وُلد لويز إيناسيو دا سيلفا عام 1945 في شمال شرقي البرازيل، في بيت صغير من الطين، لأسرة لم تكن تملك الكثير ما يمكن توريثه. كان الجوع مألوفاً، والعمل يبدأ مبكراً، والرحيل جنوباً بحثاً عن فرصة أفضل جزءاً من سيرة ملايين العائلات التي عاشت بعيداً عن مراكز المال والسلطة.
كان لولا واحداً من هؤلاء. فانتقل طفلاً مع أسرته إلى ساو باولو، وعمل في الشوارع، ثم تعلّم الخراطة ودخل المصانع التي كانت تصنع نهضة البرازيل الصناعية من أجساد عمالها. هناك فقد جزءاً من إصبعه في حادث عمل، وهناك أيضاً بدأ يتعلم لغة أخرى غير لغة الآلات: لغة النقابة، والتفاوض، والإضراب، والقدرة التي يكتسبها العمال حين يتوقفون عن الوقوف فرادى أمام أصحاب المصانع.
لم يأتِ إلى السياسة من الجامعة، ولم يكن وريث عائلة تعرف أبواب الدولة. جاء إليها من أرضية المصنع. ظل صوته خشناً، ولغته بعيدة عن أناقة الطبقة السياسية التقليدية، وظلت صورته مرتبطة بذلك العالم حتى بعدما أصبح الرجل الذي تستقبله القصور الرئاسية ويجلس إلى جوار رؤساء الدول.
ولعل هذا هو أكثر ما يفسر مكانته في البرازيل. فقد جاء من طبقات اعتادت أن تكون موضوعاً للسياسة أكثر ما كانت شريكاً في صنعها، ثم صار، على مدى عقود، أحد أكثر رجال البلاد قدرة على مخاطبتها.
وحين وصل أخيراً إلى قصر بلانالتو عام 2003، لم يصل إليه وحده. كان وراءه تاريخ طويل من الإضرابات والهزائم الانتخابية والتحولات التي عاشتها البرازيل منذ نهاية الحكم العسكري، ومعه توقعات طبقات انتظرت طويلاً أن ترى شيئاً من نفسها في أعلى موقع في الدولة.
خلال السنوات التالية، اتسعت تلك القصة إلى ما هو أبعد من الداخل البرازيلي. أراد لولا لبلاده أن تتصرف بحجمها، لا بالدور الذي اعتادت القوى الكبرى أن ترسمه لها. اقترب من دول الجنوب، ووسّع علاقاته مع الصين والهند وأفريقيا، وأبقى مسافة تسمح لبرازيليا بأن تختلف مع واشنطن حين تريد. وفي الشرق الأوسط، ظهرت هذه النزعة في دعمه لقيام دولة فلسطينية وفي رفضه الانضمام ببساطة إلى سياسة عزل إيران.
لكن الطريق من المصنع إلى القصر لم يكن مستقيماً أبداً، ولا انتهى عند باب الرئاسة. دخل لولا قصر بلانالتو ثم غادره، ورأى الحزب الذي بناه يهتز تحت وطأة واحدة من أعنف أزماته، قبل أن يجد نفسه خلف القضبان. لسنوات، بدا أن قصته انتهت هناك. ثم عاد، على نحو لم يكن كثيرون يتوقعونه، إلى المكان نفسه الذي أُخرج منه التاريخ مرة.
لهذا يصعب اختصار لولا في الحكاية المحببة عن الفتى الفقير الذي أصبح رئيساً. فمع الوقت، صارت حياته متشابكة مع أسئلة البرازيل نفسها: من يحكم بلداً بهذه الثروة وهذا القدر من اللامساواة؟ لمن يعمل اقتصاده؟ وإلى أي حد تستطيع دولة بهذا الحجم أن تختار موقعها في العالم بنفسها؟
من الطين إلى الحديد
في بيتٍ صغير من غرفتين، بلا كهرباء ولا ماء ولا حمّام، وُلد لويز إيناسيو لولا دا سيلفا عام 1945، سابعَ 8 أبناء لعائلة أمّية تعيش من الأرض، في قلب ولاية برنامبوكو الجافة شمال شرقي البرازيل. في ذلك الريف البعيد، كان الجوع مألوفاً كالجفاف، والفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع بلا توقف، فيما ظل ملايين البرازيليين قابعين في فخّ الجوع.
لذلك سيظل سيلفا يحمل معه ذاكرة الجوع والألم كندبة لا تلتئم، حتى بعد نصف قرن عندما سيصبح رئيساً للبلاد. فعندما سكن القصر الرئاسي، أطلق عام 2003 خطته الوطنية لـ"القضاء على الجوع"، كسياسة شاملة ربطت بين الاقتصاد الكلي والبرامج الاجتماعية والإنتاجية، محاولاً تحويلها إلى جهد جماعي يشارك فيه المجتمع بأسره.
حتى بعد عقدين من توليه السلطة، سيعود في مؤتمر حول الأمن الغذائي وتخونه دموعه وهو يتذكر كيف كان الجوع ينهشه من الداخل، ليقول إن تأمين الغذاء يجب أن يكون التزاماً وطنياً، وإن رئيساً يترك شعبه جائعاً "يستحق قطع رأسه".
فقبل أن يصبح رئيساً للبرازيل، كان لولا مجرد طفل في شمالٍ فقير، يراقب أمّاً تكافح لإبقاء أسرتها حيّة، وأباً غائباً يكاد يكون غريباً.
فقبل ولادته بشهرين، غادر والده، أريستيدس، القرية متجهاً إلى ميناء سانتوس في ساو باولو، برفقة ابنة عم زوجته، وكانت حاملاً منه، لتنجب له لاحقاً 10 أطفال آخرين. هناك عمل حمّالاً، ينقل أكياس القهوة من السفن، ويرسل من حين إلى آخر بعض المال إلى أسرته الأولى.
لم يعد أريستيدس إلى قريته إلا مرة واحدة، عام 1950، مصطحباً بعض أبنائه من أسرته الجديدة. وفي تلك الزيارة التقى لولا والده للمرة الأولى. وقبل أن يغادر مجدداً، حملت منه والدة لولا مرة أخرى، بينما اصطحب معه الابن الأكبر، جايمي، إلى سانتوس. ومنذ ذلك الحين، عاد الأب إلى الغياب.
بعدها بسنتين، في أواخر عام 1952، تلقّت والدته، دونّا ليندو، رسالة يطلب فيها زوجها أن تبيع كل ما تملكه وتلتحق به مع أطفالها. لكن لم يكن الطلب منه في الحقيقة؛ بل من ابنها جايمي، الذي كان يدوّن رسائل الأب الذي لا يعرف الكتابة.
فسافرت العائلة في عربة تُعرف محلياً بـ"قفص الببغاء"، وهي حاوية مخصصة لنقل الطيور والمواشي، يستقلّها عادة مهاجرو الشمال بحثاً عن فرصة في الجنوب. استغرق الرحيل 15 يوماً. وعند وصولهم، كان الاستقبال بارداً، فلم يكن الأب يريدهم. فسكنوا معه لفترة قصيرة، ثم انتقلوا إلى كوخ قريب. ظل يمرّ عليهم يومياً، لا بحنان، بل بالعنف. لم يكن يرغب في تعليمهم، بل في دفعهم للعمل.
لكن الأم، التي لم تعرف المدرسة يوماً، أصرت على أن يتعلم أولادها فك الحروف. فالتحق لولا بالمدرسة الابتدائية في سانتوس، دون أن يتوقف عن العمل في مسح الأحذية تارة، أو جمع قشور الفاكهة من الشوارع، أو بيع السلاطعين التي كان يصطادها من النهر تارة أخرى.
في الحقيقة، لم تكن معاناة لولا دا سيلفا وأسرته استثناءً، إذ كان عشرات الملايين من البرازيليين يعيشون الظروف ذاتها، تحت القبضة العسكرية والفساد المتغلغل في كل مفصل من مفاصل الدولة. فحينها كانت البلاد، تحت الحكم الديكتاتوري، تُعيد إنتاج البؤس بأشكال لا تنفد، ومثل قول تولستوي، كان لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة.
من الخراطة إلى النقابة
في عام 1955، بعد أن ضربها زوجها، قررت دونّا ليندو الهروب مجدداً، وهذه المرة إلى حي فقير بضواحي ساو باولو. هناك، بدأ لولا العمل في سن 12: في مصبغة، ثم مكتب، ثم في مصنع معادن صغير. في سن 16، حصل على فرصة للدراسة في مركز مهني لتعلّم مهنة "المخرطجي". كان يعمل صباحاً ويدرس بعد الظهر. وبعد عامين ونصف العام، نال شهادته: "أفضل ما حصل لي في حياتي"، كما قال لاحقاً، إذ صار أول من في العائلة لديه مهنة ودخل ثابت، وسيارة، وتلفاز، وثلاجة.
في معمل المعادن الجديد، بُتر إصبع خنصر يده اليسرى في حادث خراطة. وبين 1964 و1965، عمل هناك حتى تمّ طرده لأنه رفض العمل أيام السبت. بقي بلا وظيفة عاماً ونصف العام، حتى التحق بأحد أكبر مصانع سان برناردو، الذي أصبح لاحقاً مقر إقامته الدائم. هناك، ارتفع راتبه، واستقر، وبقي في المصنع حتى عام 1980.
عندما دشّن العسكرُ البرازيليون حقبةَ الانقلابات عام 1964، لم يكن لولا مسيّساً. لم يفهم ما جرى، ولم يعترض. وبحلول عام 1968، انضم إلى النقابة استجابةً لضغط شقيقه "فري شيكو" – القس الشيوعي – الذي أجبره على الترشح للهيئة النقابية. فاز بصعوبة، وجاء ترتيبه 19 من أصل 25. كُلّف بالملفات القانونية، وسرعان ما أثبت كفاءة لافتة في التفاوض وجمع المصالح المتضاربة.
في 1971، انتُخب أميناً عاماً للنقابة التي فرّغته، وتوقف عن العمل بعد هذا التاريخ. حاول الشيوعيون ضمه إلى الحزب، لكنه رفض. ثم انتُخب رئيساً للنقابة دون منافسة في 1975 و1978. قاد سلسلة من الحملات العمالية للمطالبة بزيادة الأجور، تحوّلت إلى إضرابات شاملة شارك فيها 235 ألف عامل عام 1978، وأكثر من 600 مصنع عام 1979.
وفي 1 مايو/ أيار، نظّم تجمعاً غير مسبوق لنحو 100 ألف عامل وعائلاتهم في ملعب لكرة القدم. جاءت النتيجة سريعة: زيادات في الأجور فاقت التوقعات، وانتشر اسمه في عموم البلاد، فردّت السلطة بحلّ النقابة، واعتقلته 31 يوماً – توفيت والدته خلالها – ثم حُكم عليه بالسجن 3 سنوات، قبل أن يُستأنف الحكم ويُبرَّأ لاحقاً.
أكسبته تجربة السجن الأولى شعبية معقولة في أوساط العمال، وفي عام 1980 أسس دا سيلفا، مع عدد من أساتذة الجامعات وقادة النقابات والمثقفين، "حزب العمال" اليساري المنادي بحقوق العمال وإعادة توزيع الثروة في البلاد.
أضاف دا سيلفا، عام 1982، لقب "لولا" رسمياً إلى اسمه، وبات يُعرف به بعد أن اتسعت شهرته وبدأت شعبيته تجد صداها في أوساط الفقراء والمهمشين والعاملين حول البلاد. وفي عام 1983، أسس الاتحاد المركزي للنقابات التجارية في البرازيل، وفي عام 1984 شارك لولا وحزبه "العمال" في إعادة صياغة الدستور البرازيلي، الذي كان معمولاً به منذ 1967، والذي كان ينص على انتخاب رئيس البلاد من خلال غرفتي البرلمان فقط، دون إجراء انتخابات رئاسية عامة. كانت تلك الطريقة بطبيعة الحال هي فكرة العسكريين الذين كانوا يحكمون البلاد، وكان يتم اختيار الرئيس "من خلفية عسكرية" بواسطة قادة الجيش، ويتم عرض الاختيار على البرلمان لإقراره.
نجحت جهود المعارضة السياسية، وفي القلب منها دا سيلفا وحزب العمال، في تعديل الدستور ليتم انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب، ومع ذلك رفض دا سيلفا وحزبه التصديق على التعديلات؛ لأنها لم تتضمن النص على إعادة توزيع الثروة الزراعية في البلاد، التي يسيطر عليها النظام الإقطاعي.

أما دا سيلفا، فقد كانت أول تجربة انتخابية غير عمالية يخوضها هي ترشحه لمنصب حاكم ساو باولو عام 1982، وخسر تلك الانتخابات، لكن حزبه الناشئ كان يثبت قدميه على المسرح السياسي الوطني. إذ بدأ حينها "حزب العمال" يسجّل انتصارات متتالية، وبحلول 1985 كان قد رسّخ وجوده من الشمال إلى الجنوب، وأوصل نواباً وشيوخاً، وحكام ولايات، وعُمد بلديات. شيئاً فشيئاً، أخذ الحزب يتمدد في بلد بحجم قارّة، حتى بات موجوداً في معظم الولايات والعواصم، يحكم بعضها ويخسر أخرى، وبالتوازي يمنح لولا شبكة سياسية عابرة للانقسامات المناطقية، لا تتوافر عادة في زعماء برازيليين محكومين بخصوصياتهم المحلية.
وفي أول انتخابات تأسيسية بعد نهاية الحكم العسكري عام 1986، حقق الحزب اختراقاً مهماً، عبر إيصال 16 نائباً إلى البرلمان، ومن بينهم لولا، الذي فاز حينها بمقعد جعله أحد أبرز الوجوه الجديدة في الكونغرس البرازيلي، حيث شارك مع رفاقه في صياغة التعديلات الدستورية التي وضعت الأسس للجمهورية الديمقراطية الجديدة.
الطريق إلى القصر
شهدت الانتخابات الرئاسية الأولى، بعد تعديل الدستور، عام 1989 ترشح دا سيلفا للرئاسة للمرة الأولى. وعلى الرغم من أن شعبيته كانت قد انتشرت بشدة في أوساط المجتمع البرازيلي، وبخاصة بين الفقراء والمهمّشين وطبقة العمال، فإن أصحاب الأعمال والأثرياء ومعهم وسائل الإعلام الرئيسية كانوا متكتلين ضده، فنادي الرؤساء في البرازيل محصور بالنخب المالية، كما تم حرمان مناطق بأكملها، فقيرة ومهمشة بطبيعة الحال، من التصويت.
خسر لولا دا سيلفا أولى معاركه الرئاسية، ثم قرر ألا يترشح لانتخابات الكونغرس عام 1990، مفضّلاً العودة إلى العمل النقابي حيث بدأ مساره. لكنه لم يبتعد طويلاً عن سباق الرئاسة، فعاد في عامي 1994 و1998 مرشحاً ضد صديقه القديم، أستاذ علم الاجتماع فرناندو هنريك كاردوزو، الذي كان وزيراً للمالية وأدخل إصلاحات اقتصادية ممتازة أكسبته شعبية كبيرة، إضافة إلى الدعم من الأثرياء وأصحاب الأعمال والإعلام، ليخسر دا سيلفا في المرتين.
بعد المحاولات 3، ظنّ لولا أن الوقت قد حان ليترجّل، وأن الوقت قد حان لكي يتحمل غيره هذه المسؤولية. إلا أن تدنّي شعبية كاردوزو وضغط رفاقه المتزايد عليه تجاوزا تحفّظاته، فترشّح عام 2002 تحت شعار "لولا السلام والمحبة"، وكانت جزءاً من إعادة تقديم لولا بصورة أكثر هدوءاً واعتدالاً لخفض نسبة رفضه بين الناخبين، سعياً لطمأنة الطبقات الوسطى وكسب ثقة غالبية البرازيليين.
فقد تخلى عن تصريحاته السابقة بشأن ديون البرازيل المتراكمة، وكان هذا الملف من أوضح المواضع التي ظهر فيها تحوله. فالرجل الذي خاض حملاته الأولى مطالباً بتعليق سداد الدين الخارجي وإخضاعه لتدقيق، عقداً عقداً، أصبح في 2002 يتعهد باحترام "عقود البلاد والتزاماتها". واختفت من خطابه تلك النبرة التي أقلقت المصارف والدائنين طويلاً، وجعلت مجرد اقترابه من الرئاسة كافياً لإثارة التوتر في الأسواق.

فاز لولا برئاسة البرازيل للمرة الأولى في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2002، بعدما حصد 52.8 مليون صوت، أي 61.27% من الأصوات الصحيحة، في أكبر حصيلة يحققها مرشح رئاسي في تاريخ البلاد حتى ذلك الوقت. وفي 1 يناير/ كانون الثاني 2003، دخل الرجل الذي حاول الوصول إلى القصر 3 مرات من قبل إلى الرئاسة أخيراً.
حين صار العامل رئيساً
حين صوّتت له الطبقات العاملة والوسطى والفقراء عام 2002، لم يخنهم. فقد جاء إلى السلطة بشعار بسيط: "لولا السلام والمحبة"، رغم ذلك، لم تكن بداية لولا سهلة على الإطلاق، بدأ نظامه بدايةً قاتمة، وسرعان ما كاد أن ينزلق نحو الكارثة، إذ كانت البلاد مثقلة بتركة اقتصاد منهك: دين عام ضخم، عملة فقدت نصف قيمتها، أسعار فائدة خانقة، وبلاد على شفا انهيار شبيه بالأرجنتين.
كان لولا قد وصل إلى الرئاسة بأصوات تحالف واسع امتد من العمال وقطاعات من الطبقة الوسطى إلى ملايين البرازيليين الأقل دخلاً. والتحول الذي طمأن الأسواق لم يكن يعني أن الفقراء خرجوا من حسابه. ففي حملة 2002 أعاد تقديم نفسه إلى البلاد في صورة أكثر هدوءاً، اختصرها بنفسه في عبارة ستلتصق به طويلاً: "لولينا يريد السلام والمحبة".
لكن الرئاسة التي انتظرها طويلاً لم تبدأ في بلد هادئ. إذ تسلّم لولا اقتصاداً على حافة أزمة مالية. كان الدين العام مرتفعاً، والريال قد تعرض لانهيار حاد خلال شهور الانتخابات، والفائدة ترتفع لكبح التضخم وهروب الأموال، فيما بقي شبح الانهيار الأرجنتيني المجاور حاضراً في الخلفية.
ثم، بعد عامين فقط، جاءت العاصفة السياسية.
في 2005 انفجرت فضيحة "المينسالاو"، بعدما ظهرت اتهامات بوجود شبكة من المدفوعات لسياسيين وأحزاب حليفة مقابل دعم الحكومة في الكونغرس. ولم يكن لولا نفسه متهماً في الدعوى الجنائية للقضية، لكن الفضيحة وصلت إلى قلب حكومته وحزبه، ودفعت خصومه إلى تحميله مسؤولية سياسية عما جرى تحت رئاسته.
كان وقع الفضيحة أشد لأن حزب العمال لم يكن مجرد حزب آخر وصل إلى السلطة. لقد أمضى سنوات يقدم نفسه بوصفه بديلاً أخلاقياً لنظام سياسي تشكلت تحالفاته طويلاً عبر المناصب والمصالح والمال.
فكما أوضح المؤرخ البريطاني بيري أندرسون في مقاله "برازيل لولا" في مجلة London Review of Books ، فإن هذه الممارسة لم تُولد مع حزب العمال، وإنما كانت جزءاً راسخاً من تقاليد السياسة البرازيلية، حيث أُديرت التحالفات البرلمانية لعقود عبر المال والمصالح. الجديد هو أن الحزب الذي قدّم نفسه كمنظومة أخلاقية بديلة وجد نفسه منغمساً في الأسلوب القديم للدولة.
وهو ما التقطته الصحافة البرازيلية على الفور. وكما يصف أندرسون، لم تدخر وسائل الإعلام أي تخمين قاتل أو تفصيل ضار، وجعلت من حزب العمال هدفاً مفتوحاً على مصراعيه.
فبدت الفضيحة قادرة على ابتلاع رئاسة لولا. إذ هبطت شعبيته، وخسر جزءاً من الطبقة الوسطى التي حملته إلى السلطة في 2002. لكنه حين وصل إلى انتخابات 2006 كان شيء آخر قد حدث في الأسفل، فالاقتصاد عاد إلى النمو، والأجور تحسنت، وبدأت أهم برامج لولا الاجتماعية – "بولسا فاميليا" – تصل إلى ملايين الأسر.
فبينما كانت الفضيحة تلاحقه في برازيليا، كان عدد متزايد من الفقراء يرى آثاراً مختلفة تماماً لحكومته في حياته اليومية. تلك المسافة بين ما كان يحدث في العاصمة وما كان يتغير في دخل الأسرة البرازيلية ستصبح واحدة من مفاتيح بقاء لولا.
فمنذ البداية كان واضحاً أن لولا يريد أن يربط الاقتصاد بالعدالة الاجتماعية. وكانت "القضاء على الجوع"، أو "فومي زيرو"، واحدة من أولى محاولاته الكبرى. بدأ البرنامج بطموح هائل، لكنه تعثر في انطلاقته وسط مشكلات في التنسيق والتنفيذ، قبل أن تجد الحكومة أداة أبسط وأكثر فاعلية.
في أكتوبر/ تشرين الأول 2003، أنشأ لولا "بولسا فاميليا"، جامعاً تحت مظلة واحدة عدداً من برامج التحويلات النقدية القائمة. كانت الفكرة مباشرة: تحصل الأسرة الفقيرة على مبلغ نقدي، في مقابل إبقاء أطفالها في المدرسة ومتابعة صحتهم. توسع البرنامج بسرعة، وبحلول 2009 كان يصل إلى نحو 12 مليون أسرة، أي ما يقارب ربع سكان البرازيل.
ولم تُبقِ تلك الأموال أثرها داخل البيوت وحدها. فالأسرة الفقيرة تنفق الجزء الأكبر مما تحصل عليه، على الطعام والدواء والملابس والحاجات اليومية، فتعود النقود سريعاً إلى الدكان والسوق والاقتصاد المحلي. وقد أظهرت دراسات لاحقة أن "بولسا فاميليا" كان من أكثر التحويلات الاجتماعية قدرة على تحريك الاستهلاك.
كانت تلك، إلى حد بعيد، معادلة لولا الواقعية. فهو لم يدخل القصر ليعلن الحرب على رأس المال، بقدر ما حاول أن ينتزع للفقراء مساحة أوسع داخل النظام القائم. وهو ما لخّصه الصحفي بول الأشقر في مقاله "لولا، رجل لكل الفصول" في مجلة "بدايات" بأن: "لولا لم يخض حرباً هجومية على الأغنياء، لكنّ "اللوليّة" خاضت حرباً دفاعية لصالح الفقراء". فأبقى على سياسة نقدية صارمة لطمأنة الأسواق، ورفع الفوائد، وقلّص الاستثمار العام.
ففي سنواته الأولى، بدا وكأنه يواصل خطى سلفه كاردوزو، ما أثار بعض الخيبة. حيث أبقى لولا على جانب كبير من الهيكل الاقتصادي الذي ورثه عن كاردوزو، وشدد السياسة المالية والنقدية، وحافظ على أسعار فائدة مرتفعة، فيما تقلص الاستثمار العام بشدة في عامه الأول. كان عليه أولاً أن يقنع الأسواق بأن العامل النقابي القديم لن يقلب الطاولة.
أثار ذلك خيبة داخل أجزاء من اليسار الذي أوصله إلى السلطة. لكن الريح الخارجية بدأت تهب في صالحه أيضاً. فالصين كانت تنمو بسرعة وتطلب ما تملكه البرازيل بكثرة: الحديد وفول الصويا والنفط والمواد الأولية. ارتفعت أسعار السلع واتسعت الصادرات، وبعد نمو لم يتجاوز 1.1% في 2003، قفز الاقتصاد 5.8% في العام التالي، ثم نما 3.2% في 2005 ونحو 4% في 2006.
استخدم لولا تلك المساحة بطريقة ميزت تجربته. رفع الحد الأدنى للأجور عاماً بعد عام، ومعه ارتفعت تلقائياً دخول ملايين المتقاعدين الذين ترتبط مزاياهم الدنيا به، ووسعت حكومته الوصول إلى الائتمان، خصوصاً عبر القروض المقتطعة من الرواتب. وبين 2003 و2010 ارتفع الحد الأدنى الحقيقي بأكثر من النصف.
وفي الوقت نفسه، أخذ أحد أكثر أشباح الماضي ثقلاً يتراجع. ففي 2005 سددت البرازيل ما بقي عليها لصندوق النقد الدولي قبل موعده. وبعد سنوات قليلة، أصبحت أصول البلاد الخارجية واحتياطياتها أكبر من دينها الخارجي، فتحولت البرازيل للمرة الأولى إلى دائن خارجي صافٍ.
وكان التغيير يظهر أيضاً في سوق العمل. ففي 8 سنوات أُنشئت نحو 15.4 مليون وظيفة رسمية، وارتفع عدد المسجلين في سوق العمل الرسمي من نحو 28.6 مليوناً إلى 44 مليوناً. وفي الوقت نفسه، خرج ملايين البرازيليين من الفقر وارتفعت دخول شرائح واسعة ممن ظلوا طويلاً على هامش النمو.
ولم يقف لولا عند الدخل. إذ استثمرت حكومته في التعليم، فتوسعت الجامعات الفدرالية، وقفزت مواردها المخصصة للتسيير والاستثمار من 6.7 مليارات ريال في 2003 إلى 19.7 ملياراً في 2010، فيما تضاعف تقريباً عدد المقاعد التي تعرضها. وعلى مستوى البلاد، ارتفع عدد طلاب التعليم العالي من نحو 3.9 ملايين إلى 6.4 ملايين خلال الفترة نفسها.
وفي الجامعات الخاصة، فتحت الحكومة طريقاً آخر عبر برنامج "ProUni". ففُرض على الجامعات الخاصة، مقابل إعفائها الضريبي، تقديم منح للطلاب الفقراء أو من خلفيات غير بيضاء. وبنهاية عهد لولا كان نحو 749 ألف طالب قد استفادوا من البرنامج. وكان اتساع باب الجامعة كبيراً إلى درجة أن أثره في دمقرطة التعليم شُبّه أحياناً بقانون "حقوق الجنود" الذي وسّع التعليم الجامعي في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي تلك السنوات ظهر تعبير جديد في البرازيل: "الطبقة الوسطى الجديدة". فقد قدّر مركز السياسات الاجتماعية في مؤسسة غيتوليو فارغاس أن نحو 25.9 مليون برازيلي انتقلوا بين 2003 و2008 إلى ما سمّاه "الفئة C"، حتى أصبحت تضم قرابة نصف السكان.
كانت التسمية محل جدل، لأن كثيراً من هؤلاء لم يصبحوا "طبقة وسطى" بالمعنى الاجتماعي التقليدي، وإنما عمالاً وموظفين وأصحاب دخول متواضعة أصبحوا أقل فقراً وأكثر قدرة على الاستهلاك. لكن الجدل حول التسمية لا يلغي حجم التحول نفسه، فملايين البرازيليين الذين عاشوا طويلاً عند حافة الفقر أصبح لديهم دخل أعلى، ووظيفة رسمية، وقدرة أكبر على الاقتراض، وفرصة أوسع لإرسال أبنائهم إلى الجامعة.
وجاء ذلك كله في بلد لم تكن لديه رفاهية الحركة خارج الاقتصاد العالمي. فالبرازيل التي تسلمها لولا كانت خارجة من أزمة دين، مرتبطة باتفاق مع صندوق النقد، وتعتمد على رؤوس الأموال الأجنبية وأسواق السلع، فيما كان مجرد احتمال وصول اليسار إلى الحكم قد دفع المستثمرين إلى الهرب والعملة إلى الهبوط. لذلك لم تكن واقعية لولا مجرد خيار أيديولوجي، بل كانت أيضاً محاولة لتوسيع هامش السياسة الاجتماعية داخل القيود التي تواجه دولة كبرى من الجنوب العالمي.
ساعده الحظ الخارجي بالتأكيد. فقد صعدت الصين، وارتفع الطلب على الحديد وفول الصويا والمواد الأولية البرازيلية، وتحسنت شروط التجارة. لكن الطفرة لم تحدد وحدها أين تذهب ثمارها. فاختار لولا رفع الحد الأدنى للأجور، وتوسيع التحويلات الاجتماعية والائتمان والتعليم، فتحول جزء من عوائد النمو إلى زيادة ملموسة في دخل الفئات الأدنى.
وبحلول 2010، كان دخل أفقر البرازيليين قد نما بوتيرة أسرع وأكبر من دخل الأغنى، وكان الاقتصاد قد سجل نمواً بلغ 7.5%. وفي البحر، كانت اكتشافات النفط الهائلة تحت طبقات الملح تضيف إلى الشعور بأن البلاد دخلت لحظة تاريخية مختلفة.
لم تختفِ اللامساواة التي صنعتها قرون من العبودية وتركز الأرض والثروة، ولم تتحول البرازيل إلى دولة رفاه على الطريقة الأوروبية. وربما لم يكن ذلك معياراً عادلاً أصلاً لبلد خرج قبل عقود قليلة من الديكتاتورية وأزمات الدين والتضخم، ويعمل داخل نظام دولي يمنح دول المركز مساحة أوسع بكثير للمناورة.
ببساطة، كان ما حدث أكثر تواضعاً من الثورة، وأكبر من مجرد طفرة اقتصادية. ففي اقتصاد ظل رأسمالياً ومندمجاً في الأسواق العالمية، نجحت حكومة لولا في توجيه جانب من الثروة الجديدة نحو الفئات التي ظلت طويلاً في أسفل السلم.
وعندما غادر لولا القصر في نهاية 2010، كان البلد الذي سلّمه إلى ديلما روسيف أكبر اقتصاداً، وأقل فقراً، وأوسع تعليماً وتشغيلاً ما تسلّمه قبل 8 سنوات. وقيّم 83% من البرازيليين حكومته بأنها جيدة أو ممتازة، في أعلى نسبة سُجلت لرئيس ديمقراطي في العصر الحديث. وخلال ولايتيه، صعدت البرازيل من المرتبة 13 إلى 8 عالمياً في حجم الاقتصاد، وانتقلت من دولة مثقلة بالديون إلى دائن صافٍ يحظى بإجماع دولي قلّ نظيره.
وكانت ديلما، رفيقته في حزب العمال، ووزيرة المناجم والطاقة السابقة ثم رئيسة ديوانه، هي الخليفة التي اختارها بنفسه. وبذلك فعل لولا شيئاً نادراً في الديمقراطيات الرئاسية: اختار من يخلفه، وأوصلها إلى القصر، ثم غادر وهو في ذروة شعبيته.
حين تصدّع ما بناه لولا
بدت البرازيل كما لو أنها عثرت أخيراً على الصيغة التي استعصت عليها طويلاً. اقتصاد سوق يستطيع رجال الأعمال العيش معه، ودولة اجتماعية تدفع جانباً من الثروة إلى الأسفل، وديمقراطية مستقرة بعد عقود من الانقلابات، وسياسة خارجية تمنح برازيليا مساحة أوسع من الاستقلال عن واشنطن من دون أن تقطع معها.
في الخارج، صار لولا يتنقل بين البيت الأبيض وبكين وطهران وباريس. وفي الداخل، بدا أن عامل المعادن السابق أثبت أن البرازيل ليست مضطرة إلى الاختيار بين طمأنة الأسواق وإطعام الفقراء.
غير أن تلك المصالحة يبدو أنها كانت تحمل منذ البداية هشاشتها الخاصة.
فجزء من نجاح سنوات لولا استفاد من دورة عالمية مواتية لأسعار السلع، ارتفعت فيها أسعار السلع واتسع الطلب الصيني على الحديد وفول الصويا والنفط البرازيلي. وفي الداخل، استند حكم حزب العمال إلى ائتلاف برلماني واسع ومتناقض، جمع أحزاباً من اليسار والوسط واليمين، إلى جانب شخصيات راسخة في النظام السياسي القديم.
وكان لولا ماهراً في إدارة هذا العالم، أما ديلما، التي جاءت إلى الرئاسة من الإدارة أكثر ما جاءت من صناديق الاقتراع، فقد ورثت تناقضاته كلها دفعة واحدة.
ثم بدأت البيئة التي ساعدت لولا تتغير. إذ فقدت طفرة السلع بعضاً من قوتها، وتباطأ الاقتصاد العالمي، وفي الداخل أخذ الاستثمار والنمو يفقدان زخمهما. لم يكن هناك سبب واحد للتباطؤ، لكن الاقتصاد البرازيلي الذي أنهى عهد لولا بنمو بلغ 7.5% لم يعد يتحرك بالسرعة نفسها.
وفي يونيو/ حزيران 2013 جاءت الشرارة من مكان بدا صغيراً للغاية: 20 سنتافو. حيث رفعت ساو باولو تعرفة النقل العام من 3 ريالات إلى 3.20. فخرج بضعة آلاف إلى الشوارع اعتراضاً على الزيادة. وبعد أيام، لم يعد أحد تقريباً يتحدث عن 20 سنتافو وحدها.
وانتشرت المظاهرات من ساو باولو إلى بقية البلاد، وخرج أكثر من مليون برازيلي في يوم واحد. صار كل شيء تقريباً موضوعاً للاحتجاج: المواصلات، والفساد، والمستشفيات، والمدارس، والإنفاق على كأس العالم، والطبقة السياسية نفسها.
وخرجت الاحتجاجات من يد الذين بدأوها. فقد اتسعت الحركة التي قادها في البداية ناشطون وطلاب من اليسار، ودخلتها قوى واتجاهات يصعب جمعها تحت راية واحدة. واختلط اليميني باليساري، ورفعت شعارات ضد الأحزاب اليسارية، وتعرض حاملو أعلام حزبية للاعتداء في بعض المسيرات، وظهرت على هامشها أصوات تطالب حتى بتدخل الجيش. وفي 3 أسابيع فقط، هبط تقييم حكومة ديلما من 57% إلى 30%.
يصف الكثيرون أن تلك كانت لحظة انكسار مهمة. فالغضب خرج أيضاً من مجتمع تغير خلال سنوات حزب العمال. أناس تحسنت حياتهم، واتسعت تطلعاتهم، ولم يعودوا يقيسون حاضرهم بما كانوا عليه قبل 10 سنوات، بل بما اعتقدوا أنهم أصبحوا يستحقونه.
كانت تلك إحدى مفارقات ما يسمى "اللولية": النجاح في رفع التوقعات صنع جمهوراً أقل استعداداً لقبول الرداءة.
ولم يختفِ الغضب مع انتهاء صيف 2013. ففي العام التالي، ومع اقتراب كأس العالم، عادت المظاهرات إلى مدن عدة احتجاجاً على مليارات أُنفقت على الملاعب فيما ظلت المدارس والمستشفيات والنقل العام في قلب الشكوى. كانت أصغر من موجة يونيو الكبرى، لكنها أبقت الشارع مفتوحاً تحت أقدام الحكومة.
وبعد أقل من عام على انفجار احتجاجات 2013، بدأت عملية قضائية تحمل اسماً شديد المحلية تتحول إلى الزلزال الذي سيعيد ترتيب السياسة البرازيلية.
بدأت "لافا جاتو" بتحقيق في شبكة لغسل الأموال، ارتبط أحد خيوطها بمحطة وقود ومكتب صرافة في برازيليا. ومن هناك وصل المحققون إلى شركة النفط الحكومية بتروبراس، ثم إلى شبكة واسعة من كبار المقاولين ومديري الشركة والسياسيين والأحزاب، دارت حول عقود مضخمة وعمولات ومدفوعات غير مشروعة.
لم يكن أصل القضية وهماً. الفساد كان حقيقياً، والشبكة واسعة، والأموال هائلة.
لكن "لافا جاتو" سرعان ما اتسعت، إذ اعتمد التحقيق بكثافة على الاعتقال الاحتياطي واتفاقات التعاون والاعتراف، وتحوّلت تسريبات من ملفاته إلى مادة متكررة في الصحافة، بينما صعد القاضي سيرجيو مورو من قاعة محكمة في كوريتيبا إلى واحد من أشهر الوجوه العامة في البلاد. وفي قراءة بيري أندرسون، التقى فساد سياسي قديم ومتجذر بمؤسسة قضائية اكتسبت قوة سياسية غير مسبوقة، وبإعلام جعل حزب العمال في قلب الأزمة الأخلاقية التي كانت تتكشف.
ومع ذلك، استطاعت ديلما أن تفوز بولاية ثانية في أكتوبر/ تشرين الأول 2014، لكن بالكاد: 51.64% من الأصوات مقابل 48.36% لمنافسها أيسيو نيفيس.
وبعد الانتخابات دخل الاقتصاد ركوداً قاسياً، فيما ازدادت الضغوط في الشارع والبرلمان، وراحت التحالفات التي قامت عليها سنوات حزب العمال تتفكك واحدة بعد أخرى.
وفي أغسطس/ آب 2016 وصل الأمر إلى نهايته. صوّت مجلس الشيوخ، بأغلبية 61 صوتاً مقابل 20، على عزل ديلما بعد إدانتها بمخالفات لقواعد الميزانية، تعلقت بمراسيم لفتح اعتمادات إضافية وتأخير تحويلات حكومية إلى بنك البرازيل لتمويل برنامج زراعي.
لم تكن القضية اختلاساً شخصياً، ولم تُتهم ديلما بأنها أخذت المال لنفسها. بالنسبة إلى أنصارها، كان ما جرى انقلاباً برلمانياً استخدم مخالفة مالية ذريعة لإسقاط رئيسة منتخبة. أما مؤيدو العزل فرأوا فيه تطبيقاً دستورياً لقواعد المسؤولية المالية.
وبعيداً عن الخلاف على اسمه، كانت النتيجة واضحة، بعد أكثر من 13 عاماً متصلة، خرج حزب العمال من قصر بلانالتو.
السجن الذي أخرج منه رئيساً
لكن "لافا جاتو" لم تنتظر سقوط ديلما حتى تصل إلى لولا. ففي الرابعة من مارس/آذار 2016، قبل عزلها بخمسة أشهر، وصلت الشرطة الفيدرالية إلى منزله عند السادسة صباحاً واقتادته قسراً إلى مطار كونغونياس للاستجواب. أحاطت الكاميرات بالمشهد، وبدا الرجل الذي حكم البرازيل ثماني سنوات وكأنه انتقل فجأة من مركز السياسة إلى قلب التحقيق الذي كان يبتلعها.
بعد عام، أدانه سيرجيو مورو في قضية شقة دوبلكس على ساحل غواروجا. قال الادعاء إن شركة OAS خصصت الشقة وأجرت تحسينات فيها لمصلحة لولا ضمن منافع غير مشروعة مرتبطة بعقود بتروبراس. أنكر لولا أن يكون قد امتلك العقار أو تلقاه رشوة.
وفي أبريل/نيسان 2018 دخل لولا السجن. وكان دخوله يحمل سؤالاً سيطارد القضية لاحقاً: هل كان القضاء يحاكم رجلاً متهماً بالفساد، أم أنه بات يقرر أيضاً من يحق له أن ينافس على حكم البرازيل؟
فقد دخل لولا السجن وهو المرشح الأوفر حظاً للعودة إلى الرئاسة. وحتى بعد أربعة أشهر خلف القضبان، أظهر استطلاع "داتا فوليا" في أغسطس/آب 2018 حصوله على 39% من نوايا التصويت، مقابل 19% لجايير بولسونارو. لكن المحكمة الانتخابية رفضت تسجيل ترشحه استناداً إلى إدانته، وانتقلت بطاقة حزب العمال إلى فرناندو حداد.
كانت الصورة تحمل مفارقة مؤلمة. فالرجل الذي اعتقلته الديكتاتورية العسكرية عام 1980 بسبب قيادته إضرابات العمال عاد، بعد ثمانية وثلاثين عاماً، إلى السجن في جمهورية ديمقراطية ساهم بنفسه في بنائها.
وحين صدر أمر سجنه، عاد لولا إلى المكان الذي بدأت منه حياته السياسية: مقر نقابة عمال المعادن في ساو برناردو دو كامبو. أمضى هناك ليلتين محاطاً بعائلته ورفاقه وآلاف المؤيدين، قبل أن يعلن أنه سيسلّم نفسه. حاول بعض أنصاره منعه من المغادرة، حتى إنهم أغلقوا الطريق أمام سيارته، قبل أن يخرج لولا في النهاية ماشياً وسط الحشود ويتجه إلى سيارة الشرطة الفيدرالية التي كانت تنتظره في الخارج.

ومن هناك نُقل إلى كوريتيبا، حيث بدأت أيامه الـ580 في السجن.
ومن زنزانته شاهد انتخابات 2018 تمضي من دونه. فاز بولسونارو، النقيب السابق في الجيش والنائب الذي أمضى سنوات يمتدح الديكتاتورية ويهاجم اليسار. وبعد أسابيع من الانتخابات، قبل سيرجيو مورو، القاضي الذي أدان لولا، منصب وزير العدل في حكومته.
ثم بدأت قصة القضية تنقلب على نفسها. ففي يونيو/حزيران 2019، نشرت "ذا إنترسبت برازيل" رسائل داخلية مسربة من فريق "لافا جاتو". أظهرت المراسلات مورو وهو يناقش مع المدعين خطوات في التحقيق ويقدم لهم اقتراحات وملاحظات، رغم أن موقعه كقاض يفترض أن يضعه على مسافة من طرفي القضية. وكشفت رسائل أخرى أن أعضاء في فريق الادعاء حاولوا عرقلة مقابلة صحفية مع لولا خلال حملة 2018 خشية أن تساعد على انتخاب فرناندو حداد، مرشح حزب العمال الذي حلّ مكان لولا بعد استبعاده من السباق الرئاسي.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2019 خرج لولا من السجن. لأن المحكمة العليا غيّرت القاعدة التي كانت تسمح بتنفيذ عقوبة السجن بعد حكم الدرجة الثانية وقبل استنفاد طرق الطعن. وبعد 580 يوماً، عاد إلى الحرية وإدانته ما تزال قائمة.
أما التحول الحاسم فجاء في 2021. ففي مارس/آذار ألغى قاضي المحكمة العليا إدسون فاكين إدانات لولا، بعدما خلص إلى أن محكمة كوريتيبا التي نظرت قضاياه لم تكن مختصة بها. وفي أبريل/نيسان ثبتت المحكمة العليا القرار بأغلبية ثمانية مقابل ثلاثة. ثم جاء الحكم الأثقل سياسياً وقضائياً: قررت المحكمة أن سيرجيو مورو كان منحازاً في قضية الدوبلكس، وثبتت الهيئة العامة هذا الحكم بأغلبية سبعة مقابل أربعة.
وبعد عام، خلصت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى أن البرازيل انتهكت حق لولا في الحرية والمحاكمة أمام قاضٍ محايد وقرينة البراءة والحقوق السياسية. واعتبرت أن الخلل في الإجراءات انتهى بحرمانه من الترشح للرئاسة وبقضائه 580 يوماً في السجن.
وعاد لولا. فحين بدا السجن واستبعاده من الانتخابات كأنهما نهاية الطريق، كانت حياته السياسية كلها تقريباً قد علّمته كيف يعود من أماكن بدت نهائية.
وفي عام 2021 استعاد حقوقه السياسية، وبعد عام فقط كان الرجل الذي شاهد بولسونارو يصل إلى القصر من داخل زنزانته يستعد لمواجهته على باب القصر نفسه.
البرازيل التي وجدها حين عاد
لكن حين عاد لولا، كانت البلاد التي تركها قد تبدلت.
فبولسونارو لم يكن مجرد رئيس محافظ آخر في تقليد اليمين البرازيلي. فقد نقل إلى قلب السلطة تياراً كان يعيش طويلاً على الأطراف، يجمع الحنين إلى العسكر، والقومية اليمينية، والسوقية الاقتصادية، والمحافظة الإنجيلية، والحرب الثقافية، والعداء للمؤسسات التي تحد من سلطة الرئيس.

وفي الأمازون ظهر الفارق سريعاً. خلال حكم بولسونارو ارتفع قطع الغابات بشدة. وتشير السلسلة الرسمية لمعهد أبحاث الفضاء البرازيلي إلى أن إزالة الغابات في الأمازون القانونية بلغت نحو 10.1 آلاف كيلومتر مربع عام 2019، ثم 10.9 آلاف في 2020، ثم تجاوزت 13 ألفاً في 2021، قبل أن تبلغ 11.6 ألفاً في 2022.
بالنسبة إلى لولا، أصبح الدفاع عن الغابة جزءاً من تعريف المشروع السياسي نفسه.
فالأمازون، في حسابات البرازيل، أكبر من ملف بيئي. إنها أرض ومعادن ومياه ونفط وشعوب أصلية ومزارع ماشية وطرق وشركات تعدين وشبكات تهريب، فوق مساحة تجعل سلطة الدولة نفسها غير متكافئة. ومن يقرر شكل الحكم هناك يقرر، إلى حد ما، أي نوع من التنمية تريد البرازيل أن تصبحه.
كان بولسونارو يرى أن أجزاء واسعة من المنطقة مقيدة باسم البيئة وحقوق السكان الأصليين على حساب التنمية. أما لولا فعاد إلى الخطاب الذي حكم به سابقاً، ومفاده أن البرازيل تستطيع أن تستفيد من الأمازون من دون القضاء عليها.
لكن قبل أن يتمكن من العودة إلى تلك المعركة، كان عليه أولاً أن يفوز بمعركة الدولة نفسها. ففي 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، جلس ملايين البرازيليين أمام الشاشات يراقبون الفارق يضيق صوتاً بعد آخر.
وحين اكتمل الفرز، كان لولا قد انتزع واحدة من أضيق الانتخابات في تاريخ البرازيل الديمقراطي، بعدما حصل على 50.9% من الأصوات، مقابل 49.1% لبولسونارو، بفارق لم يتجاوز نحو 2.1 مليون صوت.
فعاد عامل المعادن السابق إلى قصر بلانالتو في سن 77. لكن لولا الذي عاد في 2023 لم يكن هو نفسه الذي دخل القصر للمرة الأولى قبل 20 عاماً، كما أن البرازيل التي استقبلته لم تعد تلك التي حكمها في 2003.
فهذه المرة لم يدخل قصر بلانالتو على ظهر موجة اجتماعية عريضة ومرحلة اقتصادية صاعدة. دخل بلداً منقسماً إلى نصفين متقاربين، وبرلماناً أكثر محافظة، ويميناً شعبوياً اكتسب جمهوراً اجتماعياً مستقراً، ومؤسسة عسكرية دخلت السياسة أكثر ما كانت تفعل منذ نهاية الديكتاتورية.
وبعد أسبوع واحد من تنصيبه، ظهر حجم المشكلة.
ففي 8 يناير/ كانون الثاني 2023 تدفق آلاف من أنصار بولسونارو إلى ساحة السلطات 3 في برازيليا. اقتحموا الكونغرس، والمحكمة العليا، وقصر بلانالتو. حطموا الزجاج والأثاث والأعمال الفنية، وسط مطالب بتدخل الجيش لإسقاط الحكومة الجديدة.
كانت الصور تشبه اقتحام الكونغرس الأميركي في 6 يناير/ كانون الثاني 2021 إلى حد يصعب تجاهله. وأعلن لولا تدخلاً اتحادياً في أمن العاصمة، وتعهد بمحاسبة المسؤولين. إذ كان العنف إيذاناً بأن لولا في ولايته 3 سيؤدي وظيفة لم تكن في صميم ولايتيه الأوليين.
عام 2003، كان يريد أن يجعل الديمقراطية البرازيلية أكثر اجتماعية. بينما عام 2023، وجد نفسه مطالباً أيضاً بالدفاع عن الديمقراطية نفسها.
بعد ذلك بعامين، أدانت المحكمة العليا جاير بولسونارو بالتآمر لتنفيذ انقلاب بعد خسارة انتخابات 2022، وحكمت عليه بالسجن 27 عاماً و3 أشهر. كان أول رئيس برازيلي سابق يُدان في قضية بهذا الحجم تتعلق بمحاولة تقويض النظام الديمقراطي.
انتقلت البرازيل بذلك من سؤال: هل يستطيع اليسار العودة؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: هل يستطيع أن يمنع اليمين المتطرف من العودة بعد أن أصبح له مجتمع كامل ينتخبه؟
العودة إلى الجوع
كان لولا يعرف أن حماية الديمقراطية وحدها لا تكفي إذا لم يشعر الناس بأثرها في حياتهم. وبالنسبة إلى رجل قضى طفولته يعرف الجوع عن قرب، كانت السياسة تفقد شيئاً من معناها إذا عاد الطعام نفسه إلى أن يكون سؤالاً يومياً في بيوت الفقراء.
وحين عاد إلى الحكم في يناير/ كانون الثاني 2023، كانت البرازيل قد عادت بالفعل إلى "خريطة الجوع" التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة، بعدما تجاوز انتشار نقص التغذية عتبة 2.5% في الفترة 2019-2021، ثم ارتفع أكثر في 2020-2022.
فعاد لولا إلى إحدى أقدم معاركه. وأعاد "بولسا فاميليا"، وأطلق خطة "البرازيل بلا جوع"، ووسع سياسات الغذاء والدخل، وأعاد سياسة الزيادة الحقيقية للحد الأدنى للأجور. وعاد الهدف الذي افتتح به رئاسته الأولى قبل 20 عاماً إلى قلب الحكومة: أن يأكل البرازيليون 3 مرات في اليوم.

وفي يوليو/ تموز 2025، أعلنت الفاو أن البرازيل خرجت مرة أخرى من خريطة الجوع. فقد هبط متوسط انتشار نقص التغذية خلال الفترة 2022-2024 إلى أقل من 2.5% من السكان، وهي العتبة التي تعتمدها المنظمة. وبعد عام، أكد تقرير 2026 استمرار البرازيل خارج الخريطة، وهذه المرة استناداً إلى الفترة 2023-2025 بأكملها.
ولم يكن التحسن محصوراً في الغذاء. ففي 2025 هبط متوسط البطالة السنوي إلى 5.6%، وهو أدنى مستوى يسجله معهد الإحصاء البرازيلي منذ بدء سلسلته الحالية عام 2012، فيما بلغ عدد المشتغلين 103 ملايين شخص، وهو رقم قياسي أيضاً.
واستمر الاتجاه في 2026. فقد بلغت البطالة 5.4% في الربع الثاني من العام، ثم تراجعت إلى 5.3% في الأشهر 3 المنتهية في يوليو/ تموز.
لكن المواطن الذي وجد عملاً كان يرى شيئاً آخر كلما ذهب إلى السوق. فقد ظلت كلفة المعيشة مرتفعة، حتى بعدما بدأت وتيرة التضخم تهدأ، فيما كانت الأسر المثقلة بالديون تواجه واحدة من أعلى معدلات الفائدة في العالم. وبحلول منتصف 2026 كانت خدمة الديون تلتهم أكثر من ربع دخل الأسر.
وكان الضغط يظهر في مكان آخر أيضاً. نما الاقتصاد 2.3% في 2025، ثم تباطأ نموه المتراكم على 4 فصول إلى 1.9% بحلول الربع الثاني من 2026، فيما اقترب الدين العام الإجمالي من 83% من الناتج.
هنا عادت حدود مشروع لولا القديم إلى الظهور.
فهو يستطيع استخدام الدولة لرفع الأجور وتوسيع برامج الدخل وتحسين شروط العمل، وقد فعل ذلك مرة أخرى. لكنه يفعل ذلك داخل اقتصاد تفرض عليه الفائدة المرتفعة والدين العام هامشاً ضيقاً للحركة، ولا تزال السلع الأولية، من النفط وفول الصويا إلى خام الحديد، تحتل وزناً كبيراً في صادراته.
وفوق ذلك كله، لم تعد الرئاسة البرازيلية تملك مساحة الحركة نفسها التي كانت لديها حين دخل لولا القصر للمرة الأولى. فقد راكم الكونغرس خلال العقدين الماضيين نفوذاً متزايداً على الميزانية، وأصبح تمرير الإنفاق والتشريعات والتعيينات الكبرى يحتاج إلى مساومات أوسع مع كتل سياسية لا يسيطر عليها حزب العمال.
لقد عاد لولا إلى السلطة، لكن سلطة الرئيس نفسها أصبحت أضيق. وبعد أكثر من 20 عاماً على إطلاق "القضاء على الجوع" في رئاسته الأولى، وجد نفسه يخوض المعركة نفسها مرة أخرى، في بلد تغير كثيراً، وبأدوات أقل حرية، وفي عالم أكثر اضطراباً من ذلك الذي حكم فيه للمرة الأولى.
رئة الأمازون
وسط كل تلك القيود، بقي ملف واحد يستطيع لولا أن يعرض فيه على العالم فرقاً مرئياً بين مشروعه ومشروع خصومه: الأمازون.
منذ عودته، استُعيدت سياسات الرقابة البيئية، وعادت مارينا سيلفا إلى وزارة البيئة، وتكثفت عمليات إنفاذ القانون ضد القطع غير المشروع. والنتيجة ظهرت من الأقمار الصناعية.
كانت مساحة إزالة الغابات في الأمازون القانونية 11,594 كيلومتراً مربعاً في 2022. هبطت إلى 9,064 في 2023، ثم إلى قرابة 6,288 في 2024. وفي 2025 سجل المعهد الوطني لأبحاث الفضاء 5,731 كيلومتراً مربعاً، بانخفاض إضافي قدره 12.07% عن العام السابق. وفي دورة الرصد من أغسطس/ آب 2025 إلى يوليو/ تموز 2026 هبطت إنذارات إزالة الغابات 36%، إلى أدنى مستوى في سلسلة DETER المستخدمة للمراقبة السريعة.
وبشيء من المجاز، يمكن القول إن لولا عاد حارساً لإحدى رئات الكوكب. فقرار تتخذه برازيليا بشأن طريق أو منجم أو أرض محمية في الأمازون لا يبقى قراراً برازيلياً خالصاً. الغابة تخزن كميات هائلة من الكربون، وتنتج دورة مياه تؤثر في الزراعة داخل أميركا الجنوبية، وتحوي واحدة من أغنى منظومات التنوع الحيوي في العالم.
وقد أدرك لولا قيمة هذه الورقة سريعاً. فبعد فوزه في 2022، جعل مؤتمر COP27 أول رحلة خارجية له كرئيس منتخب. وفي اليوم السابق لوصوله إلى شرم الشيخ، عنون جون لي أندرسون مقاله في مجلة The New Yorker "مستقبل الأمازون، وربما الكوكب، يعتمد على رئيس البرازيل المنتخب لولا". لكن الأمازون نفسها تكشف حدود صورة لولا البيئية.
فحكومته التي أعادت تشديد الحماية على اليابسة دفعت أيضاً باتجاه التنقيب عن النفط في الهامش الاستوائي. وبعد سنوات من الجدل، حصلت بتروبراس في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 على ترخيص لحفر بئر استكشافية في مياه أمابا، على بعد نحو 500 كيلومتر من مصب الأمازون، رغم اعتراض جماعات بيئية.
وفي أغسطس/ آب 2026، بعدما ظهرت مؤشرات على وجود النفط، شبّه لولا اللحظة باكتشاف حقول ما قبل الملح، وقال إن النفط هناك قد يصبح "جواز سفر للمستقبل".
لم يصبح لولا زعيماً بيئياً، ومع ذلك، بقي الفارق مع سنوات بولسونارو واضحاً. ففي عهد الأخير ارتفعت إزالة الغابات، ثم تراجعت بقوة بعد عودة لولا، فعادت الأمازون إلى قلب الصراع على مستقبل البرازيل.
لولا والعالم خارج الحديقة الخلفية
هناك جزء من قصة لولا يصعب فهمه إذا ظل النظر محصوراً داخل البرازيل.
منذ ولايته الأولى، تصرف كما لو أن بلاده أمضت زمناً أطول من اللازم تقبل بدور أصغر من حجمها. أراد علاقة جيدة مع الولايات المتحدة من دون الارتهان لها، وعلاقة أوسع مع الصين، وحضوراً برازيلياً في أفريقيا، ومقعداً دائماً في مجلس الأمن، ومساحات تستطيع دول الجنوب من خلالها التحدث خارج المؤسسات التي تشكلت تحت هيمنة القوى الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.
ولهذا وجد في تجمع "بريك" الناشئ، ثم "البريكس"، وفي شراكاته مع الهند وجنوب أفريقيا والصين أدوات تمنح البرازيل مساحة أكبر. ومن هنا أيضاً جاءت استقلاليته في الملفات التي تصنع توتراً مع واشنطن.
ومع حرب الإبادة على غزة ظهر هذا الخط بوضوح أشد.
ففي 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وصف لولا هجمات حماس بأنها إرهابية، ثم طالب بإطلاق سراح الأسرى ووقف القصف الإسرائيلي. ومع اتضاح حجم الإبادة في غزة، اشتدت لغته تدريجياً.
ففي فبراير/ شباط 2024، دخل في أزمة دبلوماسية حادة مع الاحتلال الإسرائيلي، بعدما شبّه الإبادة التي يرتكبها في غزة باضطهاد اليهود في عهد هتلر. فأثار تصريحه غضب قادة الاحتلال ومنظمات يهودية، وأعلنت حكومة بنيامين نتنياهو، المطلوب أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أن لولا شخص غير مرغوب فيه إلى أن يتراجع عن موقفه. لكن برازيليا رفضت الاعتذار، واستدعت سفيرها من إسرائيل للتشاور، ثم أزالته من منصبه هناك بعد أشهر.
ولم يبقَ الموقف في حدود الخطاب. ففي سبتمبر/ أيلول 2025، تدخلت البرازيل رسمياً أمام محكمة العدل الدولية في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع الإبادة، وقدمت تفسيرها لالتزامات الدول بمنع الجريمة والمعاقبة عليها.
وبعد أيام، قال لولا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعبارات لا تحتمل التأويل: "لا شيء، لا شيء على الإطلاق، يبرر الإبادة المستمرة في غزة"، وتحدث عن دفن "أسطورة الاستثنائية الأخلاقية للغرب" تحت الأنقاض.
لم يبدأ موقف لولا من فلسطين في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. فقبل أكثر من عقد من الإبادة في غزة، كانت فلسطين واحدة من الساحات التي اختبر فيها عملياً معنى أن تكون للبرازيل سياسة خارجية مستقلة.
ففي مارس/ آذار 2010، قام لولا بأول زيارة رسمية لرئيس برازيلي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنها انتقل إلى بيت لحم ورام الله ثم الأردن. أراد للجولة أن تقول إن البرازيل تستطيع الدخول بصوتها إلى واحد من أكثر ملفات العالم احتكاراً من القوى الكبرى.
وكان قد مهّد لذلك في برازيليا نفسها. ففي غضون أشهر استقبل شمعون بيريز، ومحمود عباس، ومحمود أحمدي نجاد. وربما هذا يلخص شيئاً من فلسفة لولا في الدبلوماسية: الحديث مع الجميع، ورفض أن يقرر الآخرون مسبقاً من يجوز الجلوس معه ومن يجب عزله.
لكن الحوار مع الجميع لم يعنِ الحياد تجاه الاحتلال.
فقد دافع لولا عن دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وانتقد الاحتلال والاستيطان والحصار المفروض على غزة. وبعد الهجوم على أسطول الحرية عام 2010، قال إن مهاجمة الأسطول الإنساني في المياه الدولية تؤكد أن الوقت قد حان لرفع الحصار عن القطاع.
في 3 ديسمبر/ كانون الأول 2010، قبل أقل من شهر على مغادرته الرئاسة، اعترفت البرازيل رسمياً بدولة فلسطين ضمن حدود 1967. واستقر منذ ذلك الحين في السياسة الرسمية لبرازيليا أن غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية عاصمةً للدولة الفلسطينية، تقع ضمن الأراضي التي تعترف بها البرازيل لدولة فلسطين.
وبذلك سبق لولا بسنوات طويلة عواصم غربية ستصل لاحقاً إلى النقاش نفسه حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ففلسطين، في رؤية لولا، أكثر من قضية خارجية. إذ يمكن القول إنها كانت مرآة لنظام دولي يقرر فيه الأقوياء متى يُطبَّق القانون، ومتى يُؤجَّل، ومن يصل إلى العدالة، ومن يُطلب منه الانتظار.
عندما ذهب إلى طهران
وقد ظهر المنطق نفسه بصورة أوضح في تعامل لولا مع إيران، ففي أواخر العقد الأول من الألفية، قبل الحرب الحالية، كان البرنامج النووي الإيراني واحداً من أكثر ملفات العالم حساسية. وكانت الضغوط تتصاعد باتجاه عقوبات جديدة، فيما أصر لولا على أن لإيران، مثل بقية الدول الموقعة على معاهدة عدم الانتشار، حقاً في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية ما دامت ملتزمة بتعهداتها الدولية.
وربط ذلك بموقف آخر قلما حظي بالاهتمام نفسه: إذا كان الهدف منع الانتشار النووي، كما قال، فينبغي أن يكون الشرق الأوسط كله خالياً من الأسلحة النووية، لا أن ينحصر النقاش في إيران وحدها.
وفي مايو/ أيار 2010، ذهب لولا إلى طهران إلى جانب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. وبعد مفاوضات مكثفة، وافقت إيران على "إعلان طهران": إيداع 1200 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب في تركيا، مقابل الحصول على 120 كيلوغراماً من الوقود لمفاعل الأبحاث في طهران.
وحينها رحب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بالجهد البرازيلي التركي، وقال إن الاتفاق، إذا نُفذ، يمكن أن يبني الثقة ويفتح الباب أمام حل تفاوضي.
لكن المسار لم يصمد طويلاً. فبعد أسابيع، طُرح في مجلس الأمن قرار جديد لفرض العقوبات على إيران. ولم يكن الانقسام هذه المرة بين البرازيل والغرب وحدهما، إذ أيدت روسيا والصين القرار أيضاً. ومن بين أعضاء المجلس 15، وقفت البرازيل وتركيا وحدهما ضده، بينما امتنع لبنان.
بالنسبة إلى لولا، لم تكن فلسطين وغيرها من ملفات الجنوب منفصلة عن نظرته إلى العالم. بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجنوب العالمي، أصبح هذا واحداً من أسباب أهمية لولا خارج حدود البرازيل. فهو رئيس دولة يبلغ سكانها أكثر من 200 مليون نسمة، واقتصادها من الأكبر عالمياً، يستطيع أن يقول أشياء عن الاحتلال الإسرائيلي أو الولايات المتحدة يصعب على دول أصغر قولها من دون ثمن أكبر.
ولهذا أيضاً، ربما لم تعد الانتخابات البرازيلية، في نظر كثيرين، شأناً برازيلياً فقط.
آخر القلاع الكبرى
خلال الموجة اليسارية الأولى في أميركا اللاتينية، لم يكن لولا وحيداً. فإلى الغرب كان هوغو تشافيز في فنزويلا، وإيفو موراليس في بوليفيا، ورافائيل كوريا في الإكوادور. وإلى الجنوب حكم الكيرشنريون الأرجنتين، ووصلت ميشيل باشليت إلى الرئاسة في تشيلي، وجاء تاباري فاسكيز ثم خوسيه موخيكا في أوروغواي.
منحت هذه الخريطة لولا مساحة واسعة للمناورة. كان يستطيع أن يقدم نفسه إلى واشنطن والأسواق بوصفه يسارياً معتدلاً، بينما يحتفظ بعلاقات وثيقة مع حكومات أكثر راديكالية في جواره. وقد التقط بيري أندرسون هذه المعادلة مبكراً: وجود قوى تقع إلى يسار لولا منحه مساحة أكبر للاستقلال عن واشنطن، وفي الوقت نفسه جعله أكثر قبولاً لدى رأس المال الدولي.
في 2026 اختفت تلك الخريطة تقريباً.
يحكم خافيير ميلي الأرجنتين، وتولى خوسيه أنطونيو كاست رئاسة تشيلي بعد أكبر تحول نحو اليمين تشهده البلاد منذ عقود. وانتقلت بيرو إلى كيكو فوجيموري، وكولومبيا إلى أبيلاردو دي لا إسبرييلا، فيما بقي دانيال نوبوا في الإكوادور.
وفي السلفادور، لم تعد تجربة نجيب بوكيلي في الأمن والسجون شأناً محلياً. صار نموذجاً تتداوله قوى اليمين في القارة، حتى إن سياسيين برازيليين ذهبوا إلى هناك لدراسة سجونه وسياساته. وهذه الروابط جزء من ظاهرة أوسع، إذ تصف دراسة لمركز كارنيغي اليمين الجديد في المنطقة باعتباره شبكة عابرة للحدود تتنقل داخلها الخطابات والتكتيكات ونماذج الحكم من بلد إلى آخر.
البرازيل، بهذا المعنى، ليست آخر دولة تحكمها قوى اليسار في أميركا اللاتينية. فالمكسيك ما زالت تحت حكم كلوديا شينباوم، وأوروغواي يحكمها يسار الوسط.
لكن البرازيل هي أكبر قلعة متبقية لليسار في أميركا الجنوبية. وحجمها يمنح الكلمة معنى مختلفاً. فحين تتغير الحكومة في أوروغواي يتغير بلد. وحين تتغير البرازيل، يتحرك ميزان قارة.
ولم يعد ذلك مجرد انطباع برازيلي. فقبل أيام من الانتخابات، وصفت رويترز لولا بأنه يحمل آمال يسار لاتيني آخذ في الانحسار، ونقلت عن دبلوماسيين برازيليين أن واشنطن ترى في البرازيل آخر عقبة كبرى أمام امتداد حكومات متحالفة مع ترامب عبر المنطقة.
لهذا تبدو انتخابات 2026 كأنها أكثر من معركة على معاش أو ضريبة أو برنامج اجتماعي. فحول لولا ظهرت فجأة خريطة عالمية من الخصوم والحلفاء. على الجانب الآخر وقف فلافيو بولسونارو، الابن الأكبر للرئيس السابق، حاملاً اسم العائلة والمشروع نفسه في نسخة أقل صخباً.
وحين أطلق حملته رسمياً في يوليو/ تموز 2026، لم يترك كثيراً من الالتباس حول الأسرة السياسية الدولية التي يرى نفسه جزءاً منها. فحضر خافيير ميلي لدعمه. وظهر بنيامين نتنياهو في رسالة فيديو مؤيدة له.
أما العلاقة مع واشنطن فكانت أكثر حساسية. فبعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أصبح الدعم الأميركي لليمين المتحالف معه في أميركا اللاتينية أكثر علنية من السابق. في 2025 فرض ترامب رسوماً مرتفعة على سلع برازيلية وربط جانباً من قراره بمعارضته للملاحقة القضائية لجاير بولسونارو. وفي انتخابات 2026 استضاف ترامب فلافيو بولسونارو في البيت الأبيض وأشاد به، مع أنه لم يصدر تأييداً انتخابياً رسمياً. كما اتهمت حكومة لولا عائلة بولسونارو بمحاولة استخدام علاقاتها بواشنطن للضغط على البرازيل، وهو اتهام نفاه البولسوناريون.
وفي سبتمبر/ أيلول 2026، قبل الانتخابات بأسابيع، أبلغ مسؤولون من وكالة الاستخبارات البرازيلية وفدين فرنسياً وألمانياً بوجود ما وصفوه بتدخل أميركي وروسي في العملية السياسية.
ثم جاءت صناديق الاقتراع
في 4 أكتوبر/ تشرين الأول، حصل فلافيو بولسونارو على 47.03% من الأصوات الصحيحة، مقابل 45.16% للولا، بفارق يزيد قليلاً على مليوني صوت. لم يحسم أحد الرئاسة، وانتقلت المواجهة إلى جولة إعادة في 25 أكتوبر/ تشرين الأول.
لكن التحول لم يظهر في السباق الرئاسي وحده. فقد تقدم اليمين أيضاً في الكونغرس، وأصبح الحزب الليبرالي الذي ينتمي إليه فلافيو أكبر حزب منفرد في مجلسي النواب والشيوخ، بعدما رفع تمثيله في مجلس الشيوخ من 15 إلى 28 مقعداً. كانت البرازيل قد مالت إلى اليمين حتى قبل أن تعرف اسم رئيسها المقبل.
وهكذا يصل لولا إلى الجولة الأخيرة في مشهد يختلف كثيراً عن ذلك الذي أحاط بصعوده الأول.
على جانب، مشروع أمضى سنوات يحاول توسيع هامش البرازيل بين مراكز القوة، وتقوية صلاتها بدول الجنوب، والاحتفاظ بمسافة تسمح لها بالاختلاف مع واشنطن والاحتلال الإسرائيلي.
وعلى الجانب الآخر، بولسونارية أكثر التصاقاً بيمين دولي يمتد من خافيير ميلي إلى بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، وقد دخلت جولة الإعادة متقدمة بفارق يقارب نقطتين.
وبعد رحلة بدأت بطفل عرف الجوع في برنامبوكو، ثم عامل معادن، ثم رئيساً سُجن وعاد إلى القصر، يجد لولا نفسه مرة أخرى أمام معركة يتجاوز معناها مصيره الشخصي.
ففي 25 أكتوبر/ تشرين الأول، لن يكون الخلاف فقط على من يجلس في قصر بلانالتو، بل على المكان الذي تريد البرازيل أن تقف فيه، داخل قارة تغير اتجاهها وحول عالم يعاد ترتيب موازينه.