شركات أجنبية هددت بتقليص الاستثمارات.. هكذا رضخت الحكومة المصرية لضغوط رفع أسعار خدمات الاتصالات دون مراعاة الجودة

عربي بوست
تم النشر: 2024/12/12 الساعة 11:13 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2024/12/12 الساعة 11:54 بتوقيت غرينتش
شركات الاتصالات المصرية (رويترز)

نجحت شركات الاتصالات المصرية والأجنبية العاملة في مصر في زيادة أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت وفقاً لشروطها، دون أن تخضع لمساعي الحكومة التي حاولت إرجاء الزيادة للعام المقبل أو ربطها بتحسين مستوى الخدمة.
وهناك توقعات بأن تشهد الفترة المقبلة مزيداً من التراجع في مستوى أداء هذه الشركات مع احتمالات حدوث زيادات مماثلة كلما تعرضت قيمة الجنيه للانخفاض، مع تراجع معدلات الأرباح لدى بعض الشركات التي تهدف إلى تحويل أرباحها بالدولار رغم أنها تُحقق مكاسب إضافية بالعملة المحلية.

ورفعت شركات الاتصالات المصرية أسعار خدماتها للمرة الثانية هذا العام، بعد موافقة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بنسب تتراوح بين 30% إلى 50%، وطالت جميع خدمات الاتصالات والإنترنت بما فيها "الكروت الفكة" التي يستخدمها قطاع كبير من المواطنين، وكذلك باقة الإنترنت المنزلي التي تقدم 140 غيغابايت وهي الأكثر شعبية في المنازل المصرية والتي شهدت ارتفاعاً بمعدل 49%.

وساق الجهاز القومي للاتصالات، الذي يتبع الحكومة المصرية، والعديد من أصحاب شركات الاتصالات مبررات عديدة للزيادة في مقدمتها ارتفاع أسعار تكاليف التشغيل مع زيادة أسعار الوقود أخيراً، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم وقيام الشركات بتحديث شبكاتها خلال الفترة الماضية، وكذلك عدم رفع أسعار خدمات الإنترنت سوى مرتين فقط منذ عام 2017، غير أن معدلات الزيادة وصلت إلى 75% خلال هذه الفترة.

تخوّفات من انسحاب الشركات الموجودة بالسوق المصري

وكشف مصدر مطّلع بوزارة الاتصالات المصرية لـ"عربي بوست" أن الحكومة تعرضت لضغوط عديدة من شركات الاتصالات الأجنبية خلال السنوات الثلاث الماضية، وأسفرت عن زيادة في أسعار خدمات الاتصالات مرتين خلال هذا العام.

وأضاف المتحدث أن انسحاب شركة فودافون العالمية وبيع حصتها لشركة سعودية وأخرى كان حاضراً في اتخاذ القرار الأخير، وسط تهديدات بالانسحاب من السوق المصري. وقررت الحكومة المصرية زيادة أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت بنسبة 30% مطلع العام الجاري دون شروط، وحاولت فرض شروطها في الزيادة الأخيرة لكنها فشلت أيضاً.

وأضاف المصدر ذاته أن جهاز تنظيم الاتصالات اشترط إحداث تغيير شامل في منظومة الشبكات، ومراكز الإرسال والاستقبال، ومراكز البيانات الخاصة بالشركات، وأن ما وافقت عليه شركات الاتصالات هو تجهيز بنيتها للانتقال إلى شبكات الجيل الخامس.

وقال المتحدث إن شركة الاتصالات الأجنبية في مصر أصرت على أن تكون الزيادة دون أي التزام منها بتطوير شبكتها التي تأخذ في التراجع بصورة ملحوظة في مئات المواقع التي حددها جهاز تنظيم الاتصالات.

وذكر أن شركات الاتصالات في مصر تحجّجت بأن العاملين لديها يرغبون في زيادة رواتبهم لتتماشى مع معدلات التضخم، وأنها اضطرت لزيادتها بمعدلات تصل إلى 80% على جميع المستويات خلال العامين الماضيين. ولذلك فإن ذلك يتطلب زيادة مماثلة على مستوى قيمة الخدمة التي تقدمها.

مواطن مصري يشاهد رئيس الحكومة على شاشة التلفزيون/ رويترز
مواطن مصري يشاهد رئيس الحكومة على شاشة التلفزيون/ رويترز

وأشار إلى أن عدم الاستجابة لمطالب العمال والموظفين كان سيؤدي إلى مشكلات أكبر على مستوى تحقيق الاستقرار المنشود داخلها، مما يترك تأثيراته على مستويات مختلفة، بينها سوء سمعة الاستثمار في مجال الاتصالات في مصر، وكذلك جودة الخدمات المقدمة للجمهور.

وقال إن الحكومة المصرية تفاوضت مع شركات الاتصالات على تقليص قيمة أرباحها، لكن الشركات قدمت ما يثبت تراجع الإيرادات بالفعل. وأوضحت وزارة الاتصالات أن هذا التراجع لا يرجع في جميع الأحوال إلى انخفاض قيمة الجنيه وتزايد معدلات التضخم.

وقد أرجعت الوزارة ذلك إلى سوء الخدمات المقدمة، والدليل على ذلك وجود تفاوت بين الشركات في معدلات الربح والخسارة. وهو أمر لم يقتنع به أصحاب الشركات، الذين طالبوا الحكومة المصرية في البداية بتقديم مزيد من التسهيلات التي تساعد على تخفيض مصروفاتها من الضرائب ومصروفات التشغيل، لكن هذا الطلب قوبل بالرفض من الحكومة. فكان القرار النهائي زيادة الأسعار للمرة الثانية هذا العام.

زيادات وخدمات متدهورة وتحدٍّ للقوانين

وكشف مصدر آخر بالجهاز القومي للاتصالات في مصر لـ"عربي بوست"، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، أن مراجعة عملية تسعير خدمات الاتصالات والإنترنت التي صدرت أخيراً شهدت خلافات كبيرة بين الجهاز وشركات الاتصالات.

وقال إن لدى الجهاز رأياً بأن تكون الزيادة تدريجية على مدار العامين المقبلين، لكن الشركات أصرت على موقفها، ولم يكن لدى وزارة الاتصالات أساليب ضغط يمكن أن تمارسها للتخفيف عن المواطنين.

وأضاف أن قانون الاتصالات في مصر يتيح للمشغل الحكومي، ممثلاً في الجهاز القومي للاتصالات، التأكد من مستويات الخدمة المقدمة للجمهور قبل الموافقة على أي زيادة، ومن حقه رفض ذلك طالما استمرت الخدمة في التراجع والتدهور.

وأضاف أيضاً أنه يجب مراجعة تكاليف تشغيل الخدمة وضمان عدم استغلال الشركات لنمو الاستهلاك لفرض شروطها على المواطنين. وهذا الأمر لم يحدث بالصورة السليمة، وبالتالي جاءت الزيادة كبيرة هذه المرة وغير مبررة إلى حد كبير.

وقال إن الحكومة وضعت في اعتبارها الحفاظ على العاملين بشركات الاتصالات، بدلاً من فقدانهم وظائفهم حال رفضت شروط الشركات. وهناك قناعة بأن العمالة الإضافية في هذه الشركات يمكن الاستغناء عنها.

وأضاف في حديثه مع "عربي بوست" أن الحكومة المصرية لم تتلقَ أي عروض لتقديم رخص جديدة لتشغيل شركات الاتصالات، وبالتالي فإن الاعتماد على زيادة الاستثمارات ليس مفهوماً في هذا التوقيت.

وأشار إلى أن الجهاز القومي للاتصالات يمتلك العديد من الأدوات التي كان يمكن استخدامها للضغط على الشركات، من بينها تفعيل إجراءات قياس جودة الخدمة باستخدام أدوات القياس الموجودة في كافة المحافظات والمدن، وتقديم مقياس حقيقي للجمهور عن مستوى خدمة كل شركة على حدة.

وقال إن ضغوطاً من جانب الشركات خلال السنوات الماضية دفعت إلى التراجع عن تقييم خدمات الشركات بشكل ربع سنوي في وسائل الإعلام. وكان يمكن أن يُوظّف هذا الإجراء للضغط على الشركات بدلاً من تحميل زيادة قيمة الخدمة للمواطنين.

وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وافق جهاز تنظيم الاتصالات الحكومي على دراسة طلب شركات المحمول بزيادة أسعار خدمات الاتصالات. وبعد الزيادة الأخيرة، اضطر لإصدار آليات جديدة وصفها بأنها "جزاءات الجودة الخاصة بخدمات المحمول".

وشهد وزير الاتصالات المصري، عمرو طلعت، توقيع شركات المحمول الأربع على الآليات الجديدة للجزاءات. وبناءً على ذلك، ستقوم الشركات، في حال مخالفتها لمعايير الجودة ومستويات أداء الخدمة المحددة بالتراخيص الممنوحة لها، باستخدام ضعف قيمة الجزاءات المالية المقررة عليها في تحسين التغطية والجودة لخدمات المحمول، وتغطية مناطق جغرافية يحددها تنظيم الاتصالات.

وبذلك يكون التنظيم قد استبدل سداد الجزاءات المالية بمضاعفة قيمة الغرامة وبناء أبراج وشبكات تغطية بها. وتضمنت الآليات الجديدة تحفيز الشركات على السعي لتحسين ترتيب مصر في المؤشرات الدولية التي ترصد مستوى أداء خدمات المحمول.

شركات الاتصالات المصرية والأجنبية زادت من أسعار الخدمات/ رويترز
شركات الاتصالات المصرية والأجنبية زادت من أسعار الخدمات/ رويترز

التفاف الشركات على "معايير الجودة"

وقال مصدر مسؤول بوزارة الاتصالات لـ"عربي بوست"، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، إن الآليات الجديدة أو ما أسمتها الحكومة بالجزاءات، من الصعب تطبيقها لأنها لم توضح معايير الجودة المقصودة، مما يتيح لشركات الاتصالات الالتفاف عليها.

وأضاف أن الحكومة، إلى جانب المواطنين، تحملت جزءاً من تكاليف التشغيل التي تسببت فيها الأوضاع الاقتصادية الراهنة مع تراجع قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم، إذ قررت ضخ 8 مليارات جنيه لتنفيذ مشروعات تغطي المناطق النائية والطرق الجديدة.

وأشار إلى أن شركات الاتصالات تواجه مشكلات تتعلق بتوفير الدولار اللازم لاستيراد مكونات الشبكات التي تحتاج إلى تحديث من الخارج، وتتحجج بعدم قدرتها على القيام بعملية التحديث بشكل مستمر لأن الحكومة لا توفر لها احتياجاتها.

وأضاف أنه مع توفر الدولار، ارتفعت قيمة هذه المكونات بشكل هائل عند مقارنتها بالجنيه المصري. وأوضح أن الشركات تحتاج باستمرار إلى أبراج وبرامج التشغيل، وجميعها مستوردة من الخارج.

وشدد على أن الشركات تحقق مكاسب هائلة في مصر، التي تعتبر سوقاً ضخمة للاتصالات والإنترنت. ومع ذلك، فإن الحكومة لا تستطيع توظيف ذلك لصالحها، ولم تستغل ارتفاع معدلات استخدام الهواتف المحمولة لأكثر من 70% سنوياً، وزيادة استخدام الهواتف الثابتة بنسبة 30%.

ولفت إلى أن الدولة كان بإمكانها دعم الاستثمارات الجديدة المطلوبة لتوسيع عمل الشبكات بقيمة أكبر، مقابل الضغط على الشركات لعدم زيادة الأسعار حالياً.

وأشار إلى أن الحكومة وضعت نفسها في موقف محرج لأنها وعدت المواطنين بأنها لن تقوم بزيادة أسعار الخدمات حتى نهاية عام 2025، لكن ذلك لم يتحقق. وأضاف أن خدمات الاتصالات لا يمكن اعتبارها رفاهية، فهي ضرورية مثلها مثل الخبز والغذاء.

وأوضح أن المواطنين سيكونون مضطرين لزيادة الفاتورة الموجهة لبند الاتصالات، خاصةً مع رفض شركات الاتصالات مراعاة الطبقات الفقيرة. وكان هناك مقترح بالإبقاء على أسعار "كروت الفكة" دون زيادة، لكنها فرضت جميع شروطها.

وارتفع التضخم السنوي في مدن مصر إلى 26.5% خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مقارنة بـ26.4% خلال سبتمبر/أيلول الماضي، بسبب ارتفاع أسعار الوقود. ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، سجل معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية مستوى 26.3% لشهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مقارنة بـ38.5% للشهر نفسه من العام السابق.

تحميل المزيد