في 23 يناير/ كانون الثاني 2026، نشرت الولايات المتحدة وثيقة "استراتيجية الدفاع الوطني" في تقرير من 34 صفحة، حمل توقيع وزارة الحرب الأمريكية، في لحظة دولية تتسم بتكثّف الأزمات وتداخل المسارح الجيوسياسية. للوهلة الأولى، قد تبدو الوثيقة استمراراً لتقليد أمريكي راسخ في إنتاج نصوص استراتيجية دورية تنظّم أولويات البنتاغون.
غير أن قراءة معمّقة، تتجاوز العناوين الكبرى والمصطلحات التقنية، تكشف أن التقرير يحمل ما هو أكثر من ذلك بكثير: إعلاناً سياسياً غير مباشر عن إعادة تعريف التحالفات، وتحديداً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لا تقول الوثيقة صراحة إن واشنطن تنسحب من المنطقة، كما لا تعلن نهاية التحالفات التقليدية، لكنها تفعل ما هو أكثر حساسية: تغيّر طبيعة العلاقة.
فبدل أن تكون واشنطن "الضامن الأمني الأخير"، كما كان الحال لعقود، تطرح نفسها اليوم بوصفها "الشريك المشروط"، الذي يقدّم الدعم، لكن مقابل أدوار واضحة، ومسؤوليات مباشرة، وتحمّل متزايد للأعباء من قبل الحلفاء أنفسهم. بينما حولت واشنطن ثقلها نحو رقعة جغرافية أخرى أملتها التغيرات الدولية وموازين القوى، خاصة الصراع مع الصين.
ما قبل "استراتيجية الدفاع الوطني"
قبل الغوص في تفاصيل ما جاءت به "استراتيجية الدفاع الوطني"، وجب العودة أشهر إلى الوراء والاطلاع على "استراتيجية الأمن القومي" لعام 2025، فهي لم تكن مجرد وثيقة دورية، بل كانت بمثابة "الجسر العقائدي" الذي عبرت فوقه الولايات المتحدة من إرث التدخلات العسكرية الواسعة إلى حقبة "الانكفاء الاستراتيجي المسلح" التي نراها في ملامح السياسة الدفاعية لعام 2026.
لقد مهدت هذه الوثيقة، التي حملت بصمات مستشار الأمن القومي، روبرت أوبراين، وبتوجيهات مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لهذا التحول عبر تبني مفهوم "الترميم الوظيفي" للقدرات الأمريكية؛ حيث ركزت في عامها الأول على تصفية الحسابات مع الإخفاقات اللوجستية السابقة وسد فجوات الإنتاج الحربي.
لم يكن الهدف التحضير لمواجهة برية كبرى، بل خلق "قاعدة انطلاق" سمحت لوزير الدفاع بيت هيغسيث بالتحول نحو جيش تكنولوجي ذكي يقلل من الانخراط البشري المباشر، وهو ما سمح لسياسة 2026 بأن تعيد تعريف مفهوم "الدفاع عن الوطن" ليصبح أولوية قصوى تتقدم على أي التزامات دولية أخرى.
وفي عمق هذا التحول، نجد أن استراتيجية 2025 قد استبقت التغيرات الدفاعية الحالية عبر ضخ استثمارات تاريخية في برامج الدفاع غير المتماثل، وهو المسار الذي دعمه بقوة إيلون ماسك من خلال رؤيته لدمج الذكاء الاصطناعي والأنظمة المسيرة في صلب العقيدة العسكرية.
هذه الاستثمارات، التي شملت أنظمة الليزر عالية الطاقة، أثمرت في عام 2026 عن ولادة مشروع "القبة الذهبية" لحماية الأجواء الأمريكية.
هذا المسار لم يكن تقنياً فحسب، بل كان سياسياً بامتياز؛ إذ مهد الطريق لإعادة تفعيل "مبدأ مونرو" في السياسة الدفاعية، بتأطير نظري من صقور الخارجية مثل ماركو روبيو، حيث باتت واشنطن تنظر إلى نصف الكرة الغربي كمنطقة أمنية مقدسة، ما انعكس في تقليص الوجود العسكري في القواعد التقليدية بأوروبا والشرق الأوسط لصالح تأمين الممرات المائية الحيوية وقناة بنما.
علاوة على ذلك، نجحت هندسة 2025 في إعادة صياغة العلاقة مع الحلفاء من مبدأ "الحماية مقابل الولاء" إلى مبدأ "القدرة على تحمل الأعباء"، وهو التوجه الذي دفع به مايك والتز بصرامة داخل أروقة البيت الأبيض، ما منح السياسة الدفاعية لعام 2026 الشرعية في مطالبة الشركاء الدوليين بالاعتماد الكامل على أنفسهم.
ما نلمسه اليوم من هدوء في الانتشار الميداني الأمريكي هو في الواقع ثمرة "الواقعية القاسية" التي زرعها هؤلاء القادة، واضعين "ردع الصين" كبوصلة وحيدة للتحركات الخارجية تحت إشراف مباشر من قيادات عسكرية تؤمن بأن القوة الاقتصادية هي الوجه الآخر للتفوق الدفاعي.
من الحماية إلى الشراكة المشروطة
طوال عقود، قامت العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط على معادلة واضحة: النفوذ مقابل الحماية. وفّرت واشنطن المظلة الأمنية، ونشرت قواتها، وضمنت أمن خطوط الطاقة والممرات البحرية، مقابل تحالفات سياسية، وقواعد عسكرية، وتنسيق استراتيجي واسع. لكن استراتيجية 2026 تشير بوضوح إلى أن هذه المعادلة لم تعد قابلة للاستمرار.
تقول وثيقة الدفاع الوطني لعام 2026 صراحة إن الولايات المتحدة لم تعد ترى في حلفائها "تابعين" أو "مستفيدين من الحماية"، بل شركاء يجب أن يتحمّلوا نصيبهم من العبء. وفي فقرة محورية، تنص الاستراتيجية على أن الحلفاء "سيتولّون القيادة في مواجهة التهديدات التي تمسّهم مباشرة، مع دعم أمريكي حاسم لكنه محدود".
هذا التحوّل في اللغة ليس تفصيلياً. فهو ينقل التحالف من إطار أخلاقي-سياسي "نحن نحمي حلفاءنا"، إلى إطار تعاقدي مشروط "نحن ندعم من يقوم بدوره". وتؤكد الوثيقة هذا المنطق عندما تتحدث عن "الحلفاء النموذجيين"، في إشارة إلى الدول التي ترفع إنفاقها الدفاعي، وتستثمر في قدراتها الذاتية، وتتماهى مع الأولويات الأمريكية. بالنسبة للحلفاء العرب، تحمل هذه اللغة رسالة واضحة: التحالف لم يعد ضمانة بحد ذاته، بل نتيجة لأداء قابل للتقييم.
تعامل جديد مع الشرق الأوسط "كعبء استراتيجي"
تعد استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 نقطة التحول النهائية في إنهاء "الحقبة المشرقية" للسياسة الخارجية الأمريكية، حيث تم إنزال الشرق الأوسط رسمياً من مرتبة "الساحة الوجودية" إلى مرتبة "العبء الاستراتيجي الذي يجب احتواؤه".
هذا التحول لا يعني الانسحاب الفوضوي، بل يعني الانتقال إلى ما يسميه المحلل الاستراتيجي في معهد "هدسون"، مايك دوران، بـ"الردع الاقتصادي-العسكري المحدود".
ففي حين كانت واشنطن تنفق تريليونات الدولارات لتغيير الأنظمة، ترى الاستراتيجية الجديدة أن الحفاظ على التوازن الإقليمي هو "أقصى الطموح"، معتبرة أن أي انزلاق نحو صراعات كبرى في المنطقة هو "فخ استراتيجي تنصبه الصين لاستنزاف الموارد الأمريكية".
وفقاً لاستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026، وتحليلات خبراء استراتيجيين أمريكيين، لم تعد الولايات المتحدة ترى نفسها الضامن الأول للأمن الدولي، بل فاعلاً يوازن من بعيد ويعزز الاكتفاء الذاتي الإقليمي لحلفائها.
هذا التصور تدعمه تحليلات إلبريدج كولبي، أحد أبرز منظري "الواقعية القاسية" في الولايات المتحدة، الذي يجادل بأن كل جندي أمريكي أو بطارية "باتريوت" في الشرق الأوسط "هي خصم مباشر من رصيد المواجهة المحتملة في مضيق تايوان".
وفق تحليلات غربية، فإن إلبريدج كولبي يرى أن الأولوية الاستراتيجية للولايات المتحدة يجب أن تكون المنافسة مع الصين في منطقة آسيا-المحيط الهادئ، حتى لو استدعى ذلك تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وأوروبا. ويظهر ذلك في دعوته لتحويل الموارد والتركيز بعيداً عن هذه المناطق لصالح الاستعداد لمواجهة في مضيق تايوان.
وبناءً عليه، تم استبدال الالتزامات المفتوحة بـ"شراكات وظيفية"، حيث يُطلب من الحلفاء الإقليميين تولي مهام الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، بينما تكتفي واشنطن بتقديم المظلة التكنولوجية والمعلوماتية.
في هذا السياق، يحلل مجلس العلاقات الخارجية (CFR) هذا التوجه بوصفه انتقالاً من "الهيمنة النشطة" إلى "الإدارة السلبية للمخاطر". فالهدف لم يعد تحقيق انتصارات حاسمة أو نشر الديمقراطية، بل منع "الانفجار الكبير" الذي قد يعطل سلاسل التوريد العالمية للطاقة.
وتؤكد تقارير معهد "بروكينجز" أن الاستراتيجية الجديدة تتعامل مع النزاعات المزمنة في المنطقة، مثل الصراع الإيراني الإقليمي، كحالة من "الجمود المستدام".
فواشنطن لن تسعى لحسم هذه الصراعات عسكرياً، بل ستعمل على إدارتها عبر العقوبات الذكية والدفاعات الجوية المتطورة، ما يحول المنطقة من ساحة طموح إمبريالي إلى "منطقة عازلة" هدفها الوحيد هو عدم التأثير على الأولويات الأمريكية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ.
يتفق المحللون الأمريكيون على أن سياسة 2026 تعكس "نهاية الرومانسية الاستراتيجية" في الشرق الأوسط. فوفقاً لـستيفن والت، المنظر الواقعي البارز، فإن واشنطن باتت تتبنى "استراتيجية الانضباط"؛ أي التوقف عن محاولة إصلاح المجتمعات المضطربة والتركيز فقط على منع ظهور قوة مهيمنة إقليمية معادية.
هذا "التواضع القسري" في الأهداف يعكس قناعة لدى إدارة 2026 بأن القوة الأمريكية هي مورد محدود، وأن تبديده في رمال الشرق الأوسط هو انتحار استراتيجي في ظل صعود التنين الصيني، ما يجعل "الإدارة دون الحسم" هي الخيار الأكثر عقلانية في دفتر حسابات البنتاغون الجديد.
خريطة الدعم العسكري: ماذا بقي وماذا تغيّر؟
تُظهر خريطة الدعم العسكري في استراتيجية 2026 أن واشنطن لم تغادر المنطقة مادياً، بل غادرتها "عقائدياً"، حيث انتقلت من دور "المقاتل بالوكالة" إلى دور "المزوّد التكنولوجي المشروط". فوفقاً لتحليلات خبراء أمريكيين، لم يعد السلاح الأمريكي يُصدَّر كصكّ أمان سياسي، بل كأداة لتحقيق "الاستقلال الدفاعي" للحلفاء.
ورغم بقاء تدفقات السلاح، والدعم اللوجستي، والمظلة الاستخباراتية كركائز أساسية، إلا أنها باتت محكومة برؤية مايك والتز الذي يرى في مبيعات السلاح وسيلة لتعزيز "التكامل الإقليمي" بعيداً عن التدخل الأمريكي المباشر. وهو ما تأكد في وثيقة صادرة عن البنتاغون شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.
تشير الوثيقة إلى أن نقل الأجهزة العسكرية (الأسلحة) وبرامج التعاون الأمني مثل برنامج بيع السلاح العسكري الأجنبي (Foreign Military Sales) تُستخدم بشكل صريح لتقوية الحليف وزيادة القدرة على المشاركة في الأعباء (burden sharing) بين الولايات المتحدة وشركائها، وتعمل على تمكين الدول الشريكة بدلاً من الاعتماد على القوة الأمريكية المباشرة.
هذا التحول يعني أن واشنطن ستظل حاضرة عبر راداراتها ومنصات إطلاق صواريخها التي يديرها الحلفاء، لكنها لن تكون شريكاً في اتخاذ قرار الحرب أو الانخراط في معارك برية نيابة عن الآخرين.
هذا التغيير ليس مجرد تلاعب بالألفاظ، بل هو انعكاس لسياسة "تصفير الالتزامات المفتوحة" التي يقودها منظرو الإدارة الحالية؛ إذ أصبح الدعم العسكري مرتبطاً بشكل عضوي بمدى زيادة الإنفاق الدفاعي المحلي للحلفاء وقدرتهم على الاندماج في أنظمة دفاع جوي موحدة.
فواشنطن، كما يصفها المحللون في معهد المشروع الأمريكي (AEI)، لم تعد تقبل بدور "المسعف الاستراتيجي" الذي يتدخل لإنقاذ الحلفاء من أزماتهم الداخلية أو صراعاتهم الإقليمية، بل تتبنى مبدأ "الدفاع التشاركي" الذي يضع العبء المالي والبشري الأكبر على كاهل العواصم الإقليمية.
وتجسد استراتيجية 2026 نهاية حقبة "الشيك الدفاعي المفتوح"، وهو التوجه الذي يؤطره ماركو روبيو بكونه عودة إلى "الواقعية الصارمة" التي ترفض التعويض عن تقصير الحلفاء.
هذا النموذج الجديد، الذي يصفه خبراء معهد دراسة الحرب (ISW) بـ"القيادة من الخلف تقنياً"، يجعل من الوجود الأمريكي في المنطقة عبارة عن "عقد صيانة وتشغيل" طويل الأمد بدلاً من "عقد حماية".
الرسالة التي تحملها خريطة الدعم الجديدة واضحة وقاسية: الولايات المتحدة ستبني لكم القلاع، وستزودكم بالخرائط والأسلحة، لكنها لن ترسل جنودها للوقوف على الأسوار؛ فزمن الحروب بالوكالة انتهى، وبدأ زمن "التحصيل الدفاعي" الذي يخدم الاقتصاد الأمريكي أولاً، ويحمي الحدود الأمريكية فقط.
بل إن الوثيقة تشدد على أن التعاون الدفاعي، ما في ذلك مبيعات السلاح والتكامل الصناعي العسكري، سيظل أداة أساسية لتحفيز الحلفاء على تحمّل مسؤولياتهم.
هذا التحوّل ينسجم مع ما ورد في الاستراتيجية من تأكيد على أن الولايات المتحدة لن "تُعَوِّض" عن تقصير الحلفاء بعد اليوم، وأن زمن "الدفاع المدعوم أمريكياً بلا مقابل" قد انتهى.
الخليج العربي: "هندسة التكامل المسؤول"
يحتل الخليج العربي في استراتيجية الدفاع الأمريكية 2026 موقعاً فريداً، ليس كـ"خزان للطاقة" فحسب، بل كـ"ساحة اختبار" لنموذج التحالف الجديد الذي تسعى واشنطن لتعميمه عالمياً. تشير الوثيقة بوضوح لا يقبل التأويل إلى أن الشركاء الخليجيين "أصبحوا أكثر قدرة واستعداداً للدفاع عن أنفسهم"، خاصة في مواجهة التهديدات الإيرانية وشبكة وكلائها.
وتشدد الاستراتيجية على أن تعميق التعاون الدفاعي مع دول الخليج لم يعد يقتصر على صفقات السلاح التقليدية، بل انتقل إلى مرحلة "التكامل البنيوي".
وبدفع من مستشار الأمن القومي، مايك والتز، تركز واشنطن على دعم اقتناء أنظمة عسكرية "ذاتية العمل" تعتمد على الذكاء الاصطناعي والربط الشبكي، مع التشديد على ضرورة "التكامل الإقليمي" الذي يدمج القدرات الدفاعية الخليجية مع المنظومة الإسرائيلية تحت مظلة واحدة.
يشير بعض الباحثين في مراكز أبحاث أمريكية إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى تطوير ترتيبات دفاع إقليمي أكثر تكاملاً، تقوم على ربط أنظمة الاستشعار والدفاع الجوي والصاروخي بين الشركاء الإقليميين والقوات الأمريكية، بما يتيح اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة في مراحل أبكر، ويقلل الحاجة إلى تدخل مباشر من الوحدات الأمريكية في كل حادثة.
إلا أن النقطة الأكثر حساسية في هذا المحور هي تعريف "الدور الأمريكي"؛ حيث تؤكد الوثيقة أنه سيكون "حاسماً عند الضرورة، ومحدوداً في الشكل".
يحلل خبراء معهد "بروكينغز" هذه الجملة بوصفها "صيغة التراجع الذكي"؛ فواشنطن تحتفظ لنفسها بحق التدخل "الجراحي" عبر القوة الجوية أو الهجمات السيبرانية إذا تعرضت المصالح الحيوية للخطر، لكنها لم تعد تضع نفسها في موقع "المستجيب الأول" للأزمات.
هذا التحول يعكس رغبة واشنطن في أن تكون "الملاذ الأخير" لا "الدرع الأول"، وهو ما يجبر العواصم الخليجية على إعادة صياغة عقائدها العسكرية لتكون أكثر هجومية واستقلالية.
يتقاطع هذا التوجه مع خطاب أمريكي متصاعد يقوده إيلون ماسك ورموز "الواقعية القاسية" داخل الإدارة، يدعو دول الخليج للتحول الجذري من "مستهلكي أمن" يطلبون الحماية، إلى "منتجي أمن" يصدرون الاستقرار.
شمال إفريقيا: الشريك الأمني "الصامت"
على النقيض من الحضور الصاخب لملفات الخليج وإسرائيل، لا تحظى دول شمال إفريقيا بحيّز لغوي واسع في استراتيجية الدفاع لعام 2026، وهو "صمت استراتيجي" يحمل في طياته دلالات بالغة الأهمية. ففي العرف العسكري الأمريكي الجديد، لا يعني غياب الذكر تراجع الأهمية، بل يعني انتقال المنطقة إلى "مربع الوظيفية الصرفة".
وبحسب تقرير لـالمجلس الأطلسي (Atlantic Council)، فإن شمال إفريقيا تظهر في الوثيقة بوصفها "ساحة ضبط وظيفية"، حيث تنزع واشنطن عنها صفة الحليف الاستراتيجي الشامل، لتلبسها ثوب "الشريك الأمني المتخصص" في مهام محددة: منع تحول المنطقة إلى نقطة انطلاق لتهديد الأراضي الأمريكية أو تعطيل الملاحة في حوض المتوسط.
هذا التحول يعكس فلسفة "الواقعية القاسية" التي يقودها منظرو الإدارة الحالية؛ حيث لا ترغب واشنطن في الدخول في "تحالفات سياسية ثقيلة" تلزمها بالدفاع عن أنظمة أو التدخل في نزاعات حدودية معقدة (مثل قضية الصحراء أو التوترات المغاربية). بدلاً من ذلك، تركز الاستراتيجية على 3 أعمدة تقنية:
تمكين الجيوش المحلية: عبر برامج تدريب وتجهيز نوعية (Train and Equip) تركز على سلاح الطيران والوحدات الخاصة، لضمان قيام هذه الجيوش بدور "المستجيب الأول" للتهديدات.
العمليات "الجراحية" المحدودة: الاكتفاء بضربات دقيقة عبر المسيرات أو عمليات خاصة خاطفة ضد بؤر الإرهاب، دون الحاجة لوجود عسكري دائم.
الاندماج الاستخباري والتقني: وهو الجوهر الحقيقي للعلاقة؛ حيث يتم ربط الأجهزة الأمنية في دول مثل المغرب وتونس والجزائر بشبكات تبادل معلومات فائقة السرعة، ما يحول هذه الدول إلى "رادارات بشرية وتقنية" تحمي العمق الغربي.
ويصف خبراء في مجلس العلاقات الخارجية (CFR) هذا التوجه بأنه "تحالف بلا أعباء" (Low-Stakes Alliance)؛ فواشنطن هنا لا تلتزم ببناء ديمقراطيات أو دعم مشاريع تنموية كبرى، بل تتعامل مع دول شمال إفريقيا كـ"أدوات ضبط تكنولوجي".
ويبقى الهدف الأمريكي في 2026 هو خلق "منطقة عازلة" آمنة رقمياً وعسكرياً، تمنع تسلل الجماعات المتطرفة أو النفوذ الروسي والصيني المتزايد في الساحل من الوصول إلى "القلعة الأمريكية".
هذا التصور يجعل دول المنطقة "شركاء أمنيين" في غرف العمليات، لكنهم ليسوا "حلفاء استراتيجيين" في غرف صناعة القرار السياسي بواشنطن.
وكما يحلل معهد المشروع الأمريكي (AEI)، فإن هذه العلاقة "التعاقدية" تريح البنتاغون من كلفة الدبلوماسية الثقيلة، وتمنحه ميزة "الوصول السريع" عند الضرورة، محولةً شمال إفريقيا من ساحة للتنافس السياسي إلى "جدار حماية تقني" يخدم استراتيجية "أمريكا أولاً" بأقل كلفة سياسية ومادية ممكنة.
"الحليف النموذجي" والمختبر الحي لعقيدة 2026
في قلب "استراتيجية الدفاع الوطني 2026″، تبرز إسرائيل ليس كحليف تقليدي فحسب، بل كـ"العلامة المعيارية" (The Benchmark) التي تقيس بها واشنطن كفاءة بقية شركائها حول العالم. الوثيقة التي وقعها وزير الحرب بيت هيغسيث ذكرت إسرائيل في أكثر من 10 مواضع، واصفة إياها بـ"الحليف النموذجي" (Model Ally).
وبحسب تحليل معهد "جينسا" (JINSA)، فإن هذا الوصف ليس مجرد إشادة سياسية، بل هو "تعريف إجرائي" جديد لما تتوقعه واشنطن من حلفائها في عصر "الواقعية القاسية"؛ فالحليف النموذجي هو من "لا يطلب من الأمريكيين القتال نيابة عنه، بل يطلب الأدوات ليحسم المعركة بنفسه".
تكشف الوثيقة أن إسرائيل نجحت في التحول إلى "مختبر حي" لعقيدة "التمكين لا الحماية"؛ حيث أثبتت من خلال عمليات مثل "أسد الهلال" (Operation Rising Lion) و"مطرقة منتصف الليل" (Midnight Hammer) ضد المنشآت الإيرانية أنها قادرة على تحقيق أهداف استراتيجية كبرى بـ"دعم أمريكي حاسم لكنه محدود".
يحلل مارك دوبويتز، رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، هذا النموذج بكونه "عقد شراكة استراتيجياً جديداً" (SPA)، حيث تلتزم إسرائيل بإنفاق ما لا يقل عن 5% من ناتجها المحلي على الدفاع، مقابل إزالة واشنطن لكافة القيود البيروقراطية أمام نقل التكنولوجيا العسكرية الأكثر سرية وتطوراً.
لماذا تريد واشنطن تعميم هذا النموذج؟ ترى إدارة 2026 أن النموذج الإسرائيلي يحل "المعضلة الأمريكية الكبرى": كيف يمكن لواشنطن الانسحاب تكتيكياً من مناطق النزاع دون ترك فراغ تملؤه الصين أو روسيا؟ الإجابة تكمن في 3 أركان رصدتها الوثيقة في الحالة الإسرائيلية:
الاستقلال الميداني: القدرة على خوض "حروب متعددة الجبهات" دون الحاجة لنشر لواء أمريكي واحد على الأرض.
التفوق النوعي المشترك: تحول إسرائيل إلى "قاعدة صناعية دفاعية" مكملة للولايات المتحدة، حيث يتم تطوير أنظمة اعتراض الصواريخ والذكاء الاصطناعي بشكل مشترك، مما يوفر لواشنطن "تكافؤاً دفاعياً" (Parity) مع خصومها بتكلفة أقل.
تحمل كلفة الردع: إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي "تستوعب الصدمات" وتنفذ عمليات الردع الاستباقي نيابة عن المنظومة الغربية بالكامل في المنطقة.
وفقاً لخطاب جي دي فانس، نائب الرئيس ومنظر سياسة "أمريكا أولاً"، فإن إسرائيل هي "الحليف المثالي" لأنها تحولت إلى "شريك منتج" لا "عميل مستهلك". هذا التصور هو ما تسعى واشنطن لفرضه كشرط في تحالفاتها الجديدة؛ فمن يرغب في الحصول على "مظلة تكنولوجية" أمريكية، عليه أن يثبت قدرته على "الاستثمار والقتال" بالروح الإسرائيلية نفسها.
بذلك، لم تعد إسرائيل مجرد دولة محمية، بل أصبحت "الوكيل الحصري" لنظام الأمن الإقليمي الذي تديره واشنطن بالتحكم عن بعد، وهو النموذج الذي تحاول البنتاغون "تصديره" الآن إلى دول الخليج وحتى لبعض حلفاء الناتو في شرق أوروبا، ليكون "طوق النجاة" الوحيد لأي دولة ترغب في الاحتفاظ بالتحالف مع واشنطن في زمن "الانكفاء المسلح".
الرسالة غير المكتوبة للعواصم العربية
رغم أن استراتيجية الدفاع لعام 2026 تجنبت توجيه خطاب مباشر ومستفز للحلفاء العرب، إلا أن روح الوثيقة تتسلل عبر فجوات السطور لتنطق بحقيقة قاسية: لقد انتهى زمن "العواطف الجيوسياسية" وبدأ زمن "الداروينية الاستراتيجية"، حيث البقاء والاستمرارية لمن يتكيف مع القواعد الأمريكية الجديدة.
يحلل ستيفن والت، المنظر الواقعي البارز، هذه الرسائل الضمنية بوصفها عملية "فطم قسري" للحلفاء عن الثدي الأمريكي، ويمكن تلخيص هذه الشفرات في 4 نقاط محورية.
- "911 الاستراتيجي" خارج الخدمة: الرسالة الأولى هي أن "الأمن لم يعد مضموناً تلقائياً". في السابق، كان الحلفاء يفترضون أن أي تهديد وجودي لنظامهم ستحرّك واشنطن لأجله الأساطيل. اليوم، تؤكد وثيقة 2026 أن "التدخل المباشر هو خيار الاستثناء لا القاعدة". يرى خبراء في مؤسسة "تراث" (Heritage Foundation) أن واشنطن لن تحرك ساكناً في النزاعات الإقليمية البينية ما لم تهدد مباشرة "مشروع القبة الذهبية" أو طرق التجارة العالمية الكبرى، وهو ما يعني أن العواصم العربية باتت وحدها في مواجهة "كوابيسها الأمنية".
- التكامل الإقليمي.. "تذكرة الخروج" الأمريكية: الرسالة الثالثة هي أن "التحالفات الإقليمية (ما في ذلك الشراكة مع إسرائيل) أصبحت ضرورة لا خياراً". تنظر واشنطن إلى بناء "كتلة أمنية إقليمية" متماسكة كشرط أساسي لانسحابها التكتيكي.
ومن منظور إلبريدج كولبي، فإن أي عاصمة عربية ترفض الانخراط في "منظومة الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة" (IAMD) ستخسر ميزة الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة، لأن واشنطن لم تعد تملك ترف إدارة علاقات ثنائية منفصلة ومتصارعة في منطقة واحدة.
- البقاء للأسرع في التكيف: الرسالة الرابعة والأخطر هي "التهميش الاستراتيجي لمن لا يتكيف". الاستراتيجية تلمح إلى أن القوة الأمريكية ستتركز حول "نقاط الارتكاز التكنولوجي"؛ فالدولة التي لا تتحول إلى مركز تقني أو لوجستي يخدم الاستراتيجية الكبرى، ستتراجع أهميتها لتصبح "دولة هامشية" في حسابات البنتاغون، حتى لو كانت حليفاً تاريخياً.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الحديث المتصاعد عن احتمال توجيه ضربة أمريكية أو إسرائيلية لإيران عن التحول الأعمق في العقيدة الدفاعية الأمريكية. فاستراتيجية 2026 لا تُغلق باب استخدام القوة، لكنها تعيد تعريف شروطها وحدودها.
الضربة، إن وقعت، لن تكون عودة إلى نموذج الحروب المفتوحة، بل تجسيداً لعقيدة "التدخل المحدود عالي الكثافة": عملية جراحية قصيرة، مدفوعة بالتكنولوجيا والاستخبارات، تهدف إلى إعادة ضبط ميزان الردع دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
بمعنى آخر، القوة لم تختفِ من المعادلة الأمريكية، لكنها أصبحت أداة لإدارة المخاطر لا لإعادة هندسة المنطقة.
في المحصلة، فإن واشنطن لا تعلن استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 نهاية التحالفات، لكنها تضع حداً نهائياً لـ"أوهام الحماية المطلقة". التحالف في نسخته الجديدة ليس وعداً مفتوحاً بالدفاع، بل هو "عقد تشغيل وصيانة" مشروط بتقاسم المخاطر والأعباء المالية.
بكلمات الوثيقة نفسها في صفحتها الأخيرة: "قوة أمريكا تكمن في قدرتها على التمكين، وليس فقط في رغبتها في التدخل؛ والمستقبل لمن يحمل سلاحه بيده، وتحت عين واشنطن التكنولوجية".