كشف مصدر عسكري مطلع عن وجود حالة من الانزعاج داخل المؤسسات الأمنية المصرية بسبب التصريحات الإسرائيلية التي حثت الفلسطينيين في قطاع غزة على اللجوء إلى مصر لتجنب عمليات القصف التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي.
وأوضح لـ"عربي بوست" أن هناك مفاوضات تجري حالياً بين الجانبين المصري والإسرائيلي لإقناع تل أبيب بالسماح لشاحنات المساعدات المصرية بالمرور إلى قطاع غزة الذي فرضت عليه إسرائيل حصاراً كاملاً، وهددت بقصف أي مساعدات تصل للقطاع عبر مصر.
وذكر مصدر حكومي مطلع لـ"عربي بوست" أن شاحنات المساعدات التي كانت انطلقت باتجاه معبر رفح قد عادت أدراجها بالفعل إلى أماكن انطلاقها في انتظار نتائج المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.
لكن المصدر أكد أنه جرى بالفعل إعداد قافلة مساعدات جديدة لقطاع غزة تضم مساعدات عينية بالإضافة لأطباء مصريين، وأنه سيتم إرسال هذه القافلة حتى لو لم تسفر المفاوضات عن موافقة تل أبيب، على حد قوله.
غليان وانزعاج مصري من إسرائيل
وأوضح المصدر العسكري أن مصر استشعرت خطورة الحرب الإسرائيلية الدائرة على قطاع غزة مع كثافة الضربات الجوية التي استهدفت المدنيين وعمدت إلى تدمير البنية التحتية والمستشفيات والمؤسسات التعليمية.
ووصف المصدر هذه الأفعال بأنها "أفعال غير أخلاقية" تدفع نحو عدم وجود مأوى لمئات آلاف من المدنيين العزل، وتستهدف وضعهم تحت أمر واقع، إما أن يموتوا في القطاع أو الفرار نحو الحدود المصرية أو إلى الداخل الإسرائيلي، وأن الهدف هو الاستيلاء على غزة وتطهيرها من أصحاب الأرض.
وأوضح أن مصر ترفض تلك المخططات شكلاً وموضوعاً، وتعمل على التصدي لها بكافة الوسائل الممكنة، مضيفاً أن التحذير المصري الأخير قد تتبعه خطوات أخرى في حال لم تلتزم إسرائيل بالمواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بالحروب والحفاظ على المدنيين، وأن مصر بتحذيرها تضع الإسرائيليين أمام التزاماتهم.

وذكر أن هناك حالة انزعاج تصل إلى حد الغليان في داخل المؤسسات الأمنية والحكومة المصرية من تصرفات الإسرائيليين ونيتهم تهجير الفلسطينيين من غزة، واصفاً التصريحات الإسرائيلية بأنها غير مسؤولة، ويمكن أن تؤثر على العلاقات بين البلدين، واصفاً إياها بأنها "لعب بالنار" مع مصر.
وأضاف المصدر ذاته، أن القاهرة لا تتوقع فراراً كبيراً للمواطنين في قطاع غزة، وأن حركة حماس ليس لديها رغبة في أن تدفع بالمواطنين لترك مواقعهم والفرار إلى الحدود، وهو ما يشير إلى أن مساعي دفع المواطنين لداخل الحدود المصرية هي مساعي إسرائيلية بالأساس لتحقيق أهدافها المباشرة وراء الحرب وتسهيل مهمة الوصول إلى قادة الفصائل الفلسطينية، وأن تحتل ما تبقى من أراضٍ فلسطينية وتهجير المواطنين لدول عربية مجاورة.
واختتم المصدر العسكري حديثه لـ"عربي بوست" بالقول إن الظروف والأحداث أثبتت أن الجيش الإسرائيلي هش ولا يمتلك قدرات استخباراتية ولا تدريبية قوية، وأن كل ما يستطيع فعله هو إطلاق نيران المدفعية، وسيكون على إسرائيل تحمل تبعات الخروقات المستمرة التي قامت بها خلال الفترة الأخيرة والاستهانة بالقيم الإنسانية ومهاجمة المسجد الأقصى بشكل يومي.
ولفت إلى أن أن الدور المصري الحالي هو دور أمني بالأساس لتأمين الحدود إلى جانب الدور الإنساني، من خلال تقديم كافة أشكال الدعم لأهالي غزة.
مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي
وأوضح مصدر حكومي مطلع على الملف ذاته أن مفاوضات متسارعة تدور حالياً بين القاهرة وتل أبيب لإقناع الأخيرة بقبول إدخال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة المحاصر.
وتأتي هذه المفاوضات انطلاقاً من حالة الانزعاج المصرية من احتمالية وجود نية لتهجير فلسطينيين إلى داخل الحدود المصرية نتيجة الحصار الكامل الذي تفرضه إسرائيل على القطاع حالياً بعد قطع المياه والكهرباء والوقود عنه.
وأوضح المصدر أن هذه النية تتعارض بوضوح مع أسس الأمن القومي المصري، ولا بد من إيجاد حل لتخفيف معاناة الفلسطينيين؛ حتى لا يتكرر ما حدث عام 2008، عندما اضطر فلسطينيون لاقتحام الحدود المصرية لشراء طعام وماء والعودة مرة أخرى للقطاع بعد حصار إسرائيلي خانق.

وأكد المتحدث أن دفع إسرائيل نحو خروج أهالي قطاع غزة من مناطقهم إلى الأراضي المصرية، يعد بمثابة "تصعيد ضد الدولة المصرية"، ومن شأنه أن يسبب ضرراً بالغاً بالعلاقات المصرية الإسرائيلية، وأن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة أدركت ذلك ودفعت باتجاه توجيه تحذيرات للأحياء التي ستقوم بقصفها لتحقيق هدفها نحو الوصول إلى قادة الفصائل الفلسطينية.
وأشار المصدر إلى أن المؤشرات تشير إلى إمكانية أن تكون التصريحات الإسرائيلية جاءت رداً على التسريبات التي ذكرت أن المخابرات المصرية حذرت إسرائيل من وقوع حد أمني كبير، لكن الأخيرة تجاهلت التحذير.
وذكر أن مثل هذا التسريب يمكن أن يكون وضع القيادة الإسرائيلية السياسية والعسكرية في موضع حرج إضافي أمام الرأي العام هناك، فلجأ مسؤولون إلى الرد بهذه الطريقة، في لحظة غضب نتيجة هول الخسائر غير المسبوقة التي ضربت البلاد، على حد قوله.
منع سيناريو 2008
يذكر أنه في عام 2008، اجتاز آلاف الفلسطينيين معبر رفح نحو الأراضي المصرية بعد تدمير جزء من الجدار الحدودي، لتأمين احتياجاتهم من الطعام والوقود وغيرها من المؤن التي أصبحت نادرة في القطاع الذي تعرض لحصار خانق طويل من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ولم تتخذ قوات حرس الحدود المصري وقوات الأمن الفلسطينية أي إجراء لمنع الفلسطينيين من العبور. وقد بدأ الكثير من الفلسطينيين بالعودة وهم محملون بأكياس من الطعام وعبوات بلاستيكية معبأة بالوقود، وتمكين الفلسطينيين من دخول مدينتي رفح والعريش المصريتين، حيث تمكنوا من اقتناء حاجياتهم من البضائع والأدوية، وبعد ذلك عادوا إلى قطاع غزة.
وكشف مصدر عسكري مصري أن جهات أمنية واستخباراتية تقيم الأوضاع الحالية في قطاع غزة وتعمل على عدم تكرار حالة الفوضى التي حدثت من قبل بما لا يُعرض الأمن القومي المصري للضرر المباشر.
"تحديداً أن شبه جزيرة سيناء كانت شاهدة خلال العقد الأخير على مواجهات دامية مع التنظيمات الإرهابية ونجحت في تطهيرها إلى حد كبير، وأن الأدوار الإنسانية التي ستقدمها القاهرة تتماشى مع رؤيتها الخاصة بشأن ضرورة التخفيف عن الأشقاء العرب الذين يتعرضون لحروب وصراعات"، على حد قوله.
ويوضح أن التطرق لمسألة نصب الخيام في مدينتي الشيخ زويد ورفح قد يكون وارداً إذا ما اقتضت الضرورة، وأن كثيراً من المؤسسات والهيئات الحكومية ستكون قبلة للتخفيف من أوجاع الأبرياء الذين يواجهون حرباً شرسة من جانب الاحتلال الإسرائيلي، لكن ذلك في إطار ما تقرره الجهات الإدارية المحلية أو الهيئات الحكومية المصرية.
وشدد المصدر العسكري على أن القيادة السياسية تدرك بطبيعة الحال العداء الإسرائيلي لدولة تعتبرها مصدر تهديد لها (في إشارة إلى مصر)، وأنها لا يمكن أن تثق في إسرائيل طالما أن الأخيرة تعتبرها منافساً إقليمياً ومهدداً لها، وبالتالي سيكون لديها الرغبة في الإضرار بالمصالح المصرية، وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي والأجهزة الأمنية والاستخباراتية يتنبهون لذلك جيداً، ويعملون على مواجهته بكافة السبل بالرغم من الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل، على حد قوله.
وأشار المصدر إلى أن تفاصيل الغارات على نقاط قريبة من معبر رفح الحدودي، ما زالت غير واضحة لكن في كل الحالات فإن "القاهرة لن تتوانى في التعامل المباشر مع ما يهدد أمنها"، لافتاً إلى أن الحرب الحالية مفتوحة على احتمالات عديدة، وهو ما يجعل هناك استعدادات أمنية مكثفة بالقرب من الحدود، وأن مصر حتى وقوع الحادث لم تغلق المعبر بشكل كامل وتفتحه بشكل جزئي لاستقبال الحالات الإنسانية.
وأشار إلى أن الأيام المقبلة ستكون شاهدة على كيفية التعامل مع المعابر الحدودية، مع استكمال الاستعدادات الطبية التي يتم توفيرها لعلاج الجرحى والمصابين، وأن التخوف الرئيسي الآن يبقى من احتمال وقوع كارثة إنسانية في قطاع غزة يكون من الصعب التعامل معها وفقاً للإمكانيات المصرية وحدها في ظل توقع استهداف المنشآت الصحية والطبية داخل قطاع غزة.
وذكرت وسائل إعلام أن غارة إسرائيلية قصفت معبر رفح بين قطاع غزة ومصر، وأنها استهدفت قصف البوابة الفاصلة بين الجانبين الفلسطيني والمصري في معبر رفح، الواصل بين مصر وقطاع غزة، وأسفر القصف عن توقف العمل في المعبر، وقطع الطريق بين الجانبين.