هل شجعت مزاعم ترامب بشأن التزوير جنرالات ميانمار على الانقلاب للسبب نفسه؟

عربي بوست
  • ترجمة
تم النشر: 2021/02/02 الساعة 12:44 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/02/02 الساعة 19:24 بتوقيت غرينتش
عرض عسكري لجيش ميانمار/ رويترز

التشابه الذي يصل حد التطابق بين المبررات التي ساقها الجنرالات في ميانمار كذريعة للانقلاب الذي أطاحوا من خلاله بالحكومة المدنية، وبين مزاعم تزوير الانتخابات التي أصر عليها دون دليل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، من الصعب ألا تلفت الأنظار وتثير القلق.

إذ أُجريت الانتخابات في ميانمار، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وهو الشهر نفسه الذي أُجريت فيه الانتخابات الأمريكية، وردَّد ترامب مزاعمه بشأن تزوير الانتخابات لصالح منافسه الرئيس الحالي جو بايدن، دون أن يقدم دليلاً تقبله المحاكم بدرجاتها المختلفة، وصولاً إلى المحكمة العليا في البلاد، وهو أيضاً ما ردده قادة الجيش في ميانمار بشأن نتيجة الانتخابات التي شهدت فوزاً ساحقاً لحزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بزعامة أونغ سان سوتشي.

بايدن جو بايدن ملف الهجرة المهاجرين
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب/رويترز

ويرى فريق من المحللين، تحدثوا لمجلة Business Insider الأمريكية، أن مزاعم ترامب بتزوير الانتخابات أعطت "ذخيرة خطابية جديدة" للطغاة مثل جنرالات ميانمار، الذين قاموا بانقلاب سريع ومفاجئ، الإثنين 1 فبراير/شباط، وبرروه بمزاعمهم الخاصة بشأن تزوير الانتخابات.

انقلاب ببصمة "ترامبية" بامتياز

وفي هذا السياق صرّح فيل روبرتسون، نائب مدير قسم آسيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، لصحيفة USA Today، بأن مزاعم الجيش بحدوث مخالفات انتخابية "ترامبية خالصة، وجاءت دون دليل واضح وتستند إلى خطاب لم يصدقه أحد خارج الجيش ولو قليلاً"، وأضاف روبرتسون أن تأكيدات الجيش بأنه سيدعم انتخابات جديدة حرة ونزيهة "خدعة لا ينبغي تصديقها".

ومن الجائز أن كثيراً من الأمريكيين الذين استيقظوا على خبر الانقلاب العسكري في ميانمار، يوم الإثنين، قد تلقوا نبأ الإطاحة الجديدة بحكومة منتخبة ديمقراطياً من منظور مختلف عما كانوا معتادين عليه، في ضوء حدوثها بعد أسابيع قليلة من الاقتحام العنيف لمبنى الكونغرس من جانب أنصار ترامب، الذين سعوا للانقلاب على نتيجة الانتخابات أيضاً.

اعتقال مسؤول أمريكي على صلة بأحداث الكونغرس
أنصار ترامب يقتحمون الكونغرس/رويترز

وليس هذا باحتمال غريب في الواقع، إذ برر جنرالات ميانمار أيضاً انقلابهم بمزاعم مشابهة بشكل مخيف للمزاعم التي قامت عليها مساعي ترامب لإلغاء الانتخابات الأمريكية لعام 2020: أي مزاعم تزوير الانتخابات التي لا أساس لها.

ورغم اعتراف كثير من الخبراء بأن الديمقراطية في ميانمار لم تكن صلبة أو مستقرة من الأصل، فإنهم يرون أنه من الصعب تجاهل هذا التشابه بين الخطاب الذي ردده ترامب وأنصاره، ولا يزالون يرددونه في حقيقة الأمر، وبين خطاب جنرالات ميانمار.

وقال بريان كلاس، الخبير السياسي في جامعة كوليدج لندن، لموقع Business Insider: "لن يكون مستغرباً أن الجنرالات في ميانمار رأوا اتهامات ترامب الكاذبة بحدوث تزوير واسع النطاق بعد الانتخابات، وقرروا اللجوء إلى نهج مماثل، واستخدام المبرر نفسه لما كانوا يخططون لتنفيذه بالفعل: الاستيلاء على السلطة، وبذلك يكون ترامب قد أعطى لطغاة العالم ذخيرة خطابية جديدة يبررون بها أفعالهم الاستبدادية".

انقلاب ميانمار من منظور محلي

استخدام جنرالات ميانمار لذريعة تزوير الانتخابات دون أدلة لتبرير الانقلاب لا يمكن بالطبع تحميله بشكل كامل ووحيد لادعاءات الرئيس السابق للولايات المتحدة، إذ إن ميانمار أو بورما سابقاً كانت منذ استقلالها عن بريطانيا قبل أكثر من سبعة عقود ترزح تحت قبضة الحكم العسكري الديكتاتوري، ولم توضع أسس ديمقراطيتها الهشة في صورة دستور 2008 وإصلاحات عام 2011.

وفي هذا السياق، قال لوكاس مايرز، المساعد في برنامج آسيا التابع لمركز ويلسون، لموقع Business Insider: "رغم وجود بعض أوجه التشابه بين انقلاب ميانمار والمزاعم التي لا أساس لها بتزوير الأصوات في الولايات المتحدة، لا بد من النظر إلى الانقلاب في ميانمار على أنه ناشئ عن سياق محلي. فهو يُظهر بجلاء الحالة غير المستقرة للتحول الديمقراطي المضطرب في ميانمار ومدى محدودية عملية التحول الديمقراطي".

زعيمة ميامنار سو تشي انقلاب ميانمار
زعيمة ميانمار وقائد الجيش في البلاد/رويترز

وقد شهدت انتخابات ميانمار في نوفمبر/تشرين الثاني تعرض الحزب الممثل للجيش لهزيمة منكرة أمام حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية (NLD)، لكن الجيش زعم حدوث تزوير، وتنامت هذه المزاعم لتصل إلى التهديد بـ"التحرك" وبلغت ذروتها بانقلاب يوم الإثنين. ولم تجد لجنة الانتخابات في البلاد أي دليل يدعم مزاعم الجيش بتزوير الانتخابات، لكن الجيش أصر على أن إطاحة الحكومة جاء لأسباب قانونية ودستورية.

وقد اعتقلت أونغ سان سو تشي، زعيمة حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية والحاكم المدني الفعلي لميانمار، في وقت مبكر من يوم الإثنين مع مجموعة أخرى من كبار السياسيين. وأعلن الجيش حالة الطوارئ لمدة عام، وصرح بأنه سيُنظم انتخابات متعددة الأحزاب بعد نهاية هذا العام.

وكانت الكثير من دول العالم، ومنها الولايات المتحدة، قد شعرت بالتفاؤل حين أصبحت أونغ سان زعيمة مدنية لميانمار، بعد إجراء انتخابات برلمانية تاريخية عام 2015، لكن هذه الإصلاحات الديمقراطية الجديدة نسبياً في ميانمار لم تشمل وضع الجيش تحت السيطرة المدنية. وظل الجيش محتفظاً بقدر كبير من النفوذ، يشمل شغل ربع المقاعد البرلمانية بموجب دستور عام 2008.

على أن إرث أونغ سان المثير للانقسام يجسد الوضع المعقد للسياسة في ميانمار والتأثير المستمر للجيش. إذ ظلت أونغ سان قيد الإقامة الجبرية لمدة 15 عاماً، بسبب معارضتها للحكم العسكري في بلدها، وحصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1991 لمقاومتها السلمية للطغمة العسكرية، لكنها منذ أصبحت الزعيمة الفعلية لميانمار تعرضت لهجوم عالمي عنيف، بسبب تبريرها لحملة الإبادة الجماعية التي يشنها قادة الجيش على أقلية الروهينغا المسلمة.

إذ سافرت أونغ سان سو تشي إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، العام الماضي، ووقفت تدافع عن الجيش ضد ارتكاب إبادة جماعية بحق مسلمي الروهينغا. وأمام المحكمة، أصرّت دون بادرة اعتذار على أنه في حين "لا يمكن استبعاد احتمالية الاستخدام غير المتناسب للقوة" ضد الروهينغا، فإن استنتاج نية الإبادة الجماعية من طرف المحكمة يستند إلى "صورة منقوصة ومضللة للوقائع" التي جرت، وبلغ الأمر أن نشرت على صفحتها على موقع فيسبوك منشوراً تحت عنوان "اغتصاب مزيف"، مستبعدة على نحو صادم مزاعم الاعتداءات الجنسية المنظمة جيدة التوثيق ضد الروهينغا.

لكن لا يمكن استبعاد تأثير ترامب

إذ قال كلاس لموقع بيزنيس إنسايدر: "العلاقات المدنية-العسكرية في دولة عرضة للانقلابات مثل ميانمار معقدة. لم يكن دونالد ترامب السبب وراء الانقلاب في ميانمار، ولم يغير جوهر حسابات تاتماداو (جيش ميانمار) المتعلقة بقرارهم الاستيلاء على السلطة، لكن جنرالات الانقلاب والمخططين له يسترشدون بدول أخرى لتبرير العنف السياسي".

وفي هذا السياق كانت الدولة الأخرى التي استرشد جنرالات ميانمار بما حدث فيها كتبرير لانقلابهم هي المدافع الأول عن الديمقراطية في العالم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية التي تعرضت الديمقراطية فيها لأخطر تحدٍّ تواجهه منذ أصبحت القوة العظمى الأبرز على الساحة الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

فادعاءات تزوير الانتخابات التي ردّدها ترامب وكثير من المشرعين الجمهوريين وصدّقها قطاع عريض من أنصار الرئيس السابق كادت أن تؤدي لكارثة حقيقية يوم 6 يناير/كانون الثاني، حينما اندفع الآلاف من هؤلاء الأنصار نحو مبنى الكونغرس، حيث كانت جلسة التصديق على نتيجة الانتخابات تجري بالفعل، واقتحموا المبنى بشكل عنيف ومدمر، وسقط 5 قتلى، وتعطّلت الجلسة لساعات شهدت أحداثاً ستظل محفورة في أذهان الأمريكيين والعالم لسنوات طويلة قادمة.

الرئيس الأمريكي جو بايدن/رويترز

ولا شك أن هذه المعطيات وغيرها قد جعلت انقلاب ميانمار بمثابة الاختبار الجدي الأول الذي تواجهه إدارة جو بايدن، الساعية إلى استعادة دور الولايات المتحدة على المسرح الدولي كمدافع عن الديمقراطية والحكم المدني ورافض للانقلابات، وقد أصدر بايدن ووزير خارجيته أنطوني بلينكن بالفعل بيانات إدانة قوية للانقلاب، وتهديدات بفرض عقوبات ما لم يتراجع جنرالات ميانمار عن الانقلاب ويطلقوا سراح المسؤولين المدنيين، لكن مدى نجاح تلك الضغوط والتهديدات الأمريكية في تحقيق الهدف منها يظل محل تساؤل بالطبع، وستكشف عنه الأيام القادمة.

تحميل المزيد