيات أيضاً التي تقلق أربيل".

ويوضح شيروان محمد هذه السلبيات قائلاً: "الإقليم الشيعي المحتمل يستحوذ على أغلب موارد العراق النفطية والموانئ، وبالتالي سيتمتع باقتصاد قوي، ومن الممكن أن يضعف هذا الاستقلال الحكومة المركزية في بغداد، ما يزيد من تعقيد العلاقة المعقدة بالأساس بين أربيل وبغداد".

وأضاف محمد قائلاً: "لا نرفض الفكرة تماماً، بالعكس نرحب بها، ولكن من حقنا أن نقلق بشأن الشكل الجديد للمشهد السياسي العراقي الذي سوف يترتب على هذه الخطوة".

ويتمتع إقليم كردستان العراق بالاستقلال شبه الكامل منذ عام 1991، ولديه موارده من النفط والغاز الطبيعي، والتي يمثل تقاسم إيراداتها محل نزاع بينه وبين الحكومة الاتحادية في بغداد، لذلك قد يفكر بعض القادة السياسيين الأكراد في أن إنشاء إقليم شيعي سيكون فرصة لإقليم كردستان للاستحواذ بشكل كامل على إيراداته من موارده

موقف طهران وواشنطن

منذ سقوط نظام صدام حسين في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، عملت إيران على تعزيز نفوذ حلفائها العراقيين الشيعة على الحياة السياسية العراقية، لضمان بقاء الحكومة المركزية في بغداد تحت أيادي الشيعة، وفي الوقت نفسه لديها علاقات قوية مع باقي المكونات العراقية، وتمتلك أيضاً أدواتها الخاصة للسيطرة عليهم.

في الماضي، لم ترفض إيران بشكل قاطع فكرة الفيدرالية في العراق، لكنها لم تفضلها وفضّلت أن تكون بغداد مركز السلطة، ولكن في الآونة الأخيرة، ومع التحركات الأمريكية الهادفة إلى إضعاف النفوذ الإيراني في العراق، ومحاولة واشنطن قطع كل السبل على حلفاء طهران في العراق لمساعدتها، من الممكن أن تُعيد إيران النظر في فكرة الفيدرالية في العراق.

في السياق ذاته، يقول مصدر سياسي إيراني مطلع على تفكير القيادة الإيرانية بشأن العراق، لـ"عربي بوست": "صحيح أن ثقل مركزية بغداد والنفوذ الشيعي على حكومة بغداد أمر مهم لإيران، لكن القيادة الإيرانية لا ترفض فكرة الفيدرالية، خاصة مع المتغيرات الحالية إذا كانت فكرة إنشاء إقليم شيعي ستعزز المصالح الإيرانية في العراق، وتحمي حلفاءها الشيعة، فنحن سندعم هذا القرار بكل قوة وبلا تردد".

 أما بالنسبة للولايات المتحدة، فيقول أستاذ العلوم السياسية محمد عبدالرضا لـ"عربي بوست": "واشنطن سترحب بقرار تقسيم العراق، وستكون مع أي قرار يضعف الوزن الإقليمي للعراق، ولكنها في الوقت نفسه ستواجه نفوذاً إيرانياً على الإقليم الشيعي، وحينها ستعمل على تقوية الإقليم السني والكردي لمواجهة الإقليم الشيعي، وسندخل في دائرة صراع بين الأقاليم الثلاثة".

دستورياً.. كيف سيتشكل نظام الأقاليم؟

يمنح الدستور العراقي للمحافظات الحرية لإنشاء نظام الأقاليم بعد إجراء استفتاء شعبي في هذه المحافظات، وحددت المواد من المادة 116 إلى المادة 121 شكل هذه الإجراءات كالآتي:

تقديم طلب إلى مجلس الوزراء من ثلث أعضاء مجلس المحافظة أو عُشر نواب المحافظة في البرلمان لتشكيل الإقليم، ويضمن الدستور العراقي للإقليم المنشأ حديثاً الحق في تحديد هيكل السلطة به والصلاحيات، وتخصيص حصة عادلة من الإيرادات التي يتم تحصيلها من قبل الحكومة الاتحادية، مع الأخذ في الاعتبار موارد المحافظة وموازنتها وعدد السكان.

ووفقاً للقانون رقم 13 لسنة 2008، سيكلف مجلس الوزراء المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بإجراء استفتاء شعبي في مدة أقصاها 15 يوماً من تاريخ تقديم الطلب إلى مجلس الوزراء، وإذا صوّت نصف عدد السكان المؤهلين للاستفتاء في كل محافظة تريد المشاركة في الإقليم المقترح بـ"نعم"، تقوم المحكمة الاتحادية العليا، وهي أعلى سلطة قضائية في البلاد، بالتصديق على نتائج الاستفتاء، وبعد 15 يوماً يقوم رئيس الوزراء بإعلان الإقليم الجديد.

وفي حال فشل الاستفتاء، ولم يصوت العدد اللازم من السكان، يُعاد الاستفتاء مرة أخرى بعد عام واحد من تاريخ الاستفتاء الأخير، ويحق لمجلس الوزراء رفض الطلب من البداية، كما يحق لأعضاء مجلس المحافظة الطعن في رفض مجلس الوزراء أمام المحكمة الاتحادية العليا.

هل من الممكن أن تتحقق فكرة الإقليم الشيعي؟

على ضوء الخلفية السابقة، نرى أن فكرة الفيدرالية في العراق لم تكن جديدة، وتم طرحها في الكثير من المناسبات سواء من القوى السياسية السنية أو الشيعية، ولكن هل من الممكن أن تنفذ الأحزاب الشيعية تهديداتها هذه المرة بإنشاء إقليم شيعي والذهاب نحو تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم؟

يرى المحلل السياسي محمد عبدالرضا أن هذا الأمر صعب تحقيقه، ويقول لـ"عربي بوست": "صحيح أن فكرة الفيدرالية في العراق تم طرحها أكثر من مرة، لكنها لم تكن في أي مرة رغبة خالصة من قبل السنة أو الشيعة، دائماً ما كانت ورقة ضغط سياسي، أو مرتبطة بمشروع إقليمي لإعادة هندسة المشهد السياسي في العراق".

ولا يؤيد عبدالرضا فكرة إمكانية قيام الأحزاب الشيعية بهذه الفكرة في إقامة الإقليم الشيعي المقترح، فيقول: "لا أعتقد أن هناك نية قوية من الأحزاب الشيعية لتنفيذ هذه الفكرة، خاصة وأن الشارع العراقي، وبالتحديد الشيعي، يرفض فكرة تقسيم بلاده وإضعافها، إنهم فقط يريدون الهروب من الضغوطات الجديدة، سواء الداخلية أو الخارجية، لذلك يهددون باستخدام فكرة تقسيم العراق والاستحواذ على النفط".

ويوافق سياسي شيعي على هذا الأمر، قائلاً: "تريد الأحزاب الشيعية بعد سقوط بشار الأسد أن تقول إنها هي فقط من تمتلك استقرار العراق واقتصاده، وإذا زاد الضغط عليها، ستستحوذ على النفط والموارد وتترك باقي العراق في حالة ضعف".

وعلى الجانب الآخر، يقول مصدر سياسي شيعي ثانٍ مؤيد للفيدرالية، لـ"عربي بوست": "من الممكن أن تصر الأحزاب الشيعية على الإقليم الشيعي، هذا وارد جداً مع الوضع الإقليمي الحالي، ولكنهم يحتاجون إلى نضج سياسي كبير لإنشاء إقليم شيعي دون الإضرار بالحكومة المركزية في بغداد، ليضمنوا عدم زعزعة استقرار العراق والحفاظ على نفوذهم السياسي أيضاً، إذا كانوا قادرين على هذه المعادلة، سيفعلونها في المستقبل القريب".

تحميل المزيد