"لا يمكنني أن أقبل بوجود جزءٍ كبيرٍ من التراث الثقافي للعديد من البلدان الإفريقية في فرنسا"، كانت هذه الكلمات التي قالها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انطلاقة لمرحلة جديدة بدأت فيها المتاحف الغربية العريقة تعيد مقتنيات شعوب العالم الثالث التي جرى نهبها خلال فترة الاستعمار.
تريسترام هانت، مدير متحف فيكتوريا وألبرت والعضو البرلماني البريطاني كشف في مقال مطول بصحيفة The Guardian البريطانية التغييرات التي تشهدها المتاحف الموسوعية الكبرى في الغرب، وكيف تعيد النظر إلى ماضي دولها الاستعماري، ونتائج المحاولات التي تجرى لإعادة تراث الدول المنهوبة.
كانت كلمات ماكرون عام 2017 أمام جموع الحاضرين في قاعة محاضرات حافلة داخل جامعة واغادوغو في بوركينا فاسو، هي البداية
قال الرئيس الفرنسي الشاب: "أنا من جيل من الشعب الفرنسي لا يمكن إنكار جرائم الاستعمار الأوروبي بالنسبة له، وهي تشكل جزءاً من تاريخنا.
وأضاف "لا يمكنني أن أقبل بوجود جزءٍ كبيرٍ من التراث الثقافي للعديد من البلدان الإفريقية في فرنسا.. في السنوات الخمس المقبلة، أريد تهيئة الظروف من أجل الاستعادة المؤقتة أو الدائمة للتراث الإفريقي إلى إفريقيا".
يقول هانت، إذا كان ثمة شخص لم ينتبه إلى مغزى تصريحات الرئيس الفرنسي، فقد سارع قصر الإليزيه بتوضيح السياسة الجديدة: "لا يمكن أن يظل التراث الإفريقي أسير المتاحف الأوروبية".
كيف حصل الأوروبيون على هذه المقتنيات؟
جلب العام التالي موقفاً ملحوظاً آخر، وهذه المرة من الشرير الخارق إريك كيلمنغر في فيلم شركة مارفل الناجح جماهيرياً Black Panther. بينما كان يتفحص المجموعة الإفريقية في "متحف بريطانيا العظمى"، يصحح كيلمنغر لأمينة المتحف البيضاء المشرفة على المجموعة حول أصل أحد الفؤوس: "لقد أخذه الجنود البريطانيون من بنين، لكنه من واكاندا. لا تسافري هناك، سآخذه نيابة عنك".
وحين تقول المرأة إن التحفة ليست للبيع، يرد كيلمنغر: "كيف تظنين أن أسلافك حصلوا على هذه الأشياء؟ هل تعتقدين أنهم دفعوا ثمناً عادلاً؟ أم أخذوها كما أخذوا كل شيء آخر؟"، وبينما تنهار أمينة المتحف من أثر السم، يستولي كيلمنغر على التحفة. لم يحتج الفيلم إلا 26 يوماً ليصل إلى 1 مليار دولار أمريكي من حصيلة الإيرادات حول العالم. وعن طريق مشهدٍ واحدٍ مقنع، أبرز كل الجدل الدائر حالياً حول مجموعات المتاحف والظلم الاستعماري.
الأمر بدأ برد الرفات البشري
كان ثمة سياق لتعهد ماكرون وسرقة كيلمنغر، فقد حمل العقد السابق مطالب متزايدة باستعادة القطع الأثرية التي أُخذت من إفريقيا على يد المستعمرين الأوروبيين خلال القرن التاسع عشر. إذا كانت قضية رد الرفات البشري إلى مجتمعات الشعوب الأصلية قد حسمت إلى حد كبير، فإن القضية الجديدة هي الأعمال الفنية.
بدأت الأمم المتحدة الحوار عام 2007، بالمادة 11 من إعلانها بشأن حقوق الشعوب الأصلية، الذي حث الدول على إعادة "الممتلكات الثقافية والفكرية والدينية والروحية" المأخوذة من الشعوب الأصلية دون "موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة أو انتهاكاً لقوانينها وتقاليدها وعاداتها".
تأسست مجموعة بنين للحوار في نفس العام، ووضعت هذا الهدف في الاعتبار، بوصفه جزءاً من محاولة لجعل أمناء المتاحف الأوروبية يتحدثون إلى عدد من الممثلين الرئيسيين في نيجيريا.
ثم طالبت مصر بإعادة خمس قطع من اللوفر
سرعان ما بدأ العمل بعدها. ففي عام 2009 طالبت مصر متحف اللوفر بإعادة خمس قطع من لوحة جدارية من ضريح تيتاكي، وهو أحد نبلاء الأسرة الـ18.
وفي عام 2012، طلبت نيجيريا إعادة 32 قطعة من متحف الفنون الجميلة بمدينة بوسطن الأمريكية، نهبها الجيش البريطاني خلال غارة على قصور أبومي الملكية عام 1897.

أما في عام 2017، أي بعد عام من تقديم رئيس بنين طلب رسمي إلى وزارة الخارجية الفرنسية لإعادة القطع التي أُخذت خلال الاستعمار الإمبريالي، قدمت نيجيريا طلباً آخر للمتحف البريطاني في لندن لإعادة قطع بنين البرونزية الشهيرة.
كان الهدف الأساسي من مجموعة بنين للحوار هو إنشاء معرض دائم في مدينة بنين النيجيرية، للمعروضات التي كانت تنتمي ذات يوم إلى مملكة بنين، وهي الآن في يد أوروبا.
دعوة إلى معاملتهم على غرار اليهود الذين سرق النازيون أعمالهم الفنية
العام الماضي، دعا هيرمان بارزينغر، رئيس مؤسسة التراث الثقافي البروسي، إلى وضع مبادئ توجيهية دولية تماثل مبادئ واشنطن (التي تعالج رد الأعمال الفنية التي صادرها النازيون لأحفاد من اُنتزعت منهم، وغالبيتهم من العائلات اليهودية) لمساعدة المتاحف في إجراء البحوث المتعلقة بأصول التحف، وإعادة ما اُكتسب منها بشكل غير قانوني ضمن المجموعات العامة. ليس من قبيل المصادفة أن يتزامن هذا التفكير مع دعوات متزايدة موجهة إلى دول أوروبا الغربية بالاعتذار عن "جرائم" الإمبراطوريات المختلفة، من الألمان في ناميبيا والهولنديين في إندونيسيا إلى البريطانيين في كينيا والهند والفرنسيين في شمال إفريقيا.
إلى أن جاءت ثورة ماكرون.. فبدأت المتاحف الغربية العريقة تعيد مقتنيات شعوب العالم الثالث
لكن تدخل ماكرون هو ما أشار إلى حدوث تغير كبير. أعلن مؤرخ الفن الفرنسي بينيديكت سافوي قائلاً: "هذه ثورة. في دقيقتين و33 ثانية.. أزاح ماكرون عقوداً من السياسة الرسمية للمتاحف الفرنسية".
عُين سافوي، إلى جانب الاقتصادي والكاتب السنغالي فيلوين سار، لكتابة تقرير عن تطبيق رؤية ماكرون. أوصت نتائج الدراسة، التي نُشرت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بإعادة "كل القطع التي اُستولي عليها بالقوة أو اُعتبر أنها اكتسبت خلال ظروف غير متكافئة" من قبل الجيش أو المستكشفين العلميين أو الإداريين خلال فترة الاستعمار الفرنسي في إفريقيا، التي استمرت من أواخر القرن التاسع عشر حتى عام 1960.
والآن تتسابق متاحف أوروبا لإعادة الحقوق لأصحابها
كان أثر التقرير أن تسابقت المتاحف في أنحاء أوروبا لوضع سياسات جديدة بشأن إعادة القطع لمالكيها الأصليين وأوطانها، وعلى رأسها متحف فيكتوريا وألبرت في بريطانيا.
يقول تريسترام هانت "نظراً إلى أنني كنت عضواً سابقاً في البرلمان، فإنني معتاد على السياسة. ولكن منذ تعييني مديراً لمتحف فيكتوريا وألبرت في فبراير/شباط عام 2017، شعرت بالدهشة من كثافة مناقشات الإعادة إلى الوطن.
وباعتباره متحفاً ولد وقت الإمبراطورية، فإن مسألة الأصل والملكية في عصر ما بعد الاستعمار هي مسألة ذات أهمية خاصة، نظراً لأن مجموعات المتحف توسعت بما يتماشى مع نمو الإمبراطورية البريطانية، في هيئتها الرسمية وغير الرسمية، في أنحاء جنوب آسيا، حيث تُعرض منسوجات هندية، ومصقولات بورمية، وخزف صيني، وسجاد فارسي، بالإضافة إلى مجموعة رائعة من التصميمات الصناعية البريطانية وكنوز النهضة الأوروبية.
في مستعمرات بريطانيا ومناطق نفوذها، كانت ممارسة التجميع مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنفسية الاستعمارية المهيمنة.
يقول مدير متحف فيكتوريا وألبرت منذ بداية عهدي في الإدارة، كنت راغباً في أن أكون منفتحاً وصريحاً فيما يتعلق بذلك الماضي الاستعماري، وأن أفكر جيداً في كيفية إدارة تراثه اليوم. مثلما فعل الزملاء في القارة الأوروبية.
وقال تاكو ديبيتس، مدير متحف ريكز لصحيفة Trouw الهولندية، خلال خوض محادثات حول إعادة منهوبات الحقبة الاستعمارية إلى إندونيسيا وسريلانكا: "من العار أن هولندا لم تلتفت إلى إعادة التراث الاستعماري إلا الآن فقط. كان علينا أن نفعل ذلك في وقت مبكر، وليس هناك عذر".
وبالمثل تعهد المتحف الوطني الهولندي لثقافات العالم بإعادة جميع التحف الموجودة ضمن مجموعاته، التي يتبين أنها مسروقة خلال الحقبة الاستعمارية، بداية بـ 139 من قطع بنين البرونزية، مؤهلة لإعادتها إلى وطنها نيجيريا.
والآن يتم إسقاط التماثيل الإفريقية العنصرية أو المهينة
وقرب العاصمة البلجيكية بروكسل، في بلدية ترفورين، حوَّل المتحف الملكي لوسط إفريقيا نفسه من مؤسسة كانت تحتفل بالتاريخ الاستعماري لبلجيكا في الكونغو، إلى مؤسسة تواجه بوعي الجرائم المتعددة التي اُرتكبت في الإمبراطورية الإفريقية للملك ليوبولد.
ومثلما تحفل الحدائق في أوروبا الشرقية بالتماثيل الساقطة لستالين ولينين، فإن متحف بروكسل أسقط التماثيل الإفريقية شديدة العنصرية والإهانة (ووضعها للعرض كأثر من فكر الاستعمار الأوروبي). وفي برلين، وافقت وزارات الثقافة في الولايات الألمانية الـ 16 ووزارة الخارجية والبلديات الحضرية، على العمل مع المتاحف حول مجموعة من الإرشادات الخاصة بإعادة القطع المأخوذة من المستعمرات السابقة.
وخلصوا إلى أنه "ينبغي أن تتاح لجميع الناس فرصة الوصول لتراثهم الثقافي المادي الغني في بلدانهم ومجتمعاتهم الأصلية، ليتفاعلوا معه وينقلوه إلى الأجيال المقبلة".
كما أنه هناك موجة من المتاحف الجديدة في إفريقيا
في الوقت نفسه، أُعلن عن موجة مثيرة من المتاحف الجديدة في أنحاء إفريقيا. اُفتتح متحف الحضارات السوداء في العاصمة السنغالية داكار عام 2018، بسعة تصل إلى حوالي 18,000 قطعة، مع مطالبة واضحة بأن يُملأ جزء من هذه المساحة بقطع موجودة حالياً في المتاحف الأوروبية.
ومن المقرر أيضاً تنفيذ مشاريع جديدة في مركز جافيت للفنون بجامعة بريتوريا، ومتحف التاريخ الوطني في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومركز جوزيف راندل لثقافة وتاريخ اليوروبا في لاغوس. ومن المقرر افتتاح متحف بنين الملكي في مدينة بنين عام 2021.
موقف ماكرون كان مناقضاً للمحاولات التبريرية للمتاحف العالمية
يمثل موقف ماكرون وتقرير سافوي وسار تنصلاً فلسفياً من الدفاع الشرس للمتاحف الغربية الموسوعية، الذي عبرت عنه في "إعلان عن أهمية المتاحف العالمية وقيمتها" عام 2002، وهو إعلان مُوقعٌ من قبل 18 مؤسسة بارزة، من بينها متحف اللوفر ومتحف المتروبوليتان في نيويورك.
وعندما تعرض محتواه لمسألة إشكالية تتعلق بمنشأ أجزاء من مجموعاتهم، نصَّ الإعلان على أنه "بمرور الوقت، أصبحت الأشياء المكتسبة -سواء عن طريق الشراء أو الإهداء أو النقل- جزءاً من المتاحف التي اهتمت بها، وبالتبعية جزءاً من تراث الأمم التي تأويها".
دافع جيمس كونو، رئيس صندوق J Paul Getty Trust، عن حجة المجموعات العالمية في كتابه "مسألة متاحف".
وكتب: "من دون وجود [المتاحف الموسوعية]، يخاطر المرء بتصلب وجهات النظر حول كون ثقافته بالتحديد نقية وأساسية وعضوية، وهو شيء يولد به المرء.. فالخطر الجماعي والسياسي المتمثل في عدم وجود متاحف موسوعية.. هو أن الثقافة أصبحت ثقافة وطنية جامدة". اعتقد كونو أن إدانة مجموعة لمجرد وجود علاقة إمبريالية هو أمر مختزل للغاية، مستشهداً بما قاله إدوارد سعيد أنه "بسبب الإمبراطورية، تشترك جميع الثقافات مع بعضها، ليس هناك ثقافة فريدة ونقية، وكلها هجينة وغير متجانسة ومتباينة للغاية وغير متحدة".
على المتاحف التوقف عن النظر إلى النشطاء على أنهم خصوم
تمثل هذه الرواية المُحمَّلة بفوارق تعريفية دقيقة لتأثير الإمبريالية موقفاً وحيداً بشكل متزايد، وسط الحملة العامة والمهنية التي يعلو صوتها لـ"إزالة الاستعمار من المتاحف". خلال حديث من سلسلة المؤتمرات العالمية TedX talk حول الموضوع الأخير، حثت سينامون كاتلين-ليجوتكو، الرئيسة والمديرة التنفيذي لمتحف آبي في ولاية مين الأمريكية، زملاءها المتخصصين في المتاحف على إعادة الصوت والتأثير للبشر المستعمَرين سابقاً، في محاولة لجعل تاريخ الاستعمار أكثر حضوراً في المتاحف الغربية.
ووافقتها أولغا فيزو، مديرة مركز ووكر للفنون في ولاية مينيسوتا. فكتبت: "إذا كانت المتاحف ترغب في الاحتفاظ بمكانتها، فعليها التوقف عن النظر إلى النشطاء على أنهم خصوم. يجب عليها تقديم نفسها على أنها مجتمعات تتعلم، لا مراكز عصية على الاختراق تمدح نفسها. إذا لم تفعل ذلك، فإن المتاحف معرضة لخطر أن تصبح قطعاً أثرية دون معنى ثقافي".
ودعوات لرصد دور المتاحف في نشر أفكار تفوق العرق الأبيض
ازداد نشاط النقاش في أبريل/نيسان 2018، عندما عين متحف بروكلين عالمة بيضاء رئيسة لأمناء المجموعة الإفريقية. وفي خطاب مفتوح من حركة Decolonize This Place (أزيلوا الاستعمار من هذا المكان)، وهي مجموعة عمل مقرها نيويورك تهدف إلى إصلاح متاحف المدينة، وُصف القرار بأنه "أصم"، ودعت المجموعة المتحف إلى "المشاركة في إنشاء لجنة لإنهاء الاستعمار.. لتقديم حساب حول دورهم الخاص في تاريخ الاستعمار وأفكار تفوُّق العرق الأبيض".
ودعت الحركة إلى أن تكون هذه اللجنة مسؤولة عن التعددية بين موظفي المتحف ومراجعة قائمته من القطع الأثرية التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية، "بهدف تسوية مطالبات التعويض والإعادة للأوطان، التي طال أمدها".
سر العلاقة بين هذه الحركات والمطالبات بمقاطعة إسرائيل
ومما يثير الاستغراب -وإن كان ذا مغزى- أن حركة Decolonize This Place (أزيلو الاستعمار ) سعت أيضاً إلى وضع حد لـ"الغسيل الفني (Artwashing) المؤيد لإسرائيل" وضمان "التزام مؤسسي بمعالجة القضايا التي أثارتها حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات" ضد إسرائيل.
بالرغم من عدم وضوح العلاقة بين تأسيس دولة إسرائيل وبين تعيين أمينة بيضاء للمجموعة الإفريقية في بروكلين، فإنها تكشف كلاً من الأجندة الإيديولوجية (والعرقية) الأوسع للحركة، وكيف يمكن لأجندة "إنهاء الاستعمار" أن تضم الكثير من التفرعات المتباينة.
كانت هناك نقاشات حول الماضي الإمبراطوري وموروثاته في بريطانيا، ويُضرب مثال على ذلك عبر حملة Rhodes Must Fall (يجب إسقاط رودس)، التي دعت لإزالة تمثال لسيسيل رودس (واحد من أشهر الاستعماريين البريطانيين) من كلية أكسفورد. ولكن في حين أن الدعوة إلى إزالة الاستعمار من المتاحف تبدو مرحلة مبكرة إذا قورنت بنظيرتها في الولايات المتحدة، فإنها تتزايد بسرعة.
كتبت إيما لوندين، المؤرخة في كلية بيركبيك – جامعة لندن، عن "كيف يجب أن يرحل رودس، إلى جانب الأشياء التي جلبها المسافرون من حقبة الاستعمار إلى بريطانيا".
وحثت على إعادة "الأشياء المُشتراة.. والمكتسبة بسبب اختلالات القوى بين المشترين والبائعين".
والبعض يعترض على فكرة المتاحف ذاتها باعتبارها ولدت من رحم الاستعمار
تدير أليس بروكتر، وهي طالبة في جامعة لندن، حملة "جولات فنية غير مريحة" في المتاحف البريطانية، تركز على مسائل الأصول المتنازع عليها.
وهي ترفض "مفهوم المتحف بالكامل.. [باعتباره] خيالاً استعمارياً إمبريالياً وُلد من رحم مغالطة تقول إنه يمكن بطريقة ما تصنيف العالم بأسره بدقة، وجمعه في مبنى واحد مخطط لسهولة الاستيعاب". إذ ترى أن المتحف يجب أن يرحل، وكذلك يجب أن يرحل رودس.
في عام 2016، شكلت مجموعة من المتخصصين في المتاحف والتراث مجموعة Museum Detox (إخراج السموم من المتاحف)، وهي شبكة للأشخاص ذوي التراث الأسود أو الآسيوي أو العربي أو المزدوج.
وتهدف هذه الجهود بقيادة سارة واجد، رئيسة قسم المشاركة في متحف لندن، إلى بناء الوعي حول التنوع في المنظمات الثقافية، ومساعدة الأعضاء على الوصول للمناصب القيادية، و"استخدام المناهج الجوهرية استخداماً خلاقاً لتفكيك الهياكل الأساسية غير العادلة في مؤسساتنا الثقافية الوطنية".
متحف إنجليزي يستعرض شرور الإمبراطورية البريطانية
في حين أن العديد من المتاحف واجهت، على مدى عدة عقود، التاريخ الاستعماري غير المريح خلال فعالياتها، فقد ذهب متحف برمنغهام ومعرض الفنون العام الماضي إلى أبعد من ذلك. في معرض The Past Is Now: Birmingham and the British Empire (الماضي هو الآن: برمنغهام والإمبراطورية البريطانية)، الذي اُعتبر "تجربة دائمة لسرد قصة الإمبراطورية البريطانية"، جلب المعرض ستة منسقين خارجيين من غير البيض من خارج عالم المتحف.
أوضحت سمية قاسم، إحدى الفنانات المشاركات، قائلة: "بالنسبة للعديد من الأشخاص الملونين، ترمز المجموعات إلى الصدمة والسرقة التاريخية المستمرة. إذ أن الحِرفية، وحالة العرض، وجمال المؤسسة التي تجمع وتحمي مخزونها الإمبريالي -مُمثلٌ في طريقة وصف العناصر، وطريقة فهرستها وما يظهر وما يبقى مخفياً- كل هذا يعمل من أجل الإنكار والعزل والنسيان".
رغم تواتر الثناء الذي ناله المعرض، فقد أثار انتقادات لإعطائه الانطباع بأن "الإمبراطورية البريطانية كانت مروعة دائماً وشريرة بشكل فريد". والأكثر إثارة للاهتمام، أن المشاركين في تنظيم المعرض قلقون حول ما إذا كان قد أيد الوضع الراهن بشكل ما.
كتبت سمية: "لا أريد أن أرى إزالة الاستعمار تصبح جزءاً من الرواية الوطنية لبريطانيا، باعتباره شيئاً جميلاً بلا مضمون". كان التخوف هو أن "إزالة الاستعمار" كانت بالفعل في طريقها لتصبح كلمة رنانة خالية من التأثير، مثل "التنوع".
وقد حث الناقد الثقافي جيسون فاراغو بالمثل المتاحف الغربية الموسوعية على تجاوز الشمول والتنوع وحتى "إزالة الاستعمار"، وإعادة التفكير في تصورها بالكامل. إذ قال: "على أي متحف عالمي قائم في القرن الحادي والعشرين أن يزعزع الشعارات ذاتها التي أورثها لنا عصر الإمبريالية: الأمم والأعراق، الشرق والغرب، الفن والحرف اليدوية. لا يكفي مجرد الدعوة إلى "إزالة الاستعمار".. يجب أن ينتهي خيال النقاء الثقافي كله أيضاً. أي متحف جاد لا يمكن أن يكون إلا متحفاً لماضينا وحاضرنا المتشابك".
فكيف ينبغي لمؤسسة مثل متحف فيكتوريا وألبرت أن تستجيب لهذا المناخ الثقافي الجديد، وتحترم مسؤولياتها بوصفها متحفاً عالمياً؟
ساعدونا على محاربة مصر.. الذكريات الأليمة المتبقية من غزو الحبشة
في العام الماضي، في الذكرى السنوية المائة والخمسين للغزو البريطاني للحبشة، حاولنا رسم طريق من خلال عرضٍ صغيرٍ يسلط الضوء على مجموعاتنا الإمبريالية الإثيوبية. في وسط العرض، وُضع تاج المجدلة، وهو عمل رائع من الحرف اليدوية الإفريقية، صنع بتكليف من الإمبراطورة الإثيوبية منتواب في أربعينيات القرن الثامن عشر، من الفضة والنحاس مع ثقوب تزيينية وخرز زجاجي. لكن، مثلما أوضحت الشاشة، أصبح التاج في حوزة متحف فيكتوريا وألبرت في ظروف أقل جمالاً.
بدأ طريق التاج إلى جنوب كينسينغتون [حيث يقع المتحف] بحاكم الحبشة منتصف القرن التاسع عشر، الإمبراطور تيودروس الثاني، وطموحه لبناء دولة قومية حديثة في شرق إفريقيا.
وبوصفه إمبراطوراً مسيحياً عظيماً، أمَل تيودروس أن يكبح قوة المصريين فطلب مساعدة الملكة فيكتوريا والدولة البريطانية في مساعيه. عندما كشف اللورد بالمرستون عن أنه لم يكن لديه أي نية لدعم طموحاته (ليس أقلها لأنها قد تنطوي على عزل مصر، وهي مورد رئيسي للقطن)، أخذ تيودروس المبعوث البريطاني وحفنة من المواطنين الأوروبيين رهائن.
رداً على ذلك، جمع السير روبرت نابير قوة استكشافية قوامها 13,000 رجل، واقتحم قلعة المجدلة، وأمن إطلاق سراح الرهائن، ثم بدأ في النهب. وخلال المعركة، قُتل تيودروس نفسه.
تحت إشراف المنسق ريتشارد هولمز المصاحب للحملة، ذهب التاج والكأس وغيرها من السجلات إلى وزارة الخزانة البريطانية، وبيعت في المزاد العلني لصالح صندوق جوائز الجيش، ثم تنقلت إلى العديد من المتاحف الوطنية، بما فيها فيكتوريا وألبرت.
بَشَّر كثير من السياسيين البريطانيين بحملة الحبشة على أنها تدخل إمبراطوري مثالي. لكن وليم غلادستون، رئيس الوزراء وقتها، أخبر مجلس العموم أنه "نادم بشدة، من أجل البلاد، ومن أجل جميع المتأثرين، وأن هذه المقتنيات.. كان يعتقد أن من المناسب إعادتها عن طريق جيش بريطاني"، وحث على "إبقائها فقط حتى يصبح من الممكن إعادتها".
والقانون البريطاني يمنع إعادة هذا التراث لأصحابه
خلال القرن العشرين، أُعيد إلى إثيوبيا عدد من المقتنيات التي كانت الحكومة البريطانية تحتفظ بها. بيد أن القطع الأثرية التي يملكها المتحف البريطاني والمكتبة البريطانية والمتحف الوطني للجيش ومتحف فيكتوريا وألبرت، لا يمكن من الناحية القانونية أن تكون جزءاً من عملية الاسترداد هذه.
لذا أرسل الرئيس الإثيوبي جيرما وولد جيورجيس في مارس/آذار 2008 خطاباً إلى السير مارك جونز، مدير متحف فيكتوريا وألبرت في ذلك الوقت، قائلاً إن الإثيوبيين "حزنوا طويلاً على فقدان هذا الجزء من تراثهم الوطني" وحث على "إعادة كنوز إثيوبيا المنهوبة، لتوطيد العلاقات الطيبة بين بلدينا". لكن المناقشات حول كيفية إجراء مثل هذه التسوية تلاشت سريعاً.
والمتحف البريطاني يعرض إقراض الإثيوبيين لتراثهم المنهوب
وفي عام 2018، كان المتحف واضحاً في أنه حتى إذا لم يمكن إعادة المقتنيات نهائياً، فعلينا رغم ذلك أن نكون منفتحين وصرحاء حول كيفية دخول المقتنيات إلى مجموعتنا، والتفاعل مع السفارة الإثيوبية ومجتمع الشتات الأوسع، وعرض إعادة المقتنيات بموجب إقراض طويل الأجل لهذه المقتنيات. إذا لم نكن قادرين على إزالة الاستعمار من المتحف، فإن المعرض كان مدركاً للسياق الاستعماري للمقتنيات، ومعناها لمجتمعات التراث الإفريقي.
وفي ظل إصرارها على أن قضية الاسترداد مازالت قائمة، قالت الحكومة الإثيوبية إنها لا تستطيع قبول قرض طويل الأجل، لأن ذلك سيشير إلى موافقة قانونية على الملكية البريطانية. ورد أفريم آمار، مدير المتحف الإثيوبي الوطني: "لقد كان طلب إثيوبيا دائماً هو استعادة تلك الكنوز المنهوبة نهباً غير قانوني، لا استعارتها".
وتأكد هذا الموقف في مارس/آذار 2019، عندما زارت وزيرة الثقافة الإثيوبية، الدكتورة هيروت كاساو، معرض متحف فيكتوريا وألبرت. لم تكن المجموعة في أعين الحكومة الإثيوبية مجرد قطع أثرية ذات تصميم مثير للاهتمام، بل كانت ضرورية لإعادة اكتشاف تاريخ البلاد وشق طريق جديد للمضي قدماً.
شملت رحلة هيروت إلى لندن زيارة ناجحة لمتحف الجيش الوطني، حيث أشرفت على عودة صندوقين لشعر مقصوص من فروة رأس تيودروس عام 1868، ومن المقرر الآن إعادة دفنهما مع رفاته.
إلى جانب الموقف الرسمي المفهوم، أعرب السفير الإثيوبي هايلميشيل أبرا آفيورك، عن رضاه عن "الشراكة الجديدة بين إثيوبيا ومتحف فيكتوريا وألبرت"، معرباً عن تفاؤله حيال "التعاون المستقبلي في رعاية التراث الثقافي وصيانته، وهو ما يملك متحف فيكتوريا وألبرت خبرة واسعة فيه". منذ ذلك الحين، أُجريت محادثات مثمرة حول إطار للتعاون -يشمل المكتبة البريطانية والمتحف البريطاني- ونحن نعمل من أجل عرض كنوز المجدلة في أديس أبابا.
سلطت تجربة متحف فيكتوريا وألبرت مع المجدلة، الضوء على التوترات التي تواجه المتاحف الوطنية عندما يتعلق الأمر بنقاشات إعادة المقتنيات. بموجب قانون التراث الوطني لعام 1983، فإن أمناء متحف فيكتوريا وألبرت ممنوعون بالتحديد من إخراج الأشياء، التي هي ملك للمتحف، عن حيازتهم، إلا إذا كانت نسخاً متماثلة أو تالفة تماماً لا يمكن إصلاحها.
أضيف هذا التعديل خصيصاً لمنع تبديد المقتنيات "غير الملائمة" من المجموعات (أو في الحقيقة جمع الأموال من خلال بيع الأعمال القيمة)، التي قد تحزن عليها الأجيال اللاحقة.
لكن التشريعات ليست سوى جزء من القضية. أشعر أيضاً أننا بحاجة إلى السير بعناية على طريق تعويضات شاملة، يقودها جدول زمني سياسي. ويبقى هناك شيء ذو قيمة أساسية، في قدرة المتاحف على وضع مقتنيات خارج هويات ثقافية أو عرقية معينة، منسقة ضمن أشكال فكرية أو جمالية مفتوحة، وعرضها ضمن إطار علاقات أوسع وأثرى مع إتاحة الوصول الحر والمفتوح إليها واقعياً ورقمياً.
إزالة الاستعمار تتم بإعادة قراءة التاريخ، ولكن ماذا عن إعادة التراث المنهوب
بالنسبة لمتحف مثل فيكتوريا وألبرت، فإن إزالة الاستعمار تتم بإزالة السياق: على أن يكون تاريخ الإمبراطورية جزأً لا يتجزأ من معناها ومجموعاتها، والسؤال هو كيف يُأوَّل ذلك. ثمة حاجة إلى فهم أكثر دقة للإمبراطورية، على أن يكون أكثر دقة من مسارات الخير أو الشر ذات الدوافع السياسية.
فإضافة إلى العنف الاستعماري، كانت الإمبراطورية أيضاً قصة كوزموبوليتانية وتهجين: من خلال التجارة، والدين، والحرب والقوة، والشعوب، والثقافات المختلطة.
وفي حالات كثيرة، جرى التعبير عن هذا التبادل والتفاعل من خلال نوع الثقافة المادية الموجودة الآن في المتاحف. كان هذا هو الحال بالنسبة للإمبراطورية الرومانية والعثمانية ومينغ وأشانتي وهابسبورغ، وبالطبع الإمبراطوريات البريطانية.
واليوم إمبراطوريات الصين والخليج تحاول إعادة هذا الماضي
اليوم، تتراكم القوة والثروة والفن في الإمبراطوريات القادمة -غير الرسمية والرسمية- في الصين الحديثة ودول الخليج. ربما يتمثل التحدي الحقيقي في كيفية إنشاء المزيد من المتاحف العالمية -وليس تقليلها- لا في أوروبا والغرب، بل في أنحاء إفريقيا والهند والجنوب العالمي.
وينبغي أن يكمن هدفنا في فصل المتحف الموسوعي العالمي عن الشروط المسبقة ذات الطابع الاستعماري، وإعادة تخيله بوصفه وسيلة جديدة لفهم التعددية الثقافية.
من المتوقع أن تنمو الدعوات إلى "إزالة الاستعمار" والإعادة والتنوع. كان معرض "مجدلة 1868" خطوة صغيرة إلى الأمام. وكذلك عملنا على جولات التراث الإفريقي لمجموعات المتحف، والبحث في ثروات مالكي العبيد من المتبرعين الأوائل لفكتوريا وألبرت، والبرمجة والمعارض التي تركز بوعي على تعزيز التنوع، والمحاولات المستمرة لتوسيع قماشة المواهب التي توظَّف لتنسيق ورعاية المقتنيات.
حوالي 47٪ من تلاميذ المدارس الذين زاروا متحف فيكتوريا وألبرت في 2017-2018 كانوا من ذوي الأصول السوداء والآسيوية والأقليات العرقية، وهو ما يشير إلى إحراز تقدم واضح.
ومع ذلك، تشير الحقيقة إلى أن قادة المتاحف يجب أن يشاركوا في هذه الأجندة، وأن يعملوا على برامج التغيير الملموس التي تشمل المقتنيات والأمناء، والتي يمكن أن تشمل خيار الإعادة إلى الوطن، بأشكال مختلفة، وبناءً على تاريخ كل مُقتنى.
وبحسب ما يقول ساباياتشي موخرجي، مدير عام متحف "شاتراباتي شيفاجي مهراج فاستو" في مومباي بالهند: "على المتاحف أن تدرك أن نزاعات الإعادة إلى الوطن والتعويض غير المحلولة، في حالة عدم بذل جهود جادة للمصالحة، يمكن أن تشل تشارك المقتنيات الثقافية الهامة.. يجب ألا توضع أفكار المؤسسات والعقائد القانونية في طريق الاحتفال بثقافة عالمية". إذا تجاهلنا ذلك، سينتقل الزخم إلى أيدي السياسيين، وفي خطاب مدته دقيقتان و33 ثانية، يمكن أن يضيع المعنى المُعقد والمكون من طبقات عديدة، الذي يعرّف هذه المقتنيات؛ فيمكن أن يضيع إلى الأبد بسبب النفعية المختزلة في جدول أعمال عابر.