أستراليا على خطى ترامب في مواجهة الصين، لكن هل تستطيع أن تتحمل غضب “الذئب المحارب”؟

عربي بوست
تم النشر: 2020/09/09 الساعة 15:59 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/09/13 الساعة 11:24 بتوقيت غرينتش

على الرغم من "الشراكة الاستراتيجية" بين الصين وأستراليا، وكون بكين الشريك التجاري الأول لكانبرا، وجدت أستراليا نفسها فجأة وحيدة في مواجهة "الذئب المحارب" بعد أن انحازت بشكل متسرّع للولايات المتحدة في حربها الباردة ضد الصين، فهل من مَخرج للمعضلة التي تواجه أستراليا حكومة وشعباً؟

ما طبيعة العلاقة بين أستراليا والصين؟

يرجع تاريخ إقامة علاقات بين أستراليا والصين إلى مطلع سبعينات القرن الماضي، لكن تطورت تلك العلاقات بشكل لافت في الخمسة عشر عاماً الأخيرة ووصلت إلى توقيع اتفاقية "شراكة استراتيجية شاملة" عام 2014، وأصبحت الصين هي الشريك التجاري الرئيسي لأستراليا، حيث تستورد بكين وحدها أكثر من نصف الصادرات الأسترالية.

شي ورئيس وزراء أستراليا السابق مالكولم تيرنبيل/ رويترز

وتعتبر الصين هي الممول الأساسي للاقتصاد الأسترالي سواء من حيث دخل السياحة أو العدد الضخم من الطلاب الصينيين الذين يدرسون في الجامعات الأسترالية وبلغ عددهم العام الماضي أكثر من 200 ألف، إضافة إلى نحو 20 ألف طالب آخرين من هونغ كونغ، وهو ما يجعل كانبرا تعتمد بصورة رئيسية على الصين في الجانب الاقتصادي.

كيف تدهورت العلاقات بتلك السرعة؟

لكن هذه العلاقات القوية أو بمعنى أدق "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" سرعان ما تحولت في الأشهر الأخيرة إلى علاقات متدهورة، وصلت ذروة تدهورها في الأسابيع القليلة الماضية عندما قامت بكين بطرد الصحفيين والإعلاميين الأستراليين، وغادر آخر اثنين منهم الأراضي الصينية أمس الثلاثاء 8 سبتمبر/أيلول لتصبح الصين خالية تماماً لأول مرة منذ بداية العلاقات بين البلدين من أي صحفي أسترالي.

وقد بدأ هذا التدهور في العلاقات في أبريل/نيسان الماضي حينما قدمت الحكومة الأسترالية برئاسة سكوت موريسون طلباً إلى مجلس الأمن الدولي لإرسال بعثة تقصي حقائق إلى الصين ومدينة ووهان بالتحديد لكشف ملابسات ظهور وتفشي فيروس كورونا الذي تحول لجائحة عالمية، وهو نفس الموقف الذي تبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما فجر غضب الصين تجاه أستراليا وبدأت في اتخاذ إجراءات عقابية منها منع استيراد اللحوم وفرض تعرفة جمركية على الشعير والنبيذ ومنتجات أخرى بقيمة 200%، وعلى ما يبدو أن تلك الحزمة من العقوبات كانت الخطوة الأولى من جانب بكين.

ما علاقة ترامب بما يحدث؟

لكن الحقيقة أن التدهور في العلاقات مرتبط بشكل مباشر بوصول ترامب إلى البيت الأبيض وشنه حرباً تجارية ضد الصين، انضمت إليها الحكومة الأسترالية التي كان يرأسها مالكولم تيرنبيل، وهو سياسي يميني متطرف وجد في ترامب مثلاً أعلى، حيث وجّه تيرنبيل بصورة علنية انتقادات لاذعة للصين وحكومتها القمعية السلطوية، بل وطالب الولايات المتحدة بزيادة تواجدها العسكري في المنطقة بهدف احتواء الصين.

وكان من الواضح أن الخط الدبلوماسي المتشدد الذي انتهجته الحكومة اليمينية في أستراليا هدفه الأساسي إبهار ترامب، بحسب بوب كور وزير خارجية أستراليا الأسبق في تعليقه لصحيفة الغارديان البريطانية، مضيفاً أن الصين وقتها فضلت عدم التسرع واتبعت سياسة ضبط النفس، والأمر نفسه تكرر في أغسطس/آب 2018 عندما قرر تيرنبيل استبعاد شركة هواوي الصينية من تطوير شبكات الجيل الخامس في البلاد.

ترامب وتيرنبيل / رويترز

قرار استبعاد هواوي، بحسب كور، كان يمكن تبريره ببساطة ودبلوماسية في سياق الأمن القومي للبلاد والحفاظ على سرية شبكة الاتصالات، لكن تيرنبيل أعلن للعالم أجمع أنه اتخذ القرار بعد محادثة هاتفية مع ترامب، ثم تكررت نفس الأخطاء عندما أعلن رئيس الوزراء الحالي سكوت موريسون ضرورة التحقيق في أمر وباء كورونا من خلال لجنة دولية مستقلة تتوجه إلى الصين، على غرار مفتشي الأسلحة الذرية، وذلك بعد أيام فقط من مناقشة موريسون الأمر مع الرئيس الأمريكي.

هل تتحمل أستراليا غضب الذئب المحارب؟

يرى كثير من المحللين أن أستراليا وضعت نفسها في مأزق ضخم بالسير على خطى ترامب دون حساب العواقب، فالصادرات الأسترالية إلى الصين في يونيو/حزيران الماضي بلغت رقما قياسيا 14.6 مليار دولار أي 49% من إجمالي صادرات البلاد، وذلك على الرغم من العقوبات التي فرضتها بكين كرد فعل على تحركات موريسون بشأن فيروس كورونا والتي وصفتها الصين بأنها تحمل "دوافع سياسية".

ويقول الدكتور لي باك لي المحاضر في جامعة كينت لموقع فرانس 24، إن بكين تعتقد أن "أستراليا تنفذ أوامر أمريكا، وسواء كان ذلك الاعتقاد صحيحاً أو لا، على كانبرا أن تكون أكثر حذراً في إدارة علاقاتها مع الصين، حيث إن أستراليا لا تمتلك خيارات كثيرة مقبولة كبديل تجاري عن الصين أو سوق لتصدير منتجاتها".

وقصة العلاقات مع الصين تشهد انقساماً داخل الأوساط الأسترالية؛ فهناك معسكر يطالب بالحفاظ على التقارب مع بكين وتقويته خشية تعرض اقتصاد البلاد للانهيار، ومعسكر آخر يحذر من مساعي الصين للهيمنة ومن خطورة الاعتماد على بكين اقتصاديا بصورة تعرض استقلال القرار الأسترالي للخطر.

طلبة صينيين في أستراليا

البروفيسور ستيف ستانغ مدير المعهد الصيني للدراسات الاستراتيجية في جامعة لندن يرى أن مخاطر اعتماد أي دولة بصورة كبيرة اقتصاديا على شريك واحد مهيمن تظل محفوفة بالمخاطر، خصوصاً في ظل غياب قيم مشتركة سواء في طبيعة الحكم أو الخلفيات الثقافية، فأستراليا دولة تتمتع بنظام ديمقراطي عكس الصين القائمة على نظام حكم الحزب الواحد.

ويرى تسانغ أن أي دولة "أستراليا أو غيرها لا تقبل بدبلوماسية الذئب المحارب (إشارة إلى التحول في السياسة الخارجية للصين تحت زعامة شي جين بينغ) ستجد نفسها دائماً في مواجهة عناصر التوتر والغضب والصيني".

تحميل المزيد