على إحدى الجبهات القريبة من بادمي، تلك البلدة الحدودية الصغيرة المتنازع عليها بين إثيوبيا وإريتريا، لم يكن ثمة ما يوحي بأن لحظة استثنائية على وشك الحدوث. فمثل الكثير من الحروب، مدفعية لا تهدأ، ودخان كثيف، وأجساد تتحرك داخل الخنادق بآلية تأقلمت على الموت والرعب.
في تلك الأثناء، خرج جندي نحيل من مخبئه لثوان معدودة ليُعدل وضع هوائي اتصال اختل موضعه. كانت حركة صغيرة، بلا معنى درامي، أقرب إلى تفصيل تقني لا يجد عادةً مكانًا في ذاكرة الحروب، لكنها كانت كافية لتغيّر مسار حياة ذلك الجندي، وربما مسار بلد بأكمله.
ففي اللحظة نفسها، سقطت قذيفة أبادت وحدته العسكرية بأكملها، بينما بقي هو الناجي الوحيد، كما روى لاحقًا.
لا بفضل شجاعة، ولا بفعل حيلة، بل بالصدفة الخالصة، ظلّ على قيد الحياة. لم يستغرق الأمر أكثر من ومضة، غير أن تلك الومضة سترافقه طوال حياته، كالحدّ الفاصل بين من نجا ومن مُحي من الوجود.
كانت تلك إحدى اللحظات من حرب عام 1998 بين إثيوبيا وإريتريا؛ حرب بين بلدين انفصلا حديثاً، ثم عادا سريعاً إلى الخرائط القديمة والدم الجديد. وعلى امتداد جبهات طويلة من بادمي إلى المرتفعات الشمالية، استنزف الطرفان نفسيهما عامين كاملين، بلا نصر حاسم، وبلا معنى يبرر كل ذلك الدمار.
هذه القصة لن تُعرف من تقارير الجبهات، وإنما ستطفو بعد عقدين، في مكان يبدو أبعد ما يكون عن تلك الخنادق. في أوسلو، عام 2019، حين وقف ذلك الجندي نفسه، وقد صار رئيس وزراء، يروي كيف نجا من القذيفة، وكيف تركت الحرب أثرها العميق في وعيه.
فهناك في أوسلو بدا المشهد مثالياً من حيث الشكل: أصغر رئيس وزراء في أفريقيا آنذاك، يُدعى آبي أحمد، يُقدَّم للعالم بوصفه الرجل الذي أنهى عقدين من العداء بين بلدين "شقيقين"، ويتحدث بلغة مشبعة بألم شخصي أكثر مما هي خطاب سياسي مصقول.