ماذا فعلت ضربات إيران في إسرائيل؟ “عربي بوست” يتتبّع بيانات رسمية تكشف جانباً من الأضرار وسط الرقابة العسكرية الشديدة

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/11 الساعة 13:57 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/11 الساعة 14:04 بتوقيت غرينتش
تفرض إسرائيل تعتيماً على الأضرار الناجمة عن الصواريخ والمسيّرات الإيرانية - عربي بوست

تكشف بيانات رسمية إسرائيلية تتبّعها "عربي بوست" جانباً من الخسائر التي تكبّدتها إسرائيل جراء الهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات الإيرانية، في ظل الحرب الدائرة بين طهران من جهة، وتل أبيب وواشنطن من جهة أخرى، ورغم التكتّم الذي تفرضه الرقابة العسكرية الإسرائيلية على مواقع الاستهداف وحجم الأضرار، تتيح هذه البيانات المتفرقة إعادة بناء صورة جزئية، لكنها دالّة، عن حجم الخسائر داخل إسرائيل.

ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/ شباط 2026، تفرض إسرائيل رقابة عسكرية صارمة، تحظر بموجبها نشر معلومات تعتبرها تل أبيب مهددة للأمن القومي، ما في ذلك تفاصيل الأضرار الناجمة عن ضربات إيران ومواقع الهجمات، وذلك في وقت تتوافر فيه معلومات واسعة عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بإيران جراء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.

لا تقتصر هذه الرقابة على وسائل الإعلام المحلية، بل تمتد أيضاً إلى وسائل الإعلام الأجنبية داخل الأراضي المحتلة، ما يجعل الوصول إلى تقدير دقيق لحجم الخسائر أمراً بالغ الصعوبة، كما تكشف القيود المفروضة على وسائل الإعلام فجوةً بين ما يمكن رصده من خلال المصادر المفتوحة عن أثر الضربات الإيرانية في إسرائيل، وما يظهر في الإعلام الإسرائيلي.

ويعتمد هذا الاستقصاء على قاعدتي بيانات رسميتين لرصد جانب من الخسائر داخل إسرائيل، الأولى صادرة عن مصلحة الضرائب الإسرائيلية، وتضم تحديثات يومية لعدد طلبات التعويض عن الأضرار المقدّمة من الإسرائيليين، أما الثانية، فهي قاعدة بيانات لوزارة الصحة الإسرائيلية، تتضمن أعداد المصابين الذين استقبلتهم المستشفيات منذ بدء العملية العسكرية ضد إيران، التي أطلقت عليها إسرائيل اسم "زئير الأسد".

آلاف طلبات التعويض

مع بداية الحرب مع إيران، أعلنت السلطات الإسرائيلية عن افتتاح مراكز لصناديق التعويضات في أنحاء الأراضي المحتلة، لتلقي طلبات الإسرائيليين الذين لحقت بهم أضرار جراء الهجمات الإيرانية، سواء كانوا أفراداً أم أصحاب أعمال، بهدف الحصول على تعويضات مادية من السلطات.

ومنذ 1 مارس/ آذار 2026، بدأت سلطة الضرائب الإسرائيلية تنشر بيانات يومية عن أعداد طلبات تعويض الأضرار التي تتلقاها. وتُظهر البيانات التي جمعها "عربي بوست" من التقارير الرسمية أن إجمالي طلبات التعويض المعلنة حتى 10 مارس/ آذار 2026 بلغ 9115 طلباً، وهو رقم تراكمي يمثل حصيلة الطلبات المسجلة منذ اندلاع الحرب.

تكشف البيانات عن تصاعد يومي واضح في عدد طلبات التعويض، وما أن سلطة الضرائب تنشر يومياً الرقم الإجمالي التراكمي للطلبات، فإن الفارق بين كل رقم وآخر يبيّن عدد الطلبات الجديدة المسجلة في كل يوم على حدة.

وبحسب هذه المعطيات، بلغ عدد طلبات التعويض 655 طلباً في 1 مارس/ آذار 2026، ثم ارتفع في 2 مارس/ آذار مع تسجيل 1140 طلباً جديداً، وسُجلت أكبر زيادة يومية خلال الفترة المرصودة في 3 مارس/ آذار، بإضافة 1817 طلباً جديداً، وتُظهر البيانات أن المتوسط اليومي لعدد المطالبات الجديدة بالتعويض عن الأضرار بلغ 1139 مطالبة.

تُظهر المقارنة بين إجمالي طلبات التعويض عن الأضرار في 1 مارس/ آذار (655 طلباً)، وإجماليها في 10 مارس/ آذار (9115 طلباً) أن عدد طلبات التعويض ارتفع خلال هذه الفترة بمقدار 8460 طلباً، أي بزيادة تقارب 1291%.

غير أن البيانات تكشف أيضاً تراجعاً واضحاً في وتيرة المطالبات الجديدة بعد الذروة التي سُجلت في الأيام الأولى من الحرب، إذ بلغ عدد الطلبات الجديدة للتعويضات 1817 طلباً في 3 مارس، و1383 طلباً في 4 مارس، و1235 طلباً في 5 مارس، ثم بدأت الأرقام بالانخفاض تدريجياً إلى 1224 طلباً في 8 مارس، ثم 963 طلباً في 9 مارس، وصولاً إلى 698 طلباً في 10 مارس/ آذار.

ضربات إيران

المباني الأكثر تضرراً من ضربات إيران

تُظهر بيانات طلبات التعويض التي قدّمها إسرائيليون عن الأضرار أن المباني استحوذت على الحصة الأكبر من إجمالي المطالبات، فحتى 10 مارس/ آذار 2026، بلغ عدد طلبات التعويض المرتبطة بأضرار المباني 6586 طلباً من أصل 9115، أي ما يعادل نحو 72.3% من الإجمالي.

وتعكس هذه النسبة المرتفعة حجم الأضرار التي لحقت بالبنية العمرانية داخل المدن الإسرائيلية، كما تشير إلى أن الصواريخ والمسيّرات الإيرانية نجحت مراراً، منذ بداية الحرب، في اختراق المنظومات الدفاعية الإسرائيلية والوصول إلى أهداف عمرانية، سواء عبر إصابات مباشرة أو من خلال الأضرار المحيطة التي خلّفتها الانفجارات والشظايا.

ويخلق هذا الاستهداف للبنية العمرانية أزمة مركبة، فمن جهة، قد يؤدي إلى موجات نزوح داخلي، ومن جهة أخرى، يفرض أعباء مالية متزايدة على صندوق التعويضات الإسرائيلي.

ويُظهر تقرير رسمي إسرائيلي منشور على موقع الحكومة الإسرائيلية أن عدد من جرى إجلاؤهم من منازلهم بلغ، حتى 9 مارس/ آذار 2026، ما لا يقل عن 3400 شخص، فيما حدثت الغالبية العظمى من عمليات الإخلاء خلال الأيام الـ3 الأولى من العملية، بين 28 فبراير/ شباط و2 مارس/ آذار 2026. إذ سجل يوم 28 فبراير/ شباط 2026، 1457 نازحاً، ويوم 1 مارس/ آذار 1066 نازحاً، ويوم 2 مارس/ آذار 564 نازحاً.

وفي المرتبة الثانية من الفئات الأكثر تضرراً حلت المركبات، مع تسجيل 1485 طلب تعويض، بما يعادل نحو 16.3% من إجمالي المطالبات، وحلت بعدها أضرار المحتويات والمعدات داخل المنازل والمنشآت، مع 1044 طلباً، أي نحو 11.5%، أما فئة "أضرار أخرى" التي لم تحدد السلطات الإسرائيلية طبيعتها، فسُجلت فيها 77 مطالبة فقط، بنسبة تقل عن 1% من إجمالي المطالبات في ذلك التحديث.

ضربات إيران لإسرائيل

تل أبيب الأكثر تضرراً

وتُظهر بيانات التوزع الجغرافي لطلبات التعويض أن الأضرار تركزت بشكل لافت في عدد محدود من المناطق، فحتى 10 مارس/ آذار 2026، تصدّرت منطقة تل أبيب القائمة بفارق واضح، مع تسجيل 4609 مطالبة تعويض عن الأضرار، تلتها منطقة عسقلان في الجنوب بـ3664 مطالبة، ثم منطقة عكا في المرتبة الثالثة بـ494 مطالبة، تليها منطقة القدس بـ181 مطالبة، ثم منطقة طبريا بـ167 مطالبة.

تُشير هذه البيانات إلى أن منطقتي تل أبيب وعسقلان – التي تقع فيها منطقة بئر السبع – لوحدهما، سُجلت فيهما 8273 مطالبة من أصل 9115 مطالبة لتعويض الأضرار، أي ما نسبته 90.7% من الإجمالي، وبعبارة أخرى، فإن نحو 9 من كل 10 طلبات تعويض عن الأضرار تركزت في هاتين المنطقتين فقط.

تُبيّن الأرقام أن منطقة تل أبيب كانت هدفاً رئيسياً للهجمات، بحكم كونها العصب الاقتصادي لإسرائيل، بما يوحي بأن كثافة استهدافها ارتبطت بمحاولة رفع الكلفة الاقتصادية للحرب، ويظهر ذلك بوضوح في الارتفاع المتسارع لعدد طلبات التعويض المقدمة فيها، إذ بلغ عددها 619 طلباً في 1 مارس/ آذار 2026، قبل أن يقفز إلى 4609 طلبات بحلول 10 مارس/ آذار 2026.

تزايد أعداد الإصابات في إسرائيل

وتكشف قاعدة بيانات إسرائيلية رسمية أخرى جانباً إضافياً من الخسائر التي تكبدتها إسرائيل منذ بداية الحرب. وتعود هذه القاعدة إلى وزارة الصحة الإسرائيلية، التي أنشأت منصة مفتوحة المصدر لتسجيل الأعداد اليومية للإصابات، وكانت المنصة قد أُطلقت في عام 2023 بعد هجوم 7 أكتوبر، قبل أن تخصص الوزارة جزءاً منها لرصد الأعداد اليومية للإصابات المسجلة خلال الحرب الحالية مع إيران.

وبحسب البيانات الرسمية للوزارة، بلغ عدد الإصابات التي دخلت المستشفيات الإسرائيلية منذ بداية الحرب وحتى الساعة 10:30 بتوقيت غرينتش 2656 إصابة، من بينها 141 حالة دخلت العناية المركزة.

ويُظهر تحليل البيانات أن الأيام الأولى من الحرب كانت الأعلى من حيث تسجيل الإصابات، فقد سجلت الوزارة 376 إصابة في 28 فبراير/شباط 2026، و385 إصابة في 1 مارس/آذار 2026، ما يعني أن اليومين الأولين وحدهما شهدا 761 إصابة، أي 28.7% من إجمالي الإصابات خلال الفترة المرصودة.

وسجلت أعداد الإصابات انخفاضاً تدريجياً خلال الفترة بين 2 و6 مارس 2026، لكن الأعداد عادت وشهدت تصاعداً نسبياً خلال الفترة من 7 إلى 9 مارس، بالتزامن مع هجمات نفذتها إيران ضد أهداف في إسرائيل. 

بيانات من وزارة الصحة الإسرائيلية حول عدد الإصابات اليومية التي تدخل إلى المستشفيات – وزارة الصحة الإسرائيلية

أضرار واسعة خارج الرقابة 

وعلى الرغم من الرقابة العسكرية الإسرائيلية، ظهرت بعض آثار الضربات الإيرانية، وأخرى منسوبة إلى "حزب الله"، في صور ومقاطع فيديو نشرتها وكالات أنباء عالمية، إلى جانب مواد أخرى وجدت طريقها إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وأظهرت جانباً من الخسائر التي خلفتها الضربات داخل إسرائيل.

ومن بين هذه الحالات، برزت آثار هجوم إيراني استهدف مدينة بيت شيمش في الأراضي المحتلة يوم 1 مارس/آذار 2026، حيث اخترق صاروخ الدفاعات الجوية الإسرائيلية وضرب ملجأً، ما أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة العشرات.

آثار دمار كبير في بيت شيمش بعد تعرض المنطقة لهجوم إيراني – رويترز

كما نشرت وكالة رويترز صوراً أظهرت آثار قصف إيراني على حولون يوم 9 مارس/آذار 2026، وبينت الصور حفراً في الأرض نجمت عن سقوط صاروخ إيراني.

آثار قصف إيراني على حولون في الأراضي المُحتلة – رويترز

ويوم الإثنين 9 مارس 2026، انتشر مقطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي، يُظهر أضراراً واسعة لحقت بمحطة تقوية للإشارة عبر الأقمار الصناعية، بعد تدمير أجزاء كبيرة منها في هجوم نفذه "حزب الله"، الذي يساند إيران في الحرب الحالية، على بيت شيمش.

وحتى اليوم 11 مارس 2026، تغيب مؤشرات قوية على اقتراب نهاية أمد الحرب بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، وأسفر الهجوم على إيران عن مقتل ما لا يقل عن 1332 شخصا في إيران، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي ومسؤولون أمنيون، إضافة إلى أكثر من 15 ألف جريح.

وترد طهران بإطلاق صواريخ ومسيَّرات باتجاه إسرائيل، ما أدى لمقتل ما لا يقل عن 14 شخصاً، بالإضافة إلى هجمات أخرى قتلت ما لا يقل عن 7 عسكريين أمريكيين وأصابت 140.

كما تشن هجمات على تقول إنها قواعد ومصالح أمريكية بدول الخليج والعراق والأردن، لكن بعضها أسقط قتلى وجرحى وأضر بأعيان مدنية، وهو ما أدانته الدول العربية المستهدفة، مطالبة بوقف الاعتداءات.

علامات:
تحميل المزيد