في مساء الأول من مايو/ أيار 2025، توجه كريم خان إلى فندق "ديس إنديس" في لاهاي لمقابلة صديق قديم.
يقع الفندق في قلب المدينة التي جعلت من العدالة الدولية جزءاً من هويتها. وهو مبنى يعود إلى القرن التاسع عشر، بثرياته الثقيلة وأعمدته الرخامية وغرفه التي ربما استقبلت ملوكاً ودبلوماسيين ورجالاً اعتادوا أن تُحل الأزمات بعيداً عن المكاتب الرسمية. وعلى مسافة قصيرة منه، تقف المحكمة الجنائية الدولية، المؤسسة التي انتُخب خان قبل 4 أعوام لقيادة مكتب الادعاء فيها.
جاء خان برفقة زوجته، شيامالا ألاجندرا، وهي محامية دولية مثله. أما الرجل الذي كان ينتظرهما، فكان نيكولاس كوفمان، المحامي الجنائي البريطاني الإسرائيلي، وأحد الوجوه المعروفة في عالم العدالة الدولية.
لم يأتِ كوفمان كخصم يطلب موعداً، أو مبعوثاً دبلوماسياً يحمل رسالة رسمية، إذ كان صديقاً لخان.
لكن قبل اللقاء، كان كوفمان قد تحدث مع روي شوندورف، النائب السابق للمدعي العام الإسرائيلي وأحد مستشاري بنيامين نتنياهو في المعركة التي تشنها إسرائيل على المحكمة. وفي الفندق، أخبر خان أن لديه فهماً لما يدور في العقل الإسرائيلي، وربما فكرة أو اثنتين من النوع الدبلوماسي.
ووفقاً لملاحظات قدمها خان لاحقاً إلى محققي الأمم المتحدة، قال كوفمان إن مذكرتَي التوقيف الصادرتين بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت لم تعودا، من وجهة نظر الإسرائيليين، إجراءين ضد رجلين، بل أصبحتا لائحة اتهام ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي كلها. ورأى كوفمان أن على خان أن يجد طريقة "للنزول عن الشجرة".
لذلك، اقترح كوفمان إعادة تصنيف الملف المرتبط بالمذكرتين إلى سري، بما يتيح للإسرائيليين الاطلاع عليه والطعن فيه. ثم وصل إلى الغرض الفعلي من اللقاء، بأن يسحب خان مذكرتَي التوقيف.
ووفق رواية خان، جاء التحذير بعد العرض. فإذا لم يتراجع، فإن "هم"، في العبارة التي دوّنها المدعي العام، "سيدمرونك وسيدمرون المحكمة".
نفى كوفمان أنه هدد خان أو تحدث باسم نتنياهو وغالانت، وقال إنه ذهب إلى الاجتماع بصفته صديقاً أراد مساعدة خان على "تصحيح أخطائه"، وإن حديثه عن تدمير المحكمة لم يكن سوى وصف لما يمكن أن تفعله العقوبات الأميركية بها. لكنه لم ينفِ جوهر الرسالة التي حملها الموقف كله: بقاء المذكرتين سيستدعي قوة أكبر من المحكمة ومن مدعيها العام.
رفض خان العرض.
وفي 10 مايو/ أيار، نشرت "وول ستريت جورنال" تحقيقاً يتضمن اتهامات وتفاصيل جديدة عن الاتهامات الجنسية التي وجهتها موظفة في مكتب خان. وفي 16 من الشهر نفسه، أعلن خان خروجه في إجازة إلى حين انتهاء التحقيق، في وقت كان يعمل فيه، وفق مصادر داخل المحكمة، على ملفين جديدين يتعلقان بوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش. وتوقف العمل الفعلي على الملفين بعد خروجه.
قد يبدو تسلسل اللقاء والتقرير والإجازة مجرد تزامن لا يثبت وحده وجود خطة واحدة. لكن فهم ما حدث لا يبدأ من فندق "ديس إنديس"، ولا من الاتهامات التي انفجرت في مايو/ أيار 2025، بل يبدأ من التناقض الذي كشفه مسار خان نفسه: الرجل الذي احتفت به العواصم الغربية عندما لاحق خصمها الروسي تحول إلى عبء ينبغي التخلص منه عندما مد القانون ذاته نحو حليفها الإسرائيلي.
ولفهم كيف وقع هذا التحول، ينبغي العودة إلى اللحظة التي بدا فيها أن واشنطن وأوروبا تريدان محكمة جنائية دولية قوية.
المحكمة الجنائية حين أحبها الغرب
عندما غزت روسيا أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، تحولت المحكمة الجنائية الدولية من مؤسسة تعاني نقص الموارد والتعاون إلى مركز لنشاط قانوني وسياسي غير مسبوق. أرسلت دول أوروبية محققين وخبراء، وتدفقت المعلومات والأموال، وفتحت الحكومات أبوابها أمام مكتب الادعاء. واكتشفت القوى الغربية أن المحكمة، التي طالما أحاطتها بالشك، يمكن أن تكون أداة أخلاقية وقانونية شديدة الفاعلية، ما دام المتهم خصماً لها.
في 17 مارس/ آذار 2023، أصدر قضاة المحكمة مذكرة توقيف بحق فلاديمير بوتين، بناءً على طلب مكتب خان، للاشتباه في مسؤوليته عن النقل غير المشروع لأطفال أوكرانيين إلى روسيا.

رحبت إدارة جو بايدن بالقرار، رغم أن الولايات المتحدة لم تنضم إلى معاهدة روما ولا تعترف بسلطة المحكمة على مواطنيها. وحينها لم تتحدث واشنطن عن سيادة روسيا، أو عن خطورة ملاحقة رئيس دولة ليست عضواً في المحكمة. وبدا أن كل الاعتراضات القانونية التي تُثار عادة حول حدود اختصاص لاهاي قد فقدت أهميتها، لأن القانون الدولي كان يتحرك هذه المرة في الاتجاه الذي تريده القوى الغربية.
كريم خان ابن المؤسسات الدولية
ولم يكن خان غريباً عن هذا العالم أو متمرداً عليه.
وُلد كريم خان في إدنبرة عام 1970 لأب باكستاني وأم بريطانية، ونشأ في بريطانيا بوصفه ابناً لعائلة تنتمي إلى أقلية دينية وعرقية. كان والده ينصحه بألا يجعل الاعتبارات المالية معياراً لاختياراته المهنية، وأن يبحث عن العمل الذي يستمتع به. وحين دخل عالم المحاماة، كان يدرك أن خلفيته قد تدفع الآخرين إلى حصره في قضايا الهجرة أو الجريمة. لكنه كان يريد مجالاً أوسع من الأدوار التي كان يخشى أن يُختزل فيها بسبب أصوله.
ينتمي خان إلى الجماعة الأحمدية، التي تعرض أتباعها في باكستان لاضطهاد قانوني وسياسي طويل. وخلال دراسته القانون في كينغز كوليدج لندن، انخرط في أعمال تطوعية داخل الجامعة وفي أوساط جماعته الدينية. وقال لاحقاً إن هذه التجربة ساعدت في دفعه نحو حقوق الإنسان والقانون الدولي.
كان اضطهاد الأحمديين جزءاً من السياق الذي تشكل فيه وعيه المبكر بعلاقة القانون بالهوية. لكن هذه الخلفية لم تكن وحدها ما حدد مساره. فخلال دراسته وبدايات عمله، كانت حرب البلقان تصل إلى المنازل البريطانية عبر شاشات التلفزيون. فشاهد خان المدن المحاصرة ومخيمات اللاجئين، والتقى في بريطانيا أشخاصاً فروا من الحرب. وحين أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة عام 1993، وجد أمامه مجالاً قانونياً لم يكن موجوداً بوصفه مساراً مهنياً واضحاً عندما بدأ دراسة القانون: محكمة تحاول تحويل صور المذابح التي يشاهدها العالم إلى أدلة واتهامات ومحاكمات.
قرر أنه يريد العمل هناك.
أرسل طلبات متكررة لم يتلقَّ رداً على معظمها. ووصفها لاحقاً بأنها كانت تختفي في "ثقب أسود". لكنه واصل التقديم، حتى أصبح أول محامٍ من نقابة المحامين في إنجلترا يُعيَّن في مكتب الادعاء بالمحكمة الخاصة بيوغوسلافيا السابقة. ولم تكن العدالة الدولية وقتها مساراً مهنياً مستقراً، بل كانت سلسلة من المحاكم المؤقتة التي تُنشأ بعد أن تنتهي المذابح، ثم تحاول جمع ما تبقى من الأدلة والذاكرة.
بدأ خان حياته المهنية عام 1992 في الادعاء العام البريطاني. ثم قُبل في نقابة المحامين في إنجلترا وويلز عام 1992، وعمل مدعياً في النيابة الملكية البريطانية بين عامي 1993 و1996. وبعد فترة في لجنة القانون لإنجلترا وويلز، انتقل عام 1997 إلى مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ثم عمل مستشاراً قانونياً في مكتب الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية لرواندا.
وبمرور الوقت، بنى مسيرة غير مألوفة بين أطراف قاعة المحكمة المختلفة. إذ عمل مدعياً، ومثّل ضحايا، ثم أصبح واحداً من أبرز محامي الدفاع في القانون الجنائي الدولي.
تولى الدفاع عن الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور خلال المرحلة السابقة للمحاكمة وحتى يونيو/ حزيران 2007، ودافع عن وليام روتو أمام المحكمة الجنائية الدولية في القضية المتعلقة بأعمال العنف التي أعقبت الانتخابات الكينية.
كما تولى الدفاع عن سيف الإسلام القذافي أمام المحكمة الجنائية الدولية في القضية التي لاحقته فيها المحكمة باتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال الانتفاضة الليبية عام 2011. ومثّل كذلك جان بيير بيمبا، نائب رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية السابق، في قضية تعلقت بجرائم مزعومة ارتُكبت في جمهورية أفريقيا الوسطى، وعمل في الدفاع عن رئيس الوزراء الليبي السابق البغدادي المحمودي.
كما مثّل مجموعة كبيرة من ضحايا نظام الخمير الحمر أمام المحكمة المدعومة من الأمم المتحدة في كمبوديا.
لم يرَ تناقضاً في الانتقال بين هذه المواقع. إذ كان يعتقد أن المدعي الذي لا يفهم الدفاع قد يخلط بين قوة الاتهام وقوة الدليل، وأن المحامي الذي يتعامل مع خصمه بوصفه تجسيداً للشر يفقد القدرة على رؤية الثغرات التي يمكن أن تُسقط القضية كلها. علمته تلك السنوات أن هول الجريمة لا يعفي الادعاء من الإثبات، وأن أفضل طريقة لخدمة الضحايا ليست إطلاق الاتهامات الأشد وقعاً، بل بناء الملفات التي تستطيع الصمود حين يبدأ المحامون في تفكيكها داخل المحكمة.
وعلمته أيضاً أن لاهاي ليست عالماً مكتفياً بذاته. فلا يستطيع محامون دوليون أن يهبطوا على بلد منكوب حاملين كتب القانون، ثم يتوقعوا أن يفهموا تاريخه وشهوده وصراعاته. فالتحقيق يحتاج إلى من يعرفون المكان ولغاته، وإلى تعاون السلطات، ووثائق الأجهزة الحكومية، وحماية الشهود، وأموال الدول، وقدرتها على توقيف المطلوبين.
كانت هذه الخبرة هي التي حملها إلى العراق عام 2018، حين اختاره الأمين العام للأمم المتحدة لقيادة الفريق المكلف بجمع الأدلة على جرائم تنظيم "داعش". وصل إلى مهمة بدأت بقرار من مجلس الأمن وبفريق صغير، ثم بنى جهازاً يضم مئات المحققين والخبراء، يعمل على توثيق الإبادة والعبودية الجنسية والقتل الجماعي والجرائم التي استهدفت الإيزيديين والمسيحيين والشيعة والسنة.
هناك ترسخت صورته بوصفه رجلاً قادراً على تحويل مؤسسة بطيئة إلى جهاز يعمل، عبر جمع الوثائق، وتحديد الأسماء وسلاسل القيادة، وبناء أدلة يمكن نقلها من الميدان إلى قاعات المحاكم.
وعندما انتخبته الدول الأعضاء مدعياً عاماً للمحكمة الجنائية الدولية في فبراير/ شباط 2021، وصل إلى لاهاي حاملاً هذا التصور نفسه: مؤسسة العدالة لا تُقاس بما تعلنه، وإنما بما تستطيع إثباته وإنجازه.
وقد افتتحت المحكمة أبوابها عام 2002 مثقلة بوعد وُلد من مذابح رواندا والبوسنة: حين تعجز الدول عن محاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى، أو ترفض ذلك، ستتولى مؤسسة دائمة المهمة. لكن معظم مذكراتها في العقدين الأولين استهدفت أفارقة. وبقيت الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا والصين خارج معاهدة روما، قادرة على الاستفادة من المحكمة حين تلاحق أعداءها، ثم إنكار شرعيتها عندما تقترب من مواطنيها أو حلفائها.
ولهذا، قال خان إن المحكمة وعدت الضحايا بالكثير، لكنها قدمت لهم القليل، وإن الفجوة بين لغتها الكبيرة ونتائجها المحدودة لم تعد مقبولة. إذ رأى أن التوقعات التي أحاطت بالمحكمة ارتفعت أكثر مما تسمح به مواردها ونتائجها، وإن محاولة التحقيق في كل شيء قد تنتهي إلى عدم إنجاز شيء. فوعد بمكتب ادعاء أكثر صرامة في تحديد الأولويات، وأقدر على تحويل التحقيقات إلى ملفات تصمد أمام القضاة.
وأراد استخدام التكنولوجيا بصورة أوسع في تحليل الصور والهواتف والبيانات، والاستعانة بمحامين ومحققين من المجتمعات التي تقع فيها الجرائم، وإعادة تنظيم العمل بما يقلل المسافة بين المحققين والمحللين والمحامين. كان يريد محكمة تحقق أثرًا ملموسًا، لا "نمرًا من ورق" أو مؤسسة تنتج التقارير من دون أن تصل إلى المساءلة.
بهذا البرنامج دخل خان السباق الذي انتهى بانتخابه. قدم نفسه بوصفه رجل مؤسسة يريد إصلاحها من الداخل، وتسريعها، وإعادة شيء من الفاعلية والمصداقية إلى عملها.
ورغم ذلك، لم يصل خان إلى المنصب بوصفه رجل مواجهة مع القوى الكبرى، إذ كان يعرف أن المحكمة تعيش داخل نظام تتحكم الدول في موارده وحدوده، وأن المدعي العام الذي يتجاهل السياسة قد ينتهي إلى إصدار بيانات لا يستطيع تنفيذها.
وقد ظهر هذا الحذر بعد أشهر قليلة من توليه المنصب. ففي ملف أفغانستان، أعطى الأولوية لاتهامات جرائم طالبان وتنظيم الدولة، وقلص الموارد المخصصة للتحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية. وقد أثار القرار غضب منظمات حقوقية رأت فيه تراجعاً أمام واشنطن، ومحاولة لإصلاح العلاقة معها بعد العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على المدعية السابقة فاتو بنسودا.
أما خان، فتحدث عن محدودية الموارد، وعن الحاجة إلى التركيز على القضايا التي يمكن تحويلها إلى مذكرات ومحاكمات. وكان منطقه مألوفاً لمن يعرفون المحكمة: العدالة التي تطلب كل شيء قد تنتهي إلى تحقيق لا شيء.
كان ذلك هو خان الذي عرفته العواصم الغربية: مدعٍ طموح يريد نتائج، لكنه يدرك أن القانون الدولي لا يعمل في فراغ، وأن القوة تحدد أحياناً الملفات التي تستطيع المحكمة فتحها، والأبواب التي يمكنها عبورها، والأشخاص الذين يمكنها الوصول إليهم.
وحين طلب توقيف بوتين، بدا أن وعده الانتخابي بدأ يتحقق. تحرك مكتبه بسرعة، وجمع الأدلة، وقدم طلباً ضد رئيس دولة كبرى، ثم حصل على قرار قضائي تاريخي. وصفقت له العواصم التي كانت تمد المحكمة بالمحققين والمال والمعلومات، وتريد منها أن تكون سريعة وحازمة حين يكون المتهم في موسكو.
وبدا خان، حينها، لبعض الوقت، كأنه المدعي الذي كانت المحكمة تنتظره: رجل يعرف كيف يمنح فكرة العدالة المتساوية جسداً إجرائياً. لكن غزة ستأخذ هذا الوعد إلى مكان آخر، إلى الحافة التي لا يحب الغرب أن يبلغها القانون. وهناك، حين اقترب الاسم من نتنياهو وغالانت، بدأ ما كان يُحتفى به في أوكرانيا يبدو، فجأة، خطراً لا يُحتمل.
حين تغيرت هوية المتهم
مع بداية الإبادة التي شنّتها إسرائيل بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يعد ملف فلسطين ورقة بطيئة في أدراج لاهاي، بل صار امتحاناً مباشراً لخان، وللمحكمة التي وعد بإيقاظها.
لكن إسرائيل وسّعت الإبادة بسرعة لم يتخيلها كثيرون. أغلقت غزة على أهلها، وفرضت حصاراً على الغذاء والماء والوقود. تهاوت أحياء كاملة، وضُربت مستشفيات ومدارس ومخيمات، وصارت الحياة اليومية نفسها جزءاً من آلة العقاب. وفي الوقت ذاته، خرج كبار المسؤولين الإسرائيليين بلغة لا ترى في سكان غزة مدنيين أبرياء، بل كتلة بشرية واحدة يمكن تجويعها وقصفها وحرمانها من شروط البقاء.

لم يتحرك خان بالسرعة التي انتظرها أصحاب الضمائر الحية في العالم، إذ زار الأراضي المحتلة والضفة الغربية في أواخر عام 2023، وتحدث بوضوح عن الرواية التي تبناها الغرب حول السابع من أكتوبر، بينما بدا أكثر حذراً حين اقترب من غزة.
وخلال زيارته التي استمرت 3 أيام، لم تسمح إسرائيل لخان بدخول غزة، بينما كان جيش الاحتلال قد قتل، حتى ذلك الوقت، أكثر من 17 ألف فلسطيني، وشرّد معظم سكان القطاع المحاصر، البالغ عددهم أكثر من 2 مليون نسمة، من منازلهم منذ السابع من أكتوبر.
فانتقده فلسطينيون لأنه لم يدخل القطاع، ولأن لغته بدت أكثر حرارة أمام قتلى الاحتلال الإسرائيلي، وأبرد أمام آلاف الفلسطينيين الذين كانوا يُبادون كل يوم تحت الحصار والقصف.
لكن فريقاً داخل مكتبه كان يعمل على ملف القطاع.
وبسبب ما يعنيه توجيه اتهام إلى القيادة الإسرائيلية، لجأ خان إلى إجراء استثنائي. طلب رأياً قانونياً ثانياً من لجنة مستقلة ضمت قضاة سابقين أشرفوا على محاكم جنائية دولية، ومستشاراً قانونياً سابقاً لوزارة الخارجية البريطانية، والمحامية البريطانية اللبنانية أمل كلوني.
راجعت اللجنة الأدلة والحجج القانونية التي قدمها إليها مكتب الادعاء، وخلصت بالإجماع إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن قادة من إسرائيل وحماس ارتكبوا جرائم تدخل في اختصاص المحكمة، وأن الأدلة تبرر طلب مذكرات توقيف بحقهم.
كان المسار قد امتد لأشهر. شارك فيه محامون داخل المحكمة وخبراء من خارجها. ولذلك، عندما بدأ خان في مارس/ آذار 2024 إبلاغ مسؤولين في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بأن مكتبه يقترب من طلب توقيف نتنياهو وغالانت، لم يكن ينقل إليهم فكرة أو رأياً شخصياً، وإنما كان يطلعهم على أن التحقيق وصل إلى نهايته القانونية.
عند تلك النقطة، تغيرت طبيعة الاتصالات.
ففي 23 أبريل/ نيسان 2024، كان كريم خان بعيداً عن لاهاي، في مهمة بفنزويلا، حين وصلته المكالمة. وعلى الطرف الآخر كان مسؤول بريطاني يحمل رسالة لم تكن تحتاج إلى كثير من التأويل. قال له، بحسب رواية خان لاحقاً، إن المضي في طلب مذكرات التوقيف سيكون "قنبلة هيدروجينية"، كما نقلت مجلة نيويوركر.
ثم جاء التهديد صريحاً. إذا مضى مكتب الادعاء في الطلبات، فقد تسحب بريطانيا تمويلها من المحكمة، بل قد تذهب أبعد من ذلك وتنسحب من معاهدة روما نفسها.
كان ذلك المتصل، ديفيد كاميرون، وزير الخارجية البريطاني آنذاك. رجل من قلب الدولة التي ساعدت في بناء المحكمة، كان يهدد مدعيها العام بعقوبة الذهاب بعيداً في اختبارها الأصعب.
وفي اليوم التالي، أرسل 12 سيناتوراً جمهورياً أميركياً رسالة إلى خان. لم تدخل الرسالة في مناقشة تفصيلية للأدلة، أو مبدأ التكامل الذي يحدد علاقتها بالمحاكم الوطنية، بل حملت رسالة واضحة كالطلقة: "استهدف إسرائيل وسنستهدفك… لقد تم تحذيرك".
كان بين الموقعين ميتش ماكونيل، ومعه ماركو روبيو، السيناتور آنذاك، ووزير الخارجية الأميركي لاحقاً.
وتوالت المكالمات في مطلع مايو/ أيار 2024. أنتوني بلينكن، وجيك سوليفان، ومسؤولون ألمان، وأعضاء في الكونغرس. فجأة، صار كل هؤلاء حريصين على إقناع المدعي العام بأن العدالة قد تفسد السلام.
قيل لخان إن طلب مذكرات التوقيف سيضر بمفاوضات السلام، كأن مفاوضات حقيقية كانت تمضي نحو وقف الإبادة، وكأن المشكلة لم تكن في القصف والحصار والتجويع، بل في ورقة قضائية قد تخرج من لاهاي. وقيل له إن الخطوة ستعرّض الأسرى الإسرائيليين للخطر، كأن المحكمة هي التي كانت تقصف غزة، لا الجيش الذي جعل القطاع كله رهينة تحت النار.
وبالتوازي، كانت هناك محاولة أكثر هدوءاً، وأشد نعومة في ظاهرها. لم تأتِ هذه المرة على شكل تهديد، بل على شكل درس قانوني في مبدأ "التكامل": ذلك الباب الذي لا تدخل منه المحكمة إلا حين تكون السلطات الوطنية عاجزة عن التحقيق الحقيقي أو غير راغبة فيه.
أرادت واشنطن من خان أن ينتظر، وأن يمنح القضاء الإسرائيلي وقتاً إضافياً كي يحقق في قرارات اتخذتها القيادة نفسها التي كانت تدير الحرب، وتدافع عنها، وتطلب من العالم أن يثق بها وهي تفحص جرائمها بنفسها.
وبينما كانت هذه المفاوضات تدور في العواصم، حاول فريق خان الوصول إلى غزة، المكان الذي كانت إسرائيل تواصل فيه الإبادة يوماً بعد يوم في بث مباشر. وبعد اتصالات مع السلطة الفلسطينية، وافقت السلطات المصرية على دخول وفد المحكمة إلى غزة عبر رفح. كان الطريق خطراً، يقود إلى قطاع محاصر تُقتل فيه العائلات، وتُمحى أحياؤه، ويُدفع سكانه إلى الجوع والعراء، لكنه كان مفتوحاً.
ثم ظهر توماس لينش، المستشار الأميركي الرفيع في مكتب خان، ومعه طريق آخر. قال إنه حصل على ضوء أخضر من الإسرائيليين، لكن بشرط واحد: أن يدخل الوفد إلى غزة عبر الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، لا من مصر.
فأُلغي مسار رفح، وانتظر الفريق الموافقة الإسرائيلية المكتوبة.
لكنها لم تصل أبداً إلى اليوم.
عندها فهم مكتب الادعاء ما حدث. لم يكن الطريق الإسرائيلي طريقاً بديلاً، بقدر ما كان فخاً أنيقاً لقتل الطريق الوحيد الذي كان متاحاً.
لم يكن لينش عضواً في الفريق القانوني الأساسي الذي يعمل على فلسطين. لكنه كان قناة الاتصال الرئيسية مع إسرائيل والولايات المتحدة. وكان هذا الموقع يمنحه نفوذاً لا يأتي من صياغة المذكرات القانونية، بل من التحكم في الجسور التي تصل المحكمة بالدول.
أمضى لينش مسيرته في إدارة الأدلة والتنسيق مع الحكومات والمؤسسات الأممية. وعرف أن المحكمة لا تملك شرطة، ولا تستطيع دخول بلد أو اعتقال متهم أو جمع وثيقة من دون تعاون الآخرين. وكان يعرف أيضاً ما يمكن أن تفعله واشنطن بمؤسسة تعتمد على المصارف وشركات التكنولوجيا والسفر والتمويل وتعاون الحكومات.
هنا بدأ الخلاف داخل مكتب المدعي العام يتجاوز الاختلاف على وسيلة أو توقيت.
توصل خان إلى أن المحكمة ستفقد معناها إذا تراجعت كلما اقتربت من دولة تحميها قوة كبرى. أما لينش، وفق الصورة التي ترسمها شهادات من داخل المؤسسة ومساره المهني البيروقراطي، فكان يرى الخطر من جهة أخرى. إن مواجهة إسرائيل قد تستدعي عقوبات تشل المحكمة كلها، وتقطع التعاون الغربي، وتضر بملفات لا علاقة لها بفلسطين.
فوفق شخص قريب من الموظفة التي ستتهم خان لاحقاً، كان لينش صريحاً في موقفه. نُقل عنه قوله إن فلسطين ليست دولة، وإن إسرائيل ليست عضواً في المحكمة، وإن المكتب لا ينبغي أن يحقق في القضية. ونفى لينش هذه الأقوال، ووصف الروايات المتعلقة بدوره بأنها كاذبة ومضللة.
وقد يكون رأى لينش نفسه واقعياً يحمي مؤسسة هشة من صدام لا تستطيع تحمله. لكن الواقعية المؤسسية تحمل خطراً خاصاً داخل محكمة دولية. حين يصبح بقاء المؤسسة أهم من الجرائم التي أُنشئت لملاحقتها، تتحول الحدود التي يفرضها الأقوياء إلى مبادئ عمل داخلية. ويُسمى الخضوع حذراً، ويُسمى تأجيل العدالة حماية للمحكمة.
حين ذهب خان إلى الحافة ولم يتراجع
في 20 مايو/ أيار 2024، توقف خان عن الانتظار.
ظهر أمام الكاميرا وأعلن أنه قدم إلى قضاة المحكمة طلبات لإصدار مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت، وبحق 3 من قادة المقاومة الفلسطينية "حماس": يحيى السنوار، ومحمد الضيف، وإسماعيل هنية.

اتهم مكتب الادعاء نتنياهو وغالانت باستخدام تجويع المدنيين وسيلةً للحرب، والقتل العمد، والتسبب عمداً في معاناة شديدة، وتوجيه هجمات ضد السكان المدنيين، والاضطهاد، وارتكاب أفعال غير إنسانية.
وقال خان إن لإسرائيل حقاً في اتخاذ إجراءات لحماية سكانها، لكن هذا الحق لا يعفي قادتها، أو قادة أي دولة، من الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
كان ذلك انتقالاً غير مسبوق تقريباً في تاريخ المحكمة. لم يسبق لها أن اقتربت بهذا الشكل من رئيس حكومة ووزير دفاع في دولة تحظى بهذا المستوى من الحماية السياسية والعسكرية الأميركية والغربية.
لم يتغير القانون في ذلك اليوم. الذي تغير كان هوية الشخص الذي يُطلب تطبيقه عليه.
ومع تغير هوية المتهم، تغيرت أيضاً قيمة كل ما كان يجري داخل مكتب خان.
الوثيقة التي لم تكتبها المرأة
كانت الادعاءات المتعلقة بسلوك خان قد ظهرت داخل المحكمة قبل إعلان طلبات التوقيف بأسابيع قليلة.
ففي أواخر أبريل/ نيسان، تحدثت مساعدة خاصة تعمل في مكتبه إلى شخصين كانت تثق بهما، هما لينش وزميلة أخرى. وقالت إن خان أخضعها لسلسلة من المحاولات الجسدية والجنسية غير المرغوب فيها.
لم تتقدم المرأة في تلك اللحظة إلى الشرطة الهولندية، ولم تبدأ بنفسها شكوى رسمية داخل المحكمة، وإنما روت الأمر بصورة خاصة فقط لزميليها.
في 2 مايو/ أيار، أبلغ لينش وزميلته خان أنهما سيحيلان ما سمعاه إلى الموارد البشرية. وقالت المرأة لاحقاً إنها لم تكن تعرف أنهما أخبرا خان أو المكتب حتى تواصل معها جهاز الرقابة الداخلية في 5 مايو/ أيار.
حدث الاتصال أثناء مناسبة عائلية. ثم التقت المرأة محققي المحكمة في مطعم داخل فندق، فيما كان ابنها الصغير جالساً على مسافة قصيرة. رفضت الإجابة عن الأسئلة، وقالت لاحقاً إن ظروف اللقاء أوحت لها بأن المحققين لا يراعون شخصاً قد يكون ضحية.
أُغلق التحقيق الأولي بعد أيام بسبب رفضها المشاركة فيه.
واصلت المرأة عملها. رافقت خان إلى نيويورك في 13 مايو/ أيار لحضور اجتماع لمجلس الأمن. واستمرت بينهما مراسلات دافئة في فترات تالية. تحدثت في رسائل عن حبها لعملها، وعن صعوبة خان بوصفه مديراً، وعن معاناتها من الاكتئاب. واقترحت عليه أعمالاً فنية قد يشتريها هو وزوجته لمنزلهما.
هذه الرسائل لا تقدم وحدها حكماً نهائياً على ما جرى بينهما. فالعلاقات التي تتداخل فيها السلطة والخوف والاعتماد المهني قد تكون أكثر التباساً من أن تختصرها نبرة رسالة. والمرأة ستتعاون لاحقاً مع محققي الأمم المتحدة، وتقدم روايتها ووثائق ورسائل تستحق الفحص.
لكن المسألة التي ستغير مسار المحكمة لم تبدأ عندما قررت المرأة التعاون مع المحققين، بل بدأت عندما خرجت روايتها من الإطار الداخلي في صورة لم تخترها هي.
فالوثيقة التي ستشعل الفضيحة لم تكتبها المرأة.
وإنما كتبها توماس لينش.
كانت إفادة مطبوعة من 4 صفحات تلخص ما قال إنها روته له. وفي خريف عام 2024، بينما كان قضاة المحكمة يدرسون طلبات توقيف نتنياهو وغالانت، خرجت إفادة لينش من النظام الداخلي للمحكمة إلى الصحافة.
ولم تصل وحدها.
أرسلها حساب بريد إلكتروني مجهول إلى صحفيين، وأرفق بها تفسيراً سياسياً كاملاً. وقال المرسل إن خان حاول "التستر على فوضاه الشخصية" عبر الإسراع في تحقيق غزة وطلبات التوقيف. وأضاف، على خلاف التسلسل الزمني المعروف، أن خان اتهم الموساد علناً بتهديده، كي يستخدم ذلك غطاءً إذا ظهرت اتهامات سوء السلوك.
ثم تولى المرسل الدفاع عن الموساد. وكتب أن الجهاز لم يهدد خان، وأن رواية التهديد اختُلقت بوصفها احتياطاً يسبق انكشاف الفضيحة.
حملت الرسالة الاسم الكامل للمرأة ورقم هاتفها، إلى جانب أسماء لينش وعدد من موظفي المحكمة وأرقامهم. وفي إحدى النسخ ظهرت بجانب بعض الأرقام كلمة عبرية تعني "هواتف".
لكن هوية صاحب الحساب لم تكن الشيء الوحيد الذي يمكن قراءته في الوثيقة. كان الغرض السياسي أكثر وضوحاً من مصدرها. لم يقل المرسل إن امرأة تحتاج إلى العدالة، أو إن المحكمة فشلت في حمايتها، بل قال إن مذكرات فلسطين كانت غطاءً لجريمة شخصية.
في 17 أكتوبر/ تشرين الأول، ظهر على منصة "إكس" حساب يحمل اسم ICC_Leaks. لم يكن له تاريخ، أو موضوع سابق، أو جمهور بناه مع الوقت. وُلد الحساب من أجل قصة واحدة.
As promised. #ICC_Leaks #justice #MeToo #truth #harassment pic.twitter.com/yJcOWbZNqr
— ICC Leaks (@ICC_Leaks) October 17, 2024
نشر تفاصيل من إفادة لينش، وقال إن شكوى تحرش جنسي بحق أحد أشهر رجال القانون الجنائي الدولي، وهو شخص تحمل حروف اسمه الأولى "KK"، لا تزال تتعرض للإسكات.
وفي اليوم نفسه، كان لينش قد التقى المرأة قبل مكالمتها الطويلة مع خان. وقال زملاء له لاحقاً إنه كان يعتقد أن خان استخدم إعلان مذكرات إسرائيل لتحويل الانتباه عن الاتهامات. وكانت هذه الفكرة نفسها هي الحجة المركزية في البريد المجهول.
كان لينش يملك الوثيقة.
وكان على خلاف مع خان بشأن ملف فلسطين.
وكان قناة الاتصال مع واشنطن وإسرائيل.
وكانت الوثيقة التي ظهرت في الحملة وثيقته.
نفى لينش للمحققين مسؤوليته عن التسريب. وتظهر سجلات الاتصالات أنه عبّر عن مفاجأته عند ظهوره. ولا يوجد دليل منشور يربطه تقنياً بحساب ICC_Leaks أو بالبريد المجهول.
لكن غياب الدليل الذي يغلق القضية لا يحول الوقائع المحيطة به إلى تفاصيل عابرة. ففي التحقيقات، تشكل الحيازة والدافع والفرصة بداية السؤال، لا نهايته.
ولم تحتج الرواية الجديدة إلى وقت طويل حتى تنتقل من حساب مجهول إلى قلب السياسة الأميركية.
بعد 6 أيام من ظهور الحساب، أصدر السيناتور الجمهوري الراحل بياناً قال فيه إن الادعاءات ألقت "سحابة أخلاقية" فوق قرار خان طلب مذكرات التوقيف.
كان التعبير ربما أنيقاً بما يكفي لبيان رسمي. لكنه جاء من رجل لم يكن مشغولاً كثيراً بالأخلاق حين شبّه حرب إسرائيل على غزة بهيروشيما وناجازاكي، داعياً إسرائيل إلى أن تفعل ما يلزم لتنهي الأمر على الطريقة الأميركية.
وفي اليوم نفسه، تبنت صفحة الرأي في "وول ستريت جورنال" النظرية ذاتها. واقترحت أن ملاحقة إسرائيل، وهي في وصف الصحيفة وسيلة مضمونة لتحويل الأنظار والضغط، ربما كانت غطاءً لسلوك خان.
كان الافتراض وقحاً في بساطته. كأن غزة، وهي تُباد على الهواء، كانت تحتاج إلى حيلة علاقات عامة من رجل مذعور كي يلاحظها العالم. وكأن عشرات الآلاف من القتلى، والجوع، والمستشفيات المحاصرة، والأحياء التي مُحيت، لم تكن كافية لصنع قضية أمام المحكمة.
حققت الحملة وظيفتها السياسية قبل أن يكتمل أي تحقيق في ادعاءات المرأة.
لم يعد السؤال العام: ماذا حدث بينها وبين خان، وكيف يمكن الوصول إلى الحقيقة في إجراء عادل؟
أصبح السؤال: هل كانت قضية غزة كلها خدعة رجل مذعور؟
وبهذه النقلة، تحولت المرأة من صاحبة ادعاء يجب التحقيق فيه إلى أداة لإعادة كتابة تاريخ المذكرات.
القرار الذي لم يصدره خان
في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أصدر قضاة المحكمة مذكرتَي التوقيف بحق نتنياهو وغالانت.
جاء ذلك بعد أن استغرقوا 6 أشهر في دراسة طلبات خان والأدلة والحجج القانونية. ورفضوا طعون إسرائيل على اختصاص المحكمة، ووجدوا أسباباً معقولة للاعتقاد بأن الرجلين يتحملان مسؤولية جنائية عن استخدام التجويع وسيلةً للحرب، وعن القتل والاضطهاد وأفعال لا إنسانية أخرى.
لكن ثمة حقيقة بقيت تقاوم كل هذا الضجيج، وهي أن خان لم يكن هو من أصدر المذكرتين، وإنما هو فقط من طلبهما. أما من أصدرهما، فهم قضاة مستقلون في المحكمة الجنائية الدولية.
وكانت هذه الحقيقة مزعجة للحملة كلها. فالحملة احتاجت إلى اختزال الملف في رجل واحد، كي يصبح إسقاط الرجل طريقاً إلى إسقاط القضية. يمكن تشويه خان، أو دفعه خارج مكتبه، أو فتح دفاتر قراراته الإدارية. لكن مذكرتَي نتنياهو وغالانت لم تكونا منشوراً سياسياً صادراً عن المدعي العام، بل كانتا قرارين قضائيين صدرا بعد فحص مستقل.
وحين لم يؤدِّ الطريق القضائي إلى إسقاط المذكرتين، انتقلت المعركة إلى أدوات أخرى.
الحرب على لاهاي
ففي فبراير/ شباط 2025، فرضت إدارة دونالد ترامب عقوبات على خان بسبب تحقيقات المحكمة المتعلقة بإسرائيل. فجمدت أصوله الخاضعة للنظام الأميركي، ومنعت التعامل المالي معه، وقيدت دخوله إلى الولايات المتحدة. ثم امتدت العقوبات إلى نائبَيه وعدد من قضاة المحكمة.
ولم تكن هذه أول مرة تعاقب فيها واشنطن مدعياً عاماً في لاهاي. فقد فعلت إدارة ترامب الأولى الشيء نفسه مع فاتو بنسودا عام 2020، بعد أن سمحت المحكمة بالتحقيق في جرائم محتملة ارتكبتها القوات الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية في أفغانستان.
بدت القاعدة ثابتة: المحكمة شرعية حين تلاحق بوتين، وتصبح تهديداً للأمن القومي الأميركي حين تقترب من أميركي أو إسرائيلي.
أما إسرائيل، فلم تبدأ حربها على المحكمة مع كريم خان.
كشف تحقيق سابق مشترك لـ"الغارديان" ومجلتي "+972″ و"لوكال كول" أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أدارت، منذ انضمام فلسطين إلى المحكمة عام 2015، حملة استمرت نحو 9 سنوات لمراقبة المؤسسة واختراقها والضغط على مسؤوليها.
وتضمنت الحملة اعتراض اتصالات، وجمع وثائق داخلية، وتشويه مسؤولين، ومحاولات ترهيب استهدفت المدعية السابقة فاتو بنسودا وفريقها. واستمرت المراقبة بعد وصول خان إلى المنصب، ومنحت الحكومة الإسرائيلية معرفة مسبقة ببعض تحركات مكتبه.
وبحسب التحقيق، حاول رئيس الموساد السابق يوسي كوهين الضغط على بنسودا بصورة مباشرة، ووجه إليها تحذيرات تتعلق بأمنها وأمن أسرتها. كما جمعت أجهزة إسرائيلية معلومات عن زوجها في محاولة للعثور على مادة يمكن استخدامها لتشويهها.
بمعنى أن ما نراه اليوم نموذج قد اختُبر من قبل: مراقبة المدعي، والبحث عن نقطة ضعف شخصية، ثم نقل مركز المعركة من الجرائم التي تحقق فيها المحكمة إلى صدقية الشخص الذي يقود التحقيق.
فعندما اقتربت بنسودا من فلسطين، تعرضت للضغط والمراقبة، ثم عاقبتها واشنطن. وعندما طلب خان توقيف نتنياهو وغالانت، هُدد وعوقب، وتسربت اتهامات شخصية في اللحظة التي كان القضاة يدرسون فيها المذكرتين.
مصير الرجل ومصير المحكمة
هكذا انتقل مصير خان من تقييم أجراه قضاة مستقلون ولم يجد أدلة كافية لإدانته، إلى تصويت تجريه حكومات ودبلوماسيون، في لحظة تواجه فيها المحكمة واحدة من أعنف حملات الضغط في تاريخها.
في 24 يوليو/ تموز 2026، ستصوت الدول الأعضاء على إنهاء ولايته. في اقتراع سري يُعقد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك. ويحتاج قرار عزله إلى أغلبية مطلقة قدرها 63 صوتًا من أصل 125 دولة عضوًا. ولن يكون التصويت محاكمة، ولن يحسم بصورة نهائية ما جرى بينه وبين المرأة. لكنه سيقرر ما إذا كان مدعٍ عام رأى تقييم مستقل أن الأدلة المعروضة لا تكفي لإثبات مخالفته بما يتجاوز الشك المعقول سيُعزل بقرار سياسي، في لحظة تعاقب فيها الولايات المتحدة المحكمة بسبب مذكرات التوقيف التي أصدرتها بحق قادة إسرائيليين.
إذا عُزل خان، فلن تسقط مذكرتا نتنياهو وغالانت. خان طلبهما، لكن 3 قضاة مستقلين هم الذين أصدروهما بعد مراجعة الأدلة. ولن تختفي الملفات التي جمعها المكتب، أو الوقائع التي قامت عليها.
وإذا نجا، فلن يعود إلى المحكمة التي غادرها كما كانت. لقد عُلّق حقه في مزاولة المحاماة، وتفكك فريقه، وتوقفت ملفات جديدة، وتحول اسمه إلى عبء على المؤسسة التي انتُخب لإصلاحها.
وفي الحالتين، تحققت نتيجة واحدة: الرجل الذي طلب ملاحقة نتنياهو لم يعد يقود التحقيق، بينما انتقل النقاش من تجويع غزة وقتل أهلها إلى أخلاق المدعي الذي طلب محاسبة المسؤولين عن ذلك.
في فندق "ديس إنديس"، طلب نيكولاس كوفمان من خان أن ينزل عن الشجرة. كان يمكنه أن يتراجع، فيبقى المدعي الذي يلاحق خصوم الغرب ويحظى بتصفيق عواصمه.
لكنه رفض.
فخرج من مكتبه، وجُمّدت الملفات التي كان يعمل عليها، وأصبح مصيره في يد الدول. ومع ذلك، بقيت مذكرتا التوقيف، وبقي نتنياهو مطلوباً أمام المحكمة.
لقد أثبت خان أن القانون يستطيع الوصول إلى اسم نتنياهو.
أما يوم 24، فسيكشف ما إذا كانت المؤسسة تستطيع البقاء بعد أن دفعت ثمن كتابة ذلك الاسم في قائمة المجرمين.