كانت الأسابيع القليلة الماضية مؤلمة للغاية على فؤاد مازن مدوخ، أحد سكان قطاع غزة الذي يعيش مع زوجته وأطفاله الثلاثة في حي صبرا بمدينة غزة، حيث لم يتوقف القصف الإسرائيلي طوال الفترة التي أعقبت أمر "الإخلاء" لمدة 24 ساعة والموجه إلى 1.1 مليون فلسطيني يعيشون في شمال غزة، وهي فترة زمنية ضيقة للغاية لترتيب رحلة إلى جنوب غزة.
يقول مدوخ مسترجعاً الليالي التي قضاها في منزله: "رأيت الجحيم أمامي. غارات جوية متواصلة". وأضاف: "لم أتوقع قط أن تستمر الحرب حتى الآن. ولم أتوقع أن تكون بهذه الحدة أو بهذه الشراسة. لقد مرت 33 يوماً حتى الآن. هل تتخيل أنَّ الإبادة الجماعية مستمرة منذ 33 يوماً؟!"، وذلك حسبما نقل عنه موقع Middle East Eye البريطاني يوم الخميس 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
قصف مستمر من الجيش الإسرائيلي على غزة
يشن الجيش الإسرائيلي حملة قصف متواصلة على قطاع غزة؛ أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 10800 شخص، معظمهم من النساء والأطفال.

ويتفاقم القصف المستمر بسبب النقص الحاد في الغذاء والمياه والطاقة. وقد أدى الغزو البري الإسرائيلي إلى فصل الجنوب عن الشمال؛ مما أدى إلى مزيد من التعقيدات في المنطقة المُحاصَرة بالفعل منذ 17 عاماً قبل الحرب الحالية.
كان مدوخ يقضي فترة الصباح في البحث عن الطعام والماء، منتقلاً من منزل إلى آخر، ومن متجر إلى آخر، ومن مخبز إلى آخر.
ويوضح مدوخ: "معظم المخابز استُهدِفَت، ولا يوجد مكان للعثور على الطعام. بينما نسارع من مكان لآخر للعثور على الماء. وبالكاد أستطيع ملء عبوة سعة 10 لترات يومياً، بجانب أنني أبحث عن الماء لشقيقي القعيد".
وقالت الأمم المتحدة إنَّ جميع المخابز في شمال غزة أغلقت أبوابها يوم الأربعاء 8 نوفمبر/تشرين الثاني، بسبب نقص الإمدادات.

وأضاف مدوخ: "لقد تحولت غزة إلى مدينة أشباح. ومجرد السير في الشارع يمثل خطراً. وبالكاد نستطيع الآن التعرف على الشوارع والمعالم المألوفة لنا التي نشأنا وسطها. لقد دُمِّر كل شيء".
ويقول مدوخ إنه لم يشعر بالأمان حتى في مستشفى الشفاء؛ لأنَّ القوات الإسرائيلية "تواصل قصف جميع الأماكن في غزة". لكنه يقول إنَّ زوجته كانت مصرة على عدم النزوح من شمال غزة.
استشهاد نساء وأطفال بسبب القصف الإسرائيلي
قالت زوجته ملاك بصوت مرتجف: "لقد شهدنا للتو لقطات لجثث النساء والرجال والأطفال الملقاة في شارع الرشيد. لا أريد أن ننتهي مثلهم؛ أموات ومنسيين"، وهي تسترجع صور الغارات القاتلة التي قتلت العديد من الفلسطينيين الذين اتبعوا الأوامر الإسرائيلية بالفرار من شمال غزة، ومع ذلك قصفتهم الطائرات الإسرائيلية.
كما رفضت والدة مدوخ وشقيقاه المغادرة، ومن بينهم شخص معاق.

لكن حب مدوخ الذي لا يتزعزع لأطفاله كان القوة الدافعة وراء قراره المؤلم بالفرار أخيراً. بالنسبة له، وهو أب لثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين سنة وخمس سنوات، كان الخيار واضحاً: البقاء يعني التهديد الوشيك بالموت المحقق.
وقال مدوخ: "الشيء الوحيد الذي دفعني إلى المغادرة هو أطفالي. لا أريد أن أراهم يموتون بغارة جوية، أو من الخوف، أو الجوع. لم يعد بإمكاني خداعهم وإخبارهم بأنَّ هذه ليست غارات جوية. فقد صاروا يفهمون أنها غارات جوية قاتلة".
رحلة تهجير يملؤها التشبث بالأمل
وصباح الثلاثاء 7 نوفمبر/تشرين الثاني، سار مدوخ وملاك وأطفالهما الثلاثة من حي صبرا إلى شارع دولا، وهو طريق محفوف بالمخاطر. ولم يأخذ سوى ملابس لأطفاله وحفاضات وحليب صناعي. وأكد مدوخ: "هذا كل ما حملناه. السلامة هي الشيء الأهم".
وركبوا عربة يجرها حمار، وتشبثوا بالأمل بينما كانت عجلاتها تُصرّ على طول الطرق البالية. وكان طريق الإخلاء مزدحماً بالسكان الفارين الآخرين.

وكانت الرحلة مليئة بالتحديات مع محدودية الوصول إلى الإمدادات والخوف المستمر من الغارات الجوية. لم يكن هناك وقت للإبطاء ولا الراحة، إذ كان لا بد من اغتنام كل لحظة على وجه السرعة.
ونجحوا في الوصول من ساحة الكويت إلى مخيم البريج للاجئين، حيث ساد المشهد وجود الدبابات وعدد كبير من الجنود الإسرائيليين.
وإدراكاً منه للخطر الوشيك الذي يلوح في الأفق، رفع مدوخ قميصاً داخلياً أبيض (علامة على الاستسلام) وبطاقة هويته، وأمسك بزوجته بقوة، التي بدورها احتضنت ابنتهما البالغة من العمر عاماً واحداً بين ذراعيها. بينما تشبثت يده الأخرى بوالده البالغ من العمر 71 عاماً خلال الرحلة التي يبلغ طولها سبعة كيلومترات.
الخوف من قصف إسرائيل
قال مدوخ: "أشعر بالخوف الشديد من أنني قد أُقتَل وتُترَك جثتي هنا. عندها لن يعرف أحد عنّا. وهذا ما يريدونه؛ يريدون قتلنا وعدم السماح للعالم بمعرفة قصتنا والتعرف على نضالنا".
وبينما كانوا يتقدمون للأمام، شاهدوا صوراً لا حصر لها من الرعب. من بين الحطام والدمار، كانت الجثث متناثرة على الطريق. وصارت العربات التي تجرها الحمير والخيول، والتي كانت في يوم من الأيام علامة على الحياة وسبل العيش، بمثابة ناقلات قاتمة للموتى. وكانوا عُرضة أيضاً لذخائر غير منفجرة.

وطغى حجم المشاهد الهائل على ملاك التي عانت من الدوخة والتعب. وأيقظها مدوخ برش الماء على وجهها بلطف، وحثها على مواصلة الحركة.
ويوضح مدوخ: "رأيت أمامي رجلاً وامرأة يحملان طفلاً يبلغ من العمر ثلاث سنوات. وعندما رأت الزوجة الجندي الإسرائيلي سقطت على الأرض، لكن الجندي الإسرائيلي قال بلغة عربية ركيكة: تحرك حبيبي.. أسرع، أسرع".
وتابع: "وتحت تهديد السلاح، ترك الرجل زوجته وراءه. كنت أخشى أن يحدث لزوجتي الشيء نفسه".
كان يجب اتخاذ كل خطوة بحذر، ورفع الأيدي في إشارة على الرضوخ. فأصغر صوت يصدر من شفاه طفل يمكن أن يؤدي إلى إطلاق نار؛ مما دفع الأسر إلى المشي في خوف وصمت دائمين.
وفي أثناء توجيه الأطفال عبر الطريق، يحمي الآباء أعينهم من المشاهد التي تتكشف أمامهم.

ويصف مدوخ: "المشاهد لا تطاق. لذا طلبت من أطفالي ألا يحدقوا في أي شيء يرونه على الأرض. لا أريد أن تبقى صور الموتى والحيوانات النافقة في أذهانهم".
وزاد غياب الكاميرات والصحفيين من حدة العزلة التي يشعرون بها. وقال مودخ: "إذا متنا، فستضيع قصصنا".
ولم يجدوا صحفيين إلا عند وصولهم إلى مخيم البريج للاجئين؛ حيث أُعطوا الماء والطعام، ثم استقلوا عربة إلى دير البلح، وهي مدينة تقع في وسط قطاع غزة أسفل الخط الفاصل الذي رسمه الجيش الإسرائيلي.
ويقول مدوخ: "يسمونه (الممر الآمن)، لكن لا يوجد فيه أي شيء آمن. فقد تموت ألف مرة وأنت تحاول عبوره".