“200 جندي مجرد بداية”.. ما خطورة إرسال أمريكا المزيد من قواتها إلى تايوان بالنسبة للصين؟

عربي بوست
تم النشر: 2023/03/03 الساعة 13:30 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/03/03 الساعة 13:40 بتوقيت غرينتش
أفراد من مشاة البحرية في تايوان يجرون تدريبات برمائية على شواطئ الجزيرة/ رويترز

تخطط الولايات لزيادة قواتها العسكرية في تايوان من نحو 40 عسكرياً إلى ما بين 100 و200 عسكري أمريكي في وقت قريب، بحسب ما ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، والتي أشارت الأسبوع الماضي، إلى أن القوات الإضافية ستصل في الأشهر المقبلة. وبذلك يكون عدد القوات الأمريكية في تايوان قد تنامى باطراد في العامين الماضيين من نحو 20 جندياً في بداية عام 2021 إلى ما يقرب من 10 أضعاف هذا العدد بحلول منتصف هذا العام.

جاءت تلك الأنباء في أعقاب اجتماع رفيع المستوى بين مسؤولين من الولايات المتحدة وتايوان في واشنطن يوم الثلاثاء الماضي 21 فبراير/شباط 2023. وأوردت تقارير أخرى أن تايوان سترسل 500 جندي للتدريب في الولايات المتحدة.

إرسال قوات أمريكية إلى تايوان.. المزيد قادم في الطريق

يقول تقرير لموقع The Responsible Statecraft الأمريكي، مع أن العدد الإجمالي لتلك القوات لا يزال صغيراً، فإن التحركات تُنبئ عن زيادة كبيرة في التعاون بين الحكومتين، وتنذر بعمليات انتشار أكبر في المستقبل. فقد وصف تقرير الصحيفة الأمريكية هذه الزيادة بأنها "أكبر انتشار للقوات الأمريكية في تايوان منذ عقود". 

ولئن كانت الولايات المتحدة وتايوان يجمعهما بعض التعاون العسكري والعلاقات غير الرسمية منذ زمن طويل، فإن الاختلاف الآن أن هذه العلاقات قد توثقت وصارت أكثر علنية، ما يجعل من الصعب على الحكومة الصينية تجاهلها.

وزعم تقرير الصحيفة الأمريكية أن الولايات المتحدة كانت تحاول إخفاء أكبر قدر ممكن من حضورها العسكري في تايوان عن أعين الجمهور، وقد "بذلت وزارة الدفاع الأمريكية جهوداً لعدم نشر" الأخبار المتعلقة بالبرنامج التدريبي للقوات التايوانية. وذلك على الرغم من أن المواطنين الأمريكيين يحق لهم أن يكونوا على دراية بنشاط الإدارة الأمريكية في هذا السياق، كما أن الكونغرس الأمريكي ينبغي له أن يناقش الآثار المحتملة لهذه القرارات.

تناقض البيت الأبيض حيال أزمة تايوان والصين

يتوافق الحضور المتزايد للقوات الأمريكية في تايوان مع التصريحات العلنية لإدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في دعم تايوان على مدار العامين الماضيين. فقد قال الرئيس الأمريكي مراراً إنه سيرسل قوات أمريكية للدفاع عن تايوان إذا شنَّت الصين هجوماً عليها. وتنطوي تلك التصريحات على قدر من التناقض، ففي الوقت الذي يصر فيه مسؤولو الإدارة على الزعم بعدم وجود تغييرات في سياسة الولايات المتحدة حيال نزاع الصين وتايوان، فإن الأفعال تشي بخلاف ذلك.

من جانب آخر، بدت الحكومة التايوانية متوترة بشأن الإعلان عن زيادة القوات الأمريكية فسارعت إلى الاستدراك بأن هذه القوات لن تتمركز هناك على نحو دائم.

في الوقت الذي تكثف فيه الولايات المتحدة مساعيها لمساندة تايوان، فإنها تخاطر بإلحاق المزيد من الضرر بالعلاقة مع الصين، وبتعويق قدرتها على تعزيز المصالح الأمريكية في عدد كبير من القضايا، مثل الحدِّ من التسلح وقضية التغير المناخي. 

علاوة على ذلك، فإن زيادة الانتشار العسكري الأمريكي في تايوان ربما تستدعي مجابهة صينية تأتي في هيئة تصعيد للحرب الاقتصادية والتدريبات العسكرية، ما قد يزيد مخاوف تايوان ويرفع من تكاليف التأهب.

هل تتراجع أمريكا عن سياسة "الصين الواحدة"؟

في الوقت نفسه، فإن الجمع بين زيارة رئيس مجلس النواب الأمريكي كيفِن مكارثي، المتوقعة إلى تايوان في الربيع وهذه التحركات، قد يؤدي بالأمور إلى مواجهة أخرى بلا داعٍ كما يقول موقع The Responsible Statecraft الأمريكي. وما دامت هذه الإجراءات تُدل على أنها تراجع من الجانب الأمريكي عن الالتزام بسياسة الصين الواحدة، فإنها تجعل الوضع العام أقل استقراراً.

يُذكر أن كل ذلك يأتي في سياق من تزايد التوترات عموماً في المنطقة وتنامي الاحتشاد العسكري الأمريكي في الفلبين وغيرها. وعلى الرغم من الآمال القصيرة بتحسن العلاقات وتجاوز الآثار السيئة لزيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكية السابقة إلى تايوان الصيف الماضي، فإن كل محاولة لإصلاح العلاقات أُجهضت قبل أن تبدأ.

بعد ذلك توالت حادثة منطاد التجسس الصيني، والمبالغات التي أعقبتها، ثم قرار الإلغاء لزيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى بكين، فكشفت هذه الأمور كلها أن الحوادث والأخطاء التي تصدر أحياناً عن القوى الكبرى صارت سبباً مباشراً للذعر والهلع، ولم تعد مشكلات يُمكن تداركها.

والحال كذلك، فإن الأنشطة المعتادة التي لم تكن تعطل العلاقات الثنائية في الماضي قد تُرى الآن استفزازات للطرف الآخر، وتستدعي منه رداً قوياً يزيد من تفاقم التوترات. وقد أظهرت حادثة المنطاد ضعف الاستعداد لدى الحكومات فيما يتعلق بإدارة الأزمات، فضلاً عن أن لجوء الإدارة الأمريكية إلى إلغاء الاجتماعات الدبلوماسية أمرٌ لا يبعث على الثقة بأن المشكلات من هذا النوع يمكن تجاوزها بأمان.

العلاقات الأمريكية الصينية في أسوأ أحوالها

في غضون ذلك، فإن العلاقات الأمريكية الصينية في أسوأ حال لها منذ أوائل التسعينيات على الأقل، إن لم يكن منذ تطبيع العلاقات في عام 1979. فقد شهدت هذه المدة الطويلة المعروفة بمرحلة "الانفراج الدولي" توترات متواصلة في العلاقات بين البلدين، لكن رغبة الجانبين في الإبقاء على روابط مستقرة ومثمرة كانت لها السيادة، ولم تكن الأزمات تُجاوز أن تكون نكسات مؤقتة. أما اليوم، فإن سياسة الانفراج الدولي حلَّ مكانها سياسة التنافس والاحتواء، ما يعني أن كل حادثة قد تزيد من تدهور العلاقات السيئة بالفعل.

ومن أحدث مصادر التوتر الاتهام الأمريكي للحكومة الصينية بأنها تفكر في تقديم مساعدات لروسيا في حربها على أوكرانيا، وهو أمر أنكرته بكين إنكاراً حاداً. ولا يُستغرب تقاذف الاتهامات بهذه الطريقة في ظل أن "منافسة القوى العظمى" من هذا النوع تقوم على تسجيل النقاط المتبادل وليس العمل على إلغاء التصعيد.

في الجملة، يجدر بالولايات المتحدة أن تعمل على تقليل التوترات مع الصين، ويعني ذلك بالتأكيد تجنب الإجراءات الاستفزازية فيما يتعلق بتايوان. وقد سعت جيسيكا تشن فايس، خبيرة العلاقات الأمريكية الصينية، إلى تهدئة الأمور في مقال افتتاحي لها بصحيفة The Washington Post، فكتبت: "في هذه الأجواء التي يغلب عليها الارتياب الشديد، يجب أن تصاحب التصريحات إجراءات منسقة ومتبادلة للتقليل من مخاطر الوقوع في أزمة كارثية".

والخلاصة أنه لا يكفي القول إن الولايات المتحدة لا تسعى إلى الصراع ولا ترغب في حرب باردة جديدة، بل يتعين عليها أن تعضد هذه التصريحات بسياسةٍ تقوم على ضبط النفس في أفعالها وحديثها عن العلاقات مع الصين. 

ومنعاً لمزيد من التوترات بشأن تايوان، يجب على واشنطن أن تقلل اهتمامها بتعزيز قوتها العسكرية في المنطقة، وأن تعتني بدلاً من ذلك بطمأنة الحكومة الصينية إلى أنها لا تسعى إلى تغيير الوضع الراهن الذي حافظ على السلام في المنطقة لأكثر من 40 سنة.

تحميل المزيد