هل انزلقت قدم أمريكا في حرب أوكرانيا دون أن تشعر؟ نعم، وقد تتحول إلى مستنقع مثل فيتنام

عربي بوست
  • ترجمة
تم النشر: 2023/01/25 الساعة 14:08 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/01/25 الساعة 14:09 بتوقيت غرينتش
الرئيس الأمريكي جو بايدن / رويترز

"قواتنا ليست منخرطةً في الصراع ولن تنخرط فيه"، هكذا أكد جو بايدن للأمريكيين والعالم في بداية حرب أوكرانيا، لكن بعد نحو عام، يبدو أن قدم واشنطن قد انزلقت تدريجياً، فهل تتورط في فيتنام أخرى؟

الإجابة يرصدها تقرير لمجلة Responsible Statecraft الأمريكية عنوانه "هل اتّسع نطاق المهمة؟ هكذا تصاعد الدور الأمريكي ببطء داخل أوكرانيا"، يتناول كيف تواجه الولايات المتحدة صعوبةً في الخروج من الصراعات بعد التورط فيها عسكرياً، ناهيك عن تجنب التشابكات العميقة التي تتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها لنفسها في بداية التدخل.

فعلى الرغم من اقتراب الحرب من دخول عامها الثاني ومعاناة العالم أجمع، بما فيها الغرب، من تداعياتها الكارثية، لا توجد خطوات جدية من جانب إدارة جو بايدن للتفاوض مع روسيا بشأن حل دبلوماسي يوقف الهجوم الروسي على أوكرانيا، كما أن واشنطن تؤكد مراراً أنه لا نية مطلقاً للدخول في حرب مباشرة مع موسكو، وأصبح الهدف هو إلحاق الهزيمة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نهاية المطاف.

عمليات عسكرية أمريكية داخل روسيا

استراتيجية الولايات المتحدة في التعامل مع أكبر حرب تشهدها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أصبحت الآن واضحة، وهي كان كثير من المحللين يرونها "مقامرة مرعبة لإدارة بايدن"، ويحذرون منها منذ اندلعت الحرب، بحسب تحليل سابق لمجلة Responsible Statecraft ذاتها.

ويقارن التقرير بين ما حدث في فيتنام وأفغانستان من قبل وما يحدث في أوكرانيا الآن؛ إذ تزحف الولايات المتحدة وحلف الناتو رويداً رويداً في اتجاه السيناريو الكارثي الذي قال الرئيس جو بايدن إن "علينا الكفاح من أجل تفاديه"، ألا وهو سيناريو الصراع المباشر بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث أكّد في بداية الحرب على أن "قواتنا ليست منخرطةً في الصراع ولن تنخرط فيه".

لكن قال عدد من المسؤولين الاستخباراتيين الأمريكيين الحاليين والسابقين لموقع The Intercept الأمريكي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إن "وجود أفراد العمليات الخاصة من وكالة الاستخبارات المركزية والجيش الأمريكي" داخل أوكرانيا أصبح أكبر بكثير الآن مقارنةً ببداية الهجوم، حيث يعكفون على تنفيذ "عمليات أمريكية سرية أوسع نطاقاً في الوقت الحالي" داخل البلاد.

وتشمل تلك العمليات السرية ما نقله المحقق الصحفي وضابط القوات الخاصة الأمريكية السابق، جاك ميرفي، في الـ24 من ديسمبر/كانون الأول دون أن يحظى باهتمامٍ إعلامي كبير.

حيث تحدث ميرفي عن تعاون وكالة الاستخبارات المركزية مع وكالة استخباراتية من إحدى دول حلف الناتو، وذلك لتنفيذ عمليات تخريبية داخل روسيا، مما يُفسر الانفجارات غير المفهومة التي ضربت البنية التحتية الروسية طوال الحرب. ولا شك أن مثل هذه الأنشطة تقربنا على نحوٍ خطير من اندلاع مواجهة مباشرة بين الناتو وبين روسيا.

القوات الأوكرانية في شرق البلاد – رويترز

وفي الوقت ذاته، اجتازت الولايات المتحدة ودول الناتو الخطوط الحمراء التي فرضوها على أنفسهم تدريجياً، وذلك في ما يتعلق بنقل الأسلحة؛ إذ حذّرت صحيفة New York Times الأمريكية من إمدادات الأسلحة العلنية في بداية الحرب، وقالت إن مجرد نقل الأسلحة الصغيرة والخفيفة "يمثل مخاطرة بالتشجيع على اندلاع حرب أوسع ومواجهة الانتقام المحتمل" من جانب موسكو.

بينما استبعد مسؤولو الولايات المتحدة تسليم أسلحة أكثر تقدماً باعتبارها خطوةً تصعيديةً للغاية، لكن إدارة بايدن لم تستغرق أكثر من شهرين قبل البدء في إرسال تلك الأنواع الأخطر من الأسلحة عالية القوة.

كيف تطورت إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا؟

وبدأت الولايات المتحدة بحلول نهاية مايو/أيار في إرسال أنظمة الصواريخ أيضاً، وهي الأنظمة التي كانت تعتبرها تصعيديةً للغاية قبلها بأسبوعين. وأرسلت الولايات المتحدة أنظمة الصواريخ بشرط عدم استخدامها في ضرب الأراضي الروسية، نظراً لأنهم كانوا يخشون اندلاع تصعيدٍ يجر أقدام الناتو إلى الصراع.

لكنهم تجاوزوا ذلك الخط الأحمر أيضاً بنهاية المطاف، حيث اعترف البنتاغون في أواخر ديسمبر/كانون الأول بأنه أعطى أوكرانيا الضوء الأخضر لمهاجمة أهدافٍ داخل روسيا، وذلك رداً على استهداف موسكو للبنية التحتية الأوكرانية.

بينما أوضح مسؤول دفاعي لصحيفة The Times البريطانية قائلاً: "تغيّرت درجة الخوف من التصعيد مقارنةً ببداية الصراع"، حيث أصبح البنتاغون أقل قلقاً بعد تراجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن تهديداته النووية في أكتوبر/تشرين الأول.

ومع تعطُّل جهود الحرب الأوكرانية وإحراز القوات الروسية لتقدمٍ طفيف، تصاعدت وتيرة نقل أسلحة الناتو لتتجاوز المعدلات التي كانت تخشاها الحكومات قبل بضعة أشهر، وذلك بدعوى أنها كانت ستجر التحالف إلى حرب مباشرة مع روسيا.

وأصبحت الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية ترسل المركبات المدرعة إلى أوكرانيا اليوم، مع تقارير تفيد بتجهيزها لإرسال دبابات أيضاً. فيما تنبّأ وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف باحتمالية حصول بلاده على المزيد من الأسلحة في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

أنظمة صواريخ هيمارس الأمريكية تدخل إلى أوكرانيا عبر الحدود مع بولندا، تموز 2022 wikimedia commons

حيث قال لمجلة The New Yorker الأمريكية آنذاك: "عندما كنت في واشنطن قبل بدء الهجوم خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني، طلبت الحصول على أسلحة ستينغر لكنهم أخبروني أن الأمر مستحيل. وأصبح الأمر ممكناً الآن. وعندما طلبت الحصول على مدافع من عيار 144 ملم، أخبروني أن الإجابة هي لا. وقالوا إنني لن أحصل على أنظمة صواريخ هيمارس أو هارم. لكن الإجابة أصبحت نعم الآن. لهذا أنا على ثقة في أننا سنحصل على صواريخ أتاكمز وطائرات إف-16 قريباً".

وسنرى كم سيمضي من الوقت قبل أن يختفي رفض الولايات المتحدة لهذا النوع من المساعدات العسكرية، كما كان الحال مع الأسلحة التي جرى إرسالها في السابق. وسنرى إلى متى ستحافظ الإدارة على رفضها إرسال الطائرات المسيرة بعيدة المدى، التي يضغط عدد من نواب مجلس الشيوخ في الحزبين حالياً من أجل إرسالها، والتي حذر المسؤولون الروس صراحةً من أنها ستحول واشنطن إلى "طرفٍ مباشرٍ في الصراع".

هل تتحول أوكرانيا إلى فيتنام أخرى؟

وبالتبعية اتسعت أهداف الحرب مع توسُّع نوعية الأسلحة المستخدمة فيها، إذ تركزت الأهداف الأولية للتحالف على مساعدة أوكرانيا في الدفاع عن استقلالها وسيادتها، وذلك عن طريق دحر الهجوم الروسي العازم على تغيير النظام.

لكن بعد مُضي شهرين، بدأ المسؤولون الأمريكيون في الحديث علناً عن "النصر" وعن إلحاق "هزيمة استراتيجية" بروسيا وتركها في حالة "ضعف". وتعهّد بايدن مراراً بدعم أوكرانيا "مهما تطلب الأمر من وقت"، رغم توضيح زيلينسكي وغيره من المسؤولين أن هدفهم الآن أصبح ينصب على استرداد القرم.

وغاب الحديث عن الدبلوماسية بالكامل تقريباً في أوساط المعلقين الأمريكيين، لتحتل الواجهة أصوات الدعوات المطالبة بتصعيد جذريٍ لمشاركة الناتو، وذلك بهدف تحقيق النصر الأوكراني. وجاءت تلك الدعوات بحجة أن أي نتيجة أخرى ستمثل ضربةً وجوديةً للغرب وللنظام العالمي الليبرالي ككل.

ويبدو منذ الأسبوع الماضي أن إدارة بايدن أصبحت مستعدةً لاجتياز أحد خطوطها الحمراء الرئيسية؛ إذ نقلت صحيفة New York Times أن المسؤولين الأمريكيين يدرسون بجديةٍ إعطاء أوكرانيا الضوء الأخضر لمهاجمة القرم، رغم إقرارهم بمخاطر الرد النووي التي ستنطوي عليها خطوة كهذه. لكنَّ المسؤولين أفادوا للصحيفة الأمريكية بأن المخاوف من تصعيد كهذا "قد تراجعت".

ولا شك أن تصعيد دعم الولايات المتحدة وحلف الناتو لأوكرانيا عسكرياً سيخلق الدافع الذي تريده موسكو لاتخاذ خطوةٍ يائسةٍ عدوانية، وذلك من أجل إظهار مدى جديتها حيال خطوطها الحمراء، بحسب المجلة الأمريكية.

باتريوت
أنظمة باتريوت الأمريكية المضادة للصواريخ والطائرات – رويترز

ومن المؤكد أن تلك الخطوة ستكون خطيرةً في أفضل الأحوال، وخاصةً لأن المسؤولين الروس أوضحوا أنهم ينظرون للحرب باعتبارها حرباً ضد الناتو ككل، وليس ضد أوكرانيا بمفردها، كما هدد المسؤولون الروس بالرد النووي على تصعيد التحالف لعمليات نقل الأسلحة.

ولم تعد حكومات الناتو تروج للصراع أمام شعوبها باعتباره جهداً محدود النطاق لمساعدة دولةٍ في ردع هجوم جارتها، بل يصورون الصراع بمثابة معركة وجودية من أجل بقاء الغرب. وتنعكس هذه الصورة في رؤية القيادة الروسية المتطورة للحرب، التي يرون فيها معركةً من أجل البقاء ضد القوى الغربية العدوانية. ويُذكر أن كل هذه الأحداث تتكشف الآن رغم تأييد إدارة بايدن العلني للدبلوماسية أواخر العام الماضي.

وإذا كانت النية هي إبقاء الحرب داخل نطاقٍ إقليمي محدود بين دولتين متجاورتين، مع لعب الناتو لدورٍ داعم هامشي فقط، فلا شك أن جميع الاتجاهات المذكورة أعلاه تشير إلى المسار المعاكس تماماً.

وبالتالي فإنه إذا لم يبذل المسؤولون جهوداً مشتركة للتهدئة وسلك المسار الدبلوماسي، من المؤكد أن وعود بايدن بتفادي الحرب العالمية الثالثة ستكون أشبه بوعود الرئيس جونسون عام 1964، عندما وعد بعدم "إرسال أبناء أمريكا في رحلة تبعد تسعة أو عشرة آلاف ميل عن أرض الوطن، من أجل فعل الشيء الذي يتعين على أبناء آسيا فعله بأنفسهم"، قبل أن تتحول فيتنام إلى المستنقع الأمريكي الأول بعد الحرب العالمية الثانية، وإن لم يكن الأخير.

تحميل المزيد