كشفت صور أقمار اصطناعية أن روسيا بنت عشرات التحصينات الدفاعية في شبه جزيرة القرم، على غرار تقطيع المعابر في الأرض بزوايا تُتيح للجنود امتلاك مدى رمايةٍ أوسع، إضافة إلى تحصينات أخرى تشمل الخنادق الطولية العميقة، المصممة لاصطياد الدبابات والمركبات الثقيلة، بحسب ما أفادت به صحيفة Washington Post الأمريكية.
وحصلت الصحيفة على الصور من من شركة Maxar، وهي شركة تجارية لتقنيات الفضاء، مشيرة إلى أنه بعد شهور من الحفر، أصبحت المنطقة المحيطة ببلدة ميدفيديفكا الصغيرة مغطاةً بمنظومة خنادق متطورة تمتد لأميال، داخل شبه جزيرة القرم وبالقرب من المعبر المؤدي إلى بر أوكرانيا الرئيسي.
بدوره، قال إيان ماتفيف، المحلل العسكري الروسي: "من الواضح أن الجيش الروسي يدرك أنه سيضطر للدفاع عن القرم في المستقبل القريب".
سرعة في البناء
حيث ظهرت التحصينات الدفاعية بسرعة قبيل الهجوم الأوكراني المتوقع في الربيع، وفي غضون أسابيع قليلة، انتهت روسيا من بناء تحصينات بطول أميال قرب بلدة فيتينو على ساحل القرم الغربي -رغم استبعاد المحللين لفكرة الهجوم البرمائي.
وتستطيع حفارة الخنادق السوفييتية بي تي إم-3 أن تحفر بسرعة نصف ميل (800 متر) في الساعة تقريباً، حتى لو كانت الأرض متجمدة. وقد أعرب الجيش الأمريكي عن دهشته من هذه الآلات ذات مرة، عندما كتبوا في تقرير داخلي عام 1980 أن الولايات المتحدة وأوروبا واليابان ليست لديهم حفارة مشابهة.
وتستخدم روسيا القوة البشرية الخام أيضاً، إذ تبحث إعلانات التوظيف الروسية على الإنترنت عن عمال بناء لحفر الخنادق بالخشب والخرسانة في القرم، وبأجر يزيد عن 90 دولاراً يومياً -وهو رقم كبير.
وأظهرت لقطات الأقمار الاصطناعية أن بناء بعض التحصينات العائقة الأوكرانية لم يستغرق سوى بضع أيام.
تحديات صعبة
من جانب آخر، تُمثل جغرافية المنطقة تحديات صعبة بالنسبة لأوكرانيا وروسيا، إذ إن القرم متصلة ببر أوكرانيا الرئيسي عبر معبر بري ضيق وتغطيه المستنقعات، مما قد يُعطّل أي هجوم، لكن قرب المعبر من خط الجبهة قد يمثل خطورةً بالنسبة للجيش الروسي، حيث سيعزل قوات روسيا ويضعها في متناول الأسلحة الأوكرانية بسهولة.
وربما بنت روسيات تحصينات دفاعية في أماكن أخرى، لكن حجم التحصينات في القرم يتميز عن غيرها، حيث قال المحلل العسكري الروسي ماتفيف: "تُعَدُّ شبه جزيرة القرم بمثابة شجرةٍ مقدسة لبوتين. وإذا أصابها شيء، فسوف يبعث بالقوات إلى خط دفاعها مباشرةً".
وكشفت لقطات الأقمار الاصطناعية بناء العديد من الدفاعات الروسية بطول مسطحات مائية، لتضيف طبقة حمايةٍ إضافية ضد أي هجوم بري محتمل من أوكرانيا.
فيما قال ميكولا بيليسكوف، الزميل الباحث في مركز أبحاث National Institute for Strategic Studies الأوكراني، إن حجم التحصينات يُمثل "أفضل مؤشر" على المخاوف الروسية.
لكن بعض المسؤولين الغربيين يخشون أن اندلاع معركة مباشرة من على القرم قد يؤدي لتصعيد خطير، إذ إن بعض المسؤولين الروس البارزين ألمحوا ضمنياً إلى استعداد موسكو لاستخدام الأسلحة النووية، وذلك من أجل الدفاع عن القرم.
خنادق ومصائد دبابات
ووضعت روسيا العوائق بطول الطرق الرئيسية التي تربط القرم مع بر أوكرانيا الرئيسي، في حين تبني القوات الروسية التحصينات بطول نقاط الدخول الرئيسية إلى منطقة خيرسون منذ شهور.
كما بنوا التحصينات قرب ميليتوبول على الجانب المقابل مما يعرف بـ"الجسر البري"، الذي يربط القرم بروسيا عبر الأراضي الأوكرانية المحتلة.
وعزّزت روسيا دفاعاتها في شبه الجزيرة بشدة خلال الآونة الأخيرة، حيث ترتبط شبه الجزيرة ببر أوكرانيا الرئيسي عبر برزخ بيريكوب الضيق، الذي يصل عرضه إلى نحو 6.9 كم في أعرض نقطة.
ويُمكن اعتبار الجغرافيا بمثابة أفضل وسيلة دفاع في شبه جزيرة القرم، إذ لا يوجد سوى طريقين رئيسيين يؤديان إلى شبه الجزيرة من الشمال، حيث أصبح طريق M17 الواقع غرباً شديد التحصين الآن، بينما يمر طريق M18 في الشرق بجسرٍ يُمكن تدميره.
فيما ستُقيّد بحيرات سيفاش أي تحركات عسكرية واسعة النطاق في المنطقة. أما لسان أرابات في الشرق فيتألف من طرق غير معبدة في الأغلب.
وقد بنت روسيا كذلك خندقاً بطول 32 كم في غربي القرم، بالقرب من فيتينو. وأظهرت لقطات الأقمار الصناعية إضافة المزيد من قطع المدفعية المقطورة في المنطقة نفسها، يوم 31 مارس/آذار، وقال بعض المحللين إن نشر الأسلحة بعيداً عن ساحة المعركة النشطة كان محيراً.
المعركة من أجل القرم
قال ستيف دانر، مهندس الجيش الأمريكي السابق، إن اختراق التحصينات الشمالية في القرم مباشرةً سيتطلب قدراً كبيراً من الوقت والجهد والعتاد. وأوضح في رسالةٍ له: "يُتقن الروس تحضير المواقع الدفاعية جيداً".
بينما قال مايكل كوفمان، المحلل العسكري لشبكة CNA الأمريكية، إنه من المستبعد أن تستولي أوكرانيا على القرم بـ"المعنى التقليدي"، لكن كييف يمكنها اتباع استراتيجية الإنهاك.
وتختبر أوكرانيا هذه الاستراتيجية حالياً بالفعل، إذ شنت القوات الأوكرانية ومن يعاونها أكثر من 70 هجوماً محتملاً يستهدف المواقع الروسية -داخل القرم أو حولها- منذ أغسطس/آب الماضي، وفقاً لمشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها (ACLED).