كيف هي الحياة في العاصمة الليبية طرابلس قبل أسابيع قليلة من انتخابات رئاسية محتملة لا أحد يعرف إذا ما كانت ستأتي بالاستقرار أخيراً؟
وبعد مرور أكثر من عام ونصف العام على فشل هجوم خليفة حفتر، زعيم ميليشيات شرق ليبيا على العاصمة، والذي تسبب في تدمير بنيتها التحتية بالكامل، يبدو أن طرابلس تولد من جديد، بحسب تقرير لمجلة The Africa Report الفرنسية، عنوانه "طرابلس.. مدينة ليبية تضج بالحياة مرة أخرى"، رصد آراء أهالي طرابلس فيما تنتظره البلاد من استحقاقات انتخابية.
ومن المقرر أن تجرى الانتخابات الرئاسية، في 24 ديسمبر/كانون الأول المقبل، وتليها مباشرة الانتخابات البرلمانية، وأعلنت مفوضية الانتخابات في ليبيا فتح باب الترشح رسمياً، على أن يستمر الباب مفتوحاً للراغبين في الترشح للرئاسة حتى يوم 22 من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وحتى يوم 7 ديسمبر/كانون الأول بالنسبة للراغبين في الترشح للبرلمان.
هذه المواعيد والإجراءات نتجت عن المسار السياسي الحالي المسمى ملتقى الحوار الليبي، والذي رعته الأمم المتحدة بعد فشل خليفة حفتر، الذي يسمي نفسه القائد العام للجيش الليبي، في احتلال العاصمة طرابلس، وفرض نفسه حاكماً عسكرياً على البلاد.
الكهرباء تنير منازل طرابلس أخيراً
خلال حصار طرابلس بين أبريل/نيسان 2019 ويونيو/حزيران 2020، كانت انقطاعات الكهرباء تستمر لأكثر من 12 ساعة. وأدى إنهاء القتال وجهود حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبية، إلى عودة تشغيل محطات الطاقة، وهو ما أسكت إزعاج المولدات، وإن كانت لا تزال في الأركان من باب الاحتياط فحسب.
لكن تقليل زمن انقطاعات الكهرباء وتحسين محطات الطاقة لم يكن الأمر الوحيد الإيجابي لسكان طرابلس، فقد كانت إعادة التأهيل العمراني هي أحد المشروعات الرئيسية الأخرى للدبيبة، ومرة أخرى لا يخوض القائد، المدعوم من مدينة مصراتة القوية التي ينحدر منها، في مزيد من التفاصيل حول هذا المشروع. أزيلت كل قطعة غير قانونية من البنى التحتية. وسويت بالأرض جميع الأسواق غير الرسمية التي ظلت مُقامة لأعوام، ومن بينها أحد الأسواق الذي كان مُقاماً بين البحر وبين فندق كورنثيا.
كان الهدف هو إفساح الطريق لعقد مؤتمر دعم استقرار ليبيا، الذي عُقد في 21 أكتوبر/تشرين الأول، في هذا الفندق الفاخر. لم تُتخذ أي قرارات، لكن الهدف تحقق، وهو جمع كبار الموفدين من أكثر من 30 دولة ومنظمة وإحضارهم إلى طرابلس، بدون وقوع أي حوادث. بحسب المنظمين، لم تمر أي فعالية بهذه السلاسة منذ عقد القمة الإفريقية الأوروبية في نوفمبر/تشرين الثاني 2010.

ورصد التقرير أيضاً عودة معمر القذافي إلى طرابلس، بشعره المجعد ووجهه المستهتر ووقفته الاستفزازية، أو على الأقل عودته إلى نوافذ المتاجر. بحسب أحد متاجر الكتب في وسط المدينة، حقق كتاب دولة الخيمة لمجاهد البوسيفي نجاحاً كبيراً ومبيعات كثيرة.
نُشر هذا الكتاب في الصيف الماضي، وهو لا يمجد الديكتاتور الراحل، لكن غلافه غير تقليدي، إذ يصور وجه القذافي عن قرب وهو في أوج سلطته، لم تطالب أي ميليشيا بحظر الكتاب، فكيف تغير الزمان، أو لعله ساخر فحسب.
يبدو أن طرابلس الليبية تستعيد حالة النشوة المحببة التي سادت في الأشهر الأولى لعام 2012، قبل الانتخابات التشريعية بقليل. فهل يُعزى السبب في هذا إلى أن أول حكومة أحادية منذ عام 2014 تأسست في مارس/آذار الماضي، أو يعود السبب في هذا إلى الحقيقة التي تقول إن أول انتخابات رئاسية يُنتظر عقدها قريباً؟
منحة الدبيبة لزواج الشباب
قال شيباني، مالك أحد المقاهي في منطقة بن عاشور، للمجلة: "سيف الإسلام، الرئيس، لم لا؟ يمكنني أن أصوت له، قد تكون الطريقة الأخيرة لتوحيد البلاد"، ولم ترمش عين الرجل وهو يتحدث.
ومع ذلك، يفضل الرجل إعطاء اسم مستعار له بدلاً من استخدام اسمه الحقيقي. ينحدر زبائنه الأساسيون من الشباب من غير ذوي الخبرة حول عهد الجماهيرية الليبية، ولا يرى هؤلاء مشكلة في التصويت لسيف الإسلام، غير أنهم يفضلون رئيس الوزراء الحالي عبد الحميد الدبيبة، الذي قرر بدون تفكير إعطاء منحة للمقبلين على الزواج، وهي منحة تبلغ قيمتها 40 ألف دينار (حوالي 8666 دولاراً)، إنه وعد بحياة جديدة.
يتحدث زياد عن زفاف حضره مؤخراً، إذ يقول: "بهذه الأموال استطاع الزوج شراء قطعة أرض من أجل منزلهم. لكنه إذا لم يحصل عليها، كان سيواصل ادخار الأموال ولم يكن سيتزوج".
غير أن الأشخاص الذين كانوا على طاولته بدوا حذرين. بعد شهرين من إطلاق البرنامج ظهرت تأجيلات في دفع الأموال وانتشرت بسرعة شائعات بوجود فساد، ومع ذلك يرحب الجميع بالمبادرة، ولا سيما الشباب الذين يرون أنفسهم دائماً وقود المدافع للمعارك المتنوعة التي تخللت حياة الليبيين منذ عام 2011. قال زياد: "وعلى الأقل هو موضوع حديث ألطف من انقطاعات الكهرباء".
وتأمل الحكومة أن تمحو 10 سنوات من المحاولات الفاشلة للتحول إلى حكومة ديمقراطية، ويعد موقع البناء في باب العزيزية تجسيداً لهذا، إذ إن الحفارات وعربات النقل تنشغل بالأعمال في المقر السابق للقذافي.

بعد تدميره عن طريق تفجيرات حلف الناتو في 2011، لم تقترب منه السلطات المتعددة منذ ذلك الحين، وبدلاً من ذلك تركوا هذه الندبة الخرسانية المنسحقة لتشوه العاصمة، التي صارت مركزاً لجميع أنواع التهريب وجاثوماً لعديد من العائلات الفقيرة. سوف يتحول هذا الموقع إلى متنزه ضخم، حيث تستطيع العائلات الاستمتاع بمفاتن الموقع.
قال عماد الشعاب، رئيس الهيئة الليبية لتنظيم سباقات الخيل: "الحياة تعود إلى طبيعتها بفضل رئيس الوزراء، نستطيع الانغماس مرة أخرى في أنشطتنا الاقتصادية وشغفنا". تحت إشراف رئيس الوزراء الليبي أعادت الهيئة إطلاق مسابقة الكأس الكبرى لقوس ماركوس أوريليوس، في 27 أكتوبر/تشرين الأول، بجائزة قدرها مليون دينار (حوالي 219527 دولاراً). ويضرب هذا مثالاً واحداً فحسب عن مدى جودة الحياة الآن في طرابلس.
ماذا يقول أهل طرابلس عن حفتر؟
لكن هناك جانب سلبي، نظراً إلى أن الانتخابات القادمة تخيف الفئات الأكثر اعتدالاً. يعتقد محمد رائد، رئيس الغرف التجارية الليبية وأكبر مُشغل في القطاع الخاص بليبيا، وهو أيضاً عضو برلماني، أن البلاد ليست متأهبة بعد لمثل هذه الانتخابات الرئاسية المسببة للانقسام، ويبدو أن الصور المنتشرة في جميع أنحاء طرابلس، التي تُظهر وجه الجنرال حفتر مع كلمات "حفتر، مجرم حرب" مع صليب أحمر، تُثبت أنه مُحق.
وعلى الجانب الآخر، ينظر الشرق الليبي إلى الدبيبة وفتحي باشاغا، وزير الداخلية الليبي السابق، نظرة سلبية، ويرون أن رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح كان أحد الجناة الرئيسيين في زعزعة الاستقرار الليبي منذ 2014، وأن عارف علي النايض، السفير الليبي السابق لدى الإمارات، هو بيدق في يد الدولة الخليجية.
ومن بين هذه الشخصيات الرئيسية في دوائر السياسة الليبية يبدو أن سيف الإسلام هو الأقل إثارة للانقسام، وذلك بحسب مالك المقهى، لكن المقابلة التي أجراها نجل القذافي هذا الصيف مع صحيفة The New York Times تشير إلى أنه ستكون هناك ردة فعل عنيفة خطيرة إذا انتُخب رئيساً للبلاد.

لا ينكر سيف الإسلام أياً مما أنجزه أبوه، فيما عدا "الاستخدام المفرط للقوة" من حين لآخر. يتذكر أهالي طرابلس كذلك أن العداوات التي أدت إلى انقسام البلاد بين الشرق والغرب بدأت بعد أن رفض المجلسان نقل سلطتهما بعد الانتخابات التشريعية التي عُقدت في عام 2014.
لكن تُذكّر هذه المنح السخية، أو مبادرة الدبيبة لزواج الشباب، بنوعية المحسوبية التي صارت القاعدة منذ وجود القذافي، بدلاً من الاستراتيجية الاقتصادية المدروسة جيداً. قال مصرفي محلي مشيراً إلى الدبيبة: "يمكن للدبيبة أن يتحملها. إنه قريب من محافظ المصرف المركزي، صادق الكبير، الذي يطبع النقود، وهو أيضاً عمه".
ويتجول عبد الفتاح سلامة بين الحطام الذي كان في يوم من الأيام منزله وحظيرة الدجاج الصناعية الخاصة به، وقد مُحيت بفعل الصواريخ والقذائف المضادة للدبابات، لم يحصل سلامة على شيء من الحكومة، بل دُمرت حياته خلال حصار حفتر.
الجانب المسلح من الصورة
وبعد أن كان يعيش حياة يسيرة ويربي 1.7 مليون دجاجة، صار ينام هو وعائلته في منازل أقاربهم. يقول سلامة: "أعتقد أننا وهؤلاء الذين فقدوا منازلهم بسبب الحرب يجب أن نكون أولوية الدولة بدلاً الشباب الذين يتزوجون".
السبب الوحيد الذي جعل وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، ونظراءه يزورون فندق كورنثيا، الذي جعل محبي الخيول يملأون المقاعد في مضمار أبي ستة لسباقات الخيل، هو أن الأمن يسود الآن في العاصمة.
لكن الجانب الآخر من هذه الصورة يُظهر عودة الميليشيات بكامل قوتها، وأبرزها المجموعات "الأجنبية". ليس هؤلاء من المرتزقة الروس ولا غيرهم من القوات الأجنبية أو الميليشيات -إذ يصعب رؤية هؤلاء في المدينة- بل بدلاً من ذلك توجد القوات المسلحة التي تنحدر من الجيشين القويين للمدينتين الغربيتين: الزنتان ومصراتة، أثناء وجود حكومة فايز السراج السابقة سيطرت كتائب طرابلس على الحواجز.
ومثلما كان الحال في أعقاب الثورة، تنقسم المدينة بين جماعات طرابلس المسلحة، وهي قوات مصراتة والزنتان، إذ تحوز كل قوة منطقتها الخاصة وتجارتها وشاراتها، التي تظهر على سيارات الدفع الرباعي.

ويقول رجل أعمال شاب ثري: "في ظل أنني أتلقى أوامر من ساكن جبال جاهل من الزنتان، بأن أتحول عن هذا الطريق أو ذاك لأنه مغلق، حتى إذا كان ذلك في منطقتي، فإن مدينتي لم تعد تحتمل".
بينما كانا يمران عبر شوارع طرابلس، بدا أيمن السعيد، من الزنتان، وعبد المطلب محمد، من مصراتة، غير سعيدين بما يشاهدانه. كلا الرجلين في الـ30 من عمره، وكلاهما جندي سابق. شارك الرجلان تقريباً في الحرب كلها منذ الثورة، أحياناً كتفاً إلى كتف، أو في أحيان أخرى في مواجهة بعضهما. والآن تخلّيا عن السلاح وأدرج كلاهما اسمه في برنامج إعادة تدريبٍ، تديره منظمة غير حكومية تدعى Super Novae، وتموله فرنسا والاتحاد الأوروبي.
يقول عبد المطلب: "لقد استخدمونا، أبلغونا بأن نمسك بالسلاح، ولذا فعلنا، كان من النزاهة أن نقاتل ضد القذافي وضد داعش في سرت، ولكن عندما كان الأمر أن نطلق الرصاص على إخوتنا الليبيين، فمن أجل مَن كان ذلك؟"
أما أيمن فإنه مسرور لأنه نجح في إقناع أخيه بالعدول عن المشاركة في الحرب عام 2019 إلى جانب حفتر، لكن ما تبقى له هو قليل من الأوهام. قال أيمن: "فقدت ساقي في 2014، مرت 7 سنوات ولم يأت أي مسؤول ليقدم لي أي شيء". ومع ذلك لا يزال الرجلان، وكلاهما متزوج، يريد تصديق أن الانتخابات القادمة سوف تساعد ليبيا على فتح صفحة جديدة، وذلك من أجل مستقبل أطفالهما.