تصدّر تفجير سد نوفا كاخوفكا، الثلاثاء، 6 يونيو/حزيران 2023، عناوين حرب روسيا في أوكرانيا، وسط تبادل الاتهامات بين موسكو وكييف عن التسبب في "الكارثة"، فكيف تم التفجير؟ وما تداعياته على مسار الحرب لجميع أطرافها؟
سد نوفا كاخوفكا على نهر دنيبرو، الذي يشطر أوكرانيا إلى شطرين شرقي وغربي، تعرّض للتصدع وأظهرت مقاطع مصورة انهيار الجزء العلوي من السد الضخم واندفاع المياه، ويقع السد الكهرومائي في منطقة خيرسون جنوب أوكرانيا، وتسيطر روسيا على المنطقة.
ما أهمية سد نوفا كاخوفكا؟
سد نوفا كاخوفكا، أو مجمع كاخوفسكايا الكهرومائي كما تسميه روسيا، هو أضخم سد مائي في أوكرانيا، ويقع في جنوب البلاد في منطقة خيرسون، ويمثل مصدراً حيوياً للمياه، ليس فقط في المنطقة، ولكن أيضاً لشبه جزيرة القرم، التي كانت موسكو قد ضمتها رسمياً إلى أراضي الاتحاد الروسي منذ عام 2014.
ويرجع تاريخ البدء في تشييده إلى عام 1950 عندما قرر الاتحاد السوفييتي وقتها إنشاء "محطة كاخوفسكايا لتوليد الطاقة الكهرومائية على نهر دنيبرو، القناة الأوكرانية الجنوبية، والمناطق الشمالية من شبه جزيرة القرم".
ويقع السد على نهر دنيبرو على بعد 30 كم شرق مدينة خيرسون في جنوب أوكرانيا، ويحتجز كمية هائلة من المياه، حيث يبلغ ارتفاعه 30 متراً وعرضه مئات الأمتار، وتم بناؤه عام 1956 كجزء من محطة كاخوفكا للطاقة الكهرومائية.
وأدى بناء مجمع كاخوفسكايا الكهرومائي (أو كاخوفكا) إلى ارتفاع منسوب المياه في نهر دنيبرو ليصل إلى 16 متراً، وتشكيل خزان كاخوفكا الذي يبلغ حجمه 18.19 كيلومتر مكعب. ويبلغ عرض السد 447 متراً، ويتكون من 28 بوابة سارية يبلغ ارتفاع البوابة الواحدة 12 متراً وعرضها 9 أمتار.
كما توجد في المجمع بوابة لعبور السفن وسد ترابي ومعابر للسكك الحديدة وطرق عبر الهياكل الهيدروليكية لمحطة الطاقة الكهرومائية. وتبلغ الطاقة الإنتاجية الإجمالية للمحطة 334.8 ميغاواط، بينما يبلغ متوسط الإنتاج السنوي للمحطة 1420 مليون كيلوواط/ساعة. وتم تجهيز الوحدات الكهرومائية العمودية بتوربينات ذات ريش دوارة ومولدات متزامنة بجهد 13.8 كيلوفولت، ويبلغ طول المنشآت الكهرومائية 3850 متراً.
ويحتوي خزان سد نوفا كاخوفكا على ما يقدر بنحو 18 مليون متر مكعب من المياه، وتفجيره سيؤدي بالطبع إلى إغراق القرى والمناطق المحيطة، بما في ذلك مدينة خيرسون، الواقعة غرب نهر دنيبرو، والتي كانت روسيا قد سحبت قواتها منها في أواخر عام 2022 وسيطرت عليها القوات الأوكرانية.
وفي هذا السياق، كشف مسؤولون روس وأوكرانيون أن آلاف الأشخاص وعشرات القرى "عرضة لخطر الفيضانات"، على خلفية تفجير سد نوفا كاخوفكا ومحطة كاخوفسكايا للطاقة الكهرومائية المرتبطة به، في الأجزاء التي تسيطر عليها روسيا من إقليم خيرسون.

وذكرت وسائل إعلام روسية أن "22 ألف شخص و14 قرية حول منطقة السد عرضة للخطر، إثر ارتفاع مستوى نهر دنيبرو بعد تفجير سد نوفا كاخوفكا". كما نقل موقع قناة "روسيا اليوم" عن فلاديمير ليونيف رئيس إدارة مدينة نوفا كاخوفكا، قوله إن مستوى المياه في مقاطعة خيرسون في اتجاه مجرى نهر دنيبرو "ارتفع بمقدار 2.5 متر".
كما أعلنت شركة الطاقة النووية الأوكرانية "Energoatom" في بيان على تليغرام، أن تفجير السد "يمكن أن تكون له عواقب سلبية على محطة الطاقة النووية زاباروجيا"، لكن الوضع في الوقت الحالي "قيد السيطرة".
وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على تويتر، أنه "لا يوجد أي خطر فوري على السلامة النووية" في محطة زاباروجيا للطاقة النووية بعد الأضرار التي لحقت بسد نوفا كاخوفكا. كما لفتت إدارة محطة زاباروجيا التي تسيطر عليها روسيا، إلى أن التدمير الجزئي لسد نوفا كاخوفكا "لا يمثل تهديداً لها".
وكتب مدير المحطة، يوري تشيرنيتشوك، على تليغرام: "في الوقت الحالي، ليس هناك أي تهديد لسلامة محطة زاباروجيا للطاقة النووية"، موضحاً أن مستوى المياه في حوض التبريد "لم يتغير".
روسيا أم أوكرانيا؟
أما عن الطرف الذي قام بتفجير سد نوفا كاخوفكا، فقد تبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات على الفور؛ إذ حمّل المسؤول الروسي عن إدارة مدينة نوفا كاخوفكا، فلاديمير ليونيف، كييف مسؤولية التفجير، قائلاً إن المحطة والسد تعرضا لـ"قصف أوكراني"، مشيراً إلى أن الضربات استهدفت بشكل رئيسي "الجزء العلوي من محطة الطاقة الكهرومائية؛ حيث توجد الصمامات، ما أدى إلى هدمها".
ووصف ليونيف الضربات بأنها "عمل إرهابي خطير للغاية"، وأوضح أن السلطات التي عيّنتها موسكو في المنطقة "تستعد لأسوأ العواقب" رغم أنها لم تحث على إجلاء سكان المدينة، حسبما نقلت وكالة "أسوشيتيد برس".
ووجّهت موسكو نفس الاتهامات إلى كييف، قائلة إن الجيش الأوكراني استهدف السد بصواريخ إيلكا الأوكرانية متوسطة المدى، مما أدى إلى تدمير الجزء العلوي من السد، لكن في المقابل، حملت أوكرانيا روسيا مسؤولية تفجير السد.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على تويتر، إن تدمير السد "يؤكد للعالم أجمع أنه يجب طرد (القوات الروسية) من كل ركن من أركان الأراضي الأوكرانية". وكانت وزارة الداخلية الأوكرانية دعت على تليغرام، سكان 10 قرى على الضفة اليمنى للنهر وأجزاء من مدينة خيرسون أسفله، إلى جمع الوثائق الأساسية والحيوانات الأليفة، وإيقاف تشغيل الأجهزة، ومغادرة أماكنهم.
بدوره، قال رئيس الوزراء الأوكراني، دينيس شميهال، إن "نحو 80 قرية مهددة بالفيضانات، إثر تفجير روسيا لسد نوفا كاخوفكا". كما أوضح رئيس الإدارة العسكرية الأوكرانية في خيرسون، أولكسندر بروكودين، على وسائل التواصل الاجتماعي، أن "هناك حوالي 16 ألف شخص في المنطقة الحرجة قرب ضفاف النهر"، بحسب الأناضول.

وفي وقت سابق، حذرت السلطات الأوكرانية من أن أي أضرار تطول سد نوفا كاخوفكا يمكن أن تتسبب في تدفق نحو 18 مليون متر مكعب من المياه، ما يغرق خيرسون وعشرات المناطق الأخرى أسفل مجرى النهر، حيث يعيش مئات الآلاف من السكان.
وسيكون من شبه المستحيل على الأرجح كشف الطرف الذي أقدم على تفجير السد، كما يحدث منذ اندلاع الهجوم الروسي على أوكرانيا، والذي تصفه موسكو بأنه "عملية عسكرية خاصة"، بينما يصفه الغرب بأنه "غزو عدواني غير مبرر"، علماً بأن الغرب بطبيعة الحال يتبنى غالباً وجهة النظر الأوكرانية.
تقول كييف إن الروس أقدموا على تلغيم السد وتفجيره في نوبة "هلع" من الهجوم الأوكراني المضاد، والهدف هو عرقلة تقدم القوات الأوكرانية، بحسب تقرير لشبكة CNN الأمريكية، بينما تقول موسكو إن كييف أرادت من تفجير سد نوفا كاخوفكا قطع المياه عن شبه جزيرة القرم.
ما تداعيات تفجير السد على مسار الحرب؟
هناك جانب من المحللين، المتعاطفين مع روسيا والمتبنين لرؤيتها بشأن الحرب، يرى أن أوكرانيا هي التي أقدمت على تفجير سد نوفا كاخوفكا كي تداري على فشل هجومها المضاد، الذي بدأ قبل أيام ولم تتمكن من خلاله تحقيق اختراق يُذكر في خطوط الدفاع الروسية، باستثناء بعض التقدم شمال باخموت.
وبحسب هؤلاء أيضاً، فإن روسيا تسيطر على جسر نوفا كاخوفكا بالفعل منذ بدأت هجومها على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، وحتى بعد أن سحبت قواتها من مدينة خيرسون غرب نهر دنيبرو أواخر العام الماضي، ظلت السيطرة على السد والمحطة الكهرومائية للروس، وبالتالي لا يوجد ما يبرر قيام روسيا الآن بتدمير السد، حيث إن ذلك يعني حرمان شبه جزيرة القرم من موردها الرئيسي من مياه الشرب والزراعة.
أما المتعاطفون مع أوكرانيا، فيرون أن تفجير روسيا للسد في هذا التوقيت هدفه الرئيسي هو عرقلة تقدم القوات الأوكرانية، التي تستعد للهجوم المضاد منذ أشهر طويلة ومسلحة على أكمل وجه بفعل الدعم العسكري الغربي الهائل الذي تسلمته خلال الأشهر الأخيرة.
لكن المقاطع المصورة للسد تظهر أن عملية الاستهداف طالت الجزء العلوي منه وفي المنطقة الوسطى من السد، مما يرجح أكثر رواية الاستهداف بصواريخ، وليس رواية التلغيم بالمتفجرات.

أما فيما يتعلق بالهجوم المضاد، فقد كانت أوكرانيا قد أكدت، الإثنين، 5 يونيو/حزيران، عن تنفيذ "عمليات هجومية" في بعض قطاعات الجبهة، معلنة عن إحراز "تقدم" في منطقة شمال باخموت. وكتبت نائبة وزير الدفاع الأوكراني، غانا ماليار، على تليغرام أن "العملية الدفاعية (لأوكرانيا) تشمل عمليات مضادة. من هنا، في بعض القطاعات، ننفذ عمليات هجومية". وأضافت أن "قطاع باخموت يبقى محور العمليات القتالية. نتقدم هناك على جبهة واسعة نسبيا ونحرز نجاحات ونحتل المرتفعات. العدو في موقع دفاعي".
أما روسيا فقد أكدت أنها صدت هجوماً واسع النطاق في شرق أوكرانيا وجنوبها، مشيرة الى أنها كبّدت الأوكرانيين خسائر جسيمة في العديد والعتاد. لكن المسؤولة الأوكرانية في وزارة الدفاع لم تُدل بأي معلومات عن القرى الواقعة جنوب منطقة دونيتسك وتلك المجاورة لزابوريجيا، حيث أكدت موسكو أنها صدت الجنود الأوكرانيين.
وبينما تحافظ أوكرانيا على صمتها بشأن خططها الفعلية للهجوم المضاد، يتوقّع خبراء وجنود روس أن تصعّد القوات الأوكرانية هجماتها لجس النبض، قبل إطلاق الهجوم الكبير، وفي السياق يرى البعض أن تفجير سد نوفا كاخوفكا قد يكون الهدف منه تشتيت الانتباه عن النوايا الحقيقية للهجوم المضاد.
إذ نفذت القوات الأوكرانية هذا السيناريو من قبل في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، عندما أعدّ الجيش الأوكراني سراً هجوماً أفضى إلى استعادة منطقة خاركيف (شمال شرق) بأكملها تقريباً، بينما كان الحديث يتجه نحو الهجوم على خيرسون في الجنوب.