تفصل أيام قليلة نحو 65 مليون ناخب تركي عن التوجه إلى صناديق الاقتراع في 14 مايو/أيار لانتخابات الرئيس رقم 13 في تاريخ تركيا، إلى جانب أعضاء الدورة الـ28 من البرلمان؛ البالغ عددهم 600 نائب.
ومع اقتراب الانتخابات يوماً بعد آخر تتركز الوعود الانتخابية للأطراف المتنافسة من الحكومة والمعارضة على جانب الاقتصاد من ناحية ومهاجمة الرؤية الاقتصادية للطرف الآخر من ناحية أخرى.
ظهر ذلك في إشادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة خلال تجمع انتخابي في ولاية "غيرسون" شمالي تركيا بانخفاض نسب التضخم في البلاد من 50 إلى 43%، مؤكداً سعيه وفريقه لخفض الأسعار إلى مستويات تتفق مع مستويات الدخل الخاصة بالمواطنين خلال الفترة القادمة.
وأعلن أردوغان كذلك عن تشكيل لجنة اقتصادية بقيادة نائب رئيس الوزراء ووزير المالية التركي الأسبق والخبير في البنك الدولي محمد شيمشك لدراسة المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد التركي والعمل على حلها في أسرع وقت.
وقدم أردوغان العديد من الوعود الاقتصادية للشباب ولشرائح المجتمع التركي كافة، كان من بينها توفير الغاز الطبيعي لكافة المنازل لمدة عام يبدأ من شهر أبريل/نيسان الماضي، إلى جانب وعود أخرى بتسهيل الزواج والمنح التعليمية للشباب.
في المقابل، قدم كليجدار أوغلو مرشح تحالف الأمة المعارض للانتخابات الرئاسية في مقطع مصور عبر حسابه على تويتر؛ علي باباجان رئيس حزب الديمقراطية والتقدم كمسؤول عن الملف الاقتصادي؛ حال فوز المعارضة في الانتخابات القادمة.
وأشاد كليجدار أوغلو خلال المقطع المصور بالإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي يتمتع بها وزير الاقتصاد التركي السابق في حكومتي العدالة والتنمية الأولى والثانية.
إلى جانب ذلك وعد مرشح تحالف الأمة المعارضة؛ بجلب 300 مليار دولار استثمارات إلى تركيا خلال سنوات حكمه الخمس؛ حال نجاحه في الانتخابات الرئاسية المقررة في 14 مايو/أيار القادم.
البصل في مواجهة حاملة الطائرات
وأمام اهتمام تحالف الشعب بقيادة أردوغان، وتحالف الأمة المعارض بقيادة كليجدار أوغلو بالملف الاقتصادي؛ يقود أردوغان حملته الانتخابية عبر العديد من المشروعات العملاقة كأول حاملة طائرات محلية الصنع، إلى جانب أول طائرة مقاتلة تركية وأخيراً افتتاح أكبر نفق في أوروبا بولاية طرابزون شمالي البلاد.
على الجهة الأخرى، تركز المعارضة على ارتفاع الأسعار خاصة أسعار البصل؛ الذي لم يجده المواطنون لفترة طويلة في الأسواق، إلى جانب زيادة مستوى الفقر بين فئات الشعب التركي.
كان من ذلك المقطع الأخير الذي شاركه كليجدار أوغلو عبر حسابه على تويتر؛ مؤكداً فيه أن الفقير ازداد فقراً في عهد أردوغان.
واقع الاقتصاد
يرى دينيز استقبال الباحث الاقتصادي في مركز سيتا للدراسات؛ أن هناك العديد من العوامل التي أثرت بشكل كبير في الاقتصاد التركي؛ مثل وباء كورونا والحرب الروسية على أوكرانيا؛ إلى جانب كارثة الزلازل التي ضربت 11 ولاية تركية جنوبي البلاد.
وأضاف استقبال في حديثه لـ"عربي بوست" أن هذه العوامل رفعت نسب التضخم العالمي إلى أرقام قياسية، حتى وصل في بعض الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية إلى رقمين، واشتد التضخم في ألمانيا؛ حتى وصل إلى أرقام الحرب العالمية الثانية.
وتابع الباحث الاقتصادي أن تركيا في مواجهة تلك المخاطر بدأت نموذجاً اقتصادياً في الربع الأخير من عام 2021؛ يركز على الإنتاج والتوظيف. لكنَّ مشكلة هذا النموذج جاءت – بحسب الباحث التركي – على حساب التضخم؛ الذي ارتفع مطلع العام الجاري إلى 85%؛ بسبب انخفاض قيمة الليرة التركية والتضخم العالمي.
وأضاف استقبال أن الدمار والتكلفة الاقتصادية الناجمة عن الزلزال سيكون لها تأثير سلبي على الاقتصاد لفترة زمنية معينة؛ خاصة أن المنطقة المنكوبة تحتل مكاناً مهماً في الاقتصاد التركي.
فهذه المدن – بحسب استقبال – تمثل ما يقرب من 10% من الدخل القومي و8% من الصادرات، ويوجد بها ما يقرب من 3 ملايين وظيفة باتت في وضع حرج، ويبلغ دخلها القومي أكثر من 100 مليار دولار، وتبلغ صادراتها 20 مليار دولار.
الناخب التركي
يرى الباحث التركي بيرول أكغون، المتخصص في الاقتصاد السياسي أن العوامل الاقتصادية لها تأثير كبير ومهم على سلوك الناخب الجماعي في تركيا.
ويقول الباحث التركي في دراسة له حول "تأثير الوضع الاقتصادي على تصويت الناخبين" إن الناخبين يتصرفون بشعور الانتقام أو المكافأة في الانتخابات التركية.
وأضاف أكغون في دراسته أن الجمهور يتأثر بشكل مباشر بالتطورات الاقتصادية، ولذلك فإنهم يحمّلون الحكومة المسؤولية المباشرة عن التطورات الإيجابية أو السلبية للاقتصاد وأسعار السلع الأساسية.
وبينما يكافئ الناس السياسيين على التطورات الاقتصادية الإيجابية بأصواتهم في صناديق الاقتراع، فإنهم يعاقبونهم كذلك بالأمر نفسه حال تفاقم المشكلات الاقتصادية، وارتفاع الأسعار.
وبحسب دراسة أكغون، فإن تصويت المواطنين للحكومات التركية يختلف وفقاً لتحركات الأسعار في الاقتصاد، ويمنح النمو الاقتصادي الحكومات ميزة في الحفاظ على سياساتها السياسية والاقتصادية واستمرارها.
وترى الدراسة أن نتائج انتخابات 22 يوليو/حزيران 2007، أثبتت أن الاقتصاد السياسي له تأثير كبير على توجهات الناخبين، وذلك بعد نظرة الناخبين الإيجابية إلى تطبيقات السلطة السياسية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في مجال الاقتصاد؛ ولذلك منح الشعب تأشيرة الاستمرار للحكومة في صناديق الاقتراع.
وأثبتت هذه الانتخابات – بحسب دراسة أكغون – أن الاقتصاد يحتل المرتبة الأولى بين أسباب التصويت في استطلاعات الرأي العام؛ حينما ذهب الناس إلى صناديق الاقتراع، مع إعطاء الأولوية للمخاوف الاقتصادية ثم الأمنية.
وكان من نتاج تلك الانتخابات بحسب الدراسة؛ تحول حزب العدالة والتنمية إلى الحزب الأول في تركيا من خلال زيادة أصواته، وهو الأمر ذاته الذي حدث مع حزب الحركة القومية الذي ارتفعت أصواته بشكل كبير مقارنة بانتخابات عام 2002.
كما أظهرت دراسة أكغون أن الناخبين يظهرون حساسية أكبر تجاه القضايا التي تؤثر على حياتهم بشكل مباشر، وذلك على عكس الاهتمام بموضوعات المناقشة التي تهتم ببعض شرائح المجتمع.
الاقتصاد والمترددون
من جانبه، يرى الباحث التركي مارت حسن أكغون أن الحملات الانتخابية لمختلف الأحزاب التركية سيكون لها الدور الكبير في جذب شريحة المترددين للتصويت لهم في صناديق الاقتراع.
وأوضح الباحث التركي في حديثه لـ"عربي بوست" أن شريحة المترددين في تركيا تقدر بنحو 10% من أصوات الناخبين؛ بما يقارب 6.5 مليون ناخب، وهو رقم ليس بالقليل في حسم نتائج الانتخابات.
وتابع أكغون أن المحرك الأساسي لهذه الشريحة هو ملف الاقتصاد ومدى قدرة كل طرف في الانتخابات القادمة على تقديم روشتة علاجية فعلية وذات فاعلية للأزمة الاقتصادية التي تحياها البلاد خلال الفترة القادمة.
وأشار الباحث التركي إلى أن أصوات هذه الشريحة من المجتمع التركي تتغير وفق متغيرات السوق وأسعار المواد الغذائية الأساسية حتى يوم الانتخابات؛ وبالتالي لن تحسم هذه الفئة توجهها في الانتخابات القادمة إلا أمام صندوق الاقتراع.