لسنوات، لم أهتم بمعرفة أية تفاصيل عن قصة حياة كوكب الشرق أم كلثوم، فقط كنت أنظر إليها باعتبارها واحدة من أعظم صانعي التابلوهات الفنية في العالم، فكل أغنية شَدَتْ بها سيدة الغناء العربي، في تقديري، تحفة فنية مُبهرة لن أندهش لو رأيتها موضوعة في أكبر المتاحف العالمية دون شركات الأسطوانات أو مكتبات الأشرطة في الفضائيات، لا لشيء سوى الصدق في الصنعة والجودة والإتقان والتميز والتنوع والاختلاف.
ربما كانت هذه النظرة الدقيقة والتصور الأفلاطوني هما السر وراء تعمدي الهروب من أي ملمح من حياة "الست"؛ خشية أن يحدث لهما أي تغيير أو اضطراب؛ لذا كان الأقرب إلى هوى نفسي أن تظل نظرتي إلى أغنيات؛ مثل: "رباعيات الخيام"، و"الأطلال"، و"هذه ليلتي"، و"القلب يعشق كل جميل"، و"ولد الهدى" وغيرهم من الأغنيات مجرد لوحات فنية مجردة، أو نبع إحساس لا ينضب، أعود إليه كلما غلبني الظمأ، فأرتشف رشفة سريعة قبل العودة مجدداً إلى تفاصيل هذا العالم الموحش وواقعنا الكئيب.
ولكن الصدفة دفعتني قبل أيام إلى اتخاذ القرار الذي لطالما هربت منه، وبدأت البحث عن قصة حياة السيدة، التي غابت عن عالمنا في الخامس من فبراير/شباط عام 1975، أي قبل 43 عاماً لأتوقف أمام لقطة جعلت حاضري أكثر إلحاحاً رغم أن محاولتي بالأساس كانت رغبة في التقاط بعض الأنفاس بعيداً عنه غوصاً في الماضي، حكاية أعادت طرح الأسئلة الصعبة على حين غرة، ووصلت بالصراع الداخلي الذي أعيش فيه مؤخراً إلى ذروته كأبطال الأساطير الإغريقية قبل لحظات الإدراك واليقين، وذلك عندما وصلت بي حكايتها إلى المحطة التي أطلت فيها من فوق خشبة المسرح الأشهر في باريس، مسرح "الأوليمبيا"، وتحديداً يوم 15 نوفمبر/شباط 1967، أي بعد 5 أشهر و10 أيام من نكسة الجيوش العربية، التي ما زلنا نعاني تداعياتها حتى هذه اللحظة، يوم أن رفعت "الست" هامتها شامخة في باريس، بينما هامات رجال الأمة منكسرة، وسُبلهم كانت ممزقة.
لا أريد الحديث عن النجاح المدوي الذي حققته أم كلثوم في باريس، أو الحديث عن الرسالة التي أرسلها إليها الرئيس الفرنسي "شارل ديغول" لتحيتها وهي على طائرة العودة إلى القاهرة، قائلاً: "لقد لمست بصوتك، سيدتي، أحاسيس قلبي وقلوب الفرنسيين جميعاً".
وبالطبع، لا أريد الحديث عن مبلغ 14 ألف جنيه إسترليني، اشترطت أم كلثوم أن تتقاضاها من "كوكاتريكس" مدير المسرح الفرنسي، ليكون هو المبلغ الأعلى الذي تقاضاه فنان غنى على خشبة هذا المسرح حينها.
فقط أريد الحديث عن أمرين:
أولاهما: كيف كان لمصر رموز بهذه القوة يستطيعون إيصال صوتها، بعد شهور قليلة من نكسةٍ زلزلتها، إلى قلب واحدة من أشهر العواصم الأوروبية بهذا الثبات والرسوخ.
ثانيهما: إرادة هذه السيدة التي كانت في عامها التاسع والستين حينها، تحمل كل أعراض الشيخوخة من وَهَن وأمراض، ورغم ذلك مكنتها هذه الإرادة من تخطي مرارة الهزيمة والذهاب إلى عاصمة الدولة التي شاركت إسرائيل قبل 11 عاماً عدوانها على مصر، وهي أيضاً الدولة التي بنت لها مفاعلها الذري في ديمونة، ذهبت لتغني باسم مصر والعرب.
رغم موقفي العدائي من كل ما تمثله الحقبة الناصرية، وقناعتي بأنها الحقبة التي أسست لكل ما تعانيه بلادي الآن، ولكنني -وأنا أعتبر الواقع المصري الجديد نكسة أشد باساً و إيلاماً؛ لأن إسرائيل توغلت هذه المرة بقبول صريح وضمني من المصريين- أبحث بين المصريين عن قامة لها نصف تأثير كوكب الشرق لتحمل قضيتنا إلى العواصم الأوروبية فلا أجد، أبحث عن رمز نلتف حوله -وقد صار الغزو الصهيوني ناعماً بدليل اتفاقية الغاز وما يحدث في سيناء- فلا أجد، أبحث عن قائد وقد أكد نتنياهو أن إسرائيل اليوم في عيد لوجود السيسي على رأس جيشنا فلا أجد، وكلما حلمت يخيب ظني وتتضاعف الحسرة.
إن المأساة الأخطر التي تعانيها مصر هي أنها أمست مجتمعاً بلا قدوة، شعباً بلا نخبة، ثورة بلا قيادة، ولكن هل حدث هذا لأن مصر توقفت عن إنجاب النوابغ؟
للإجابة عن هذا السؤال، دعونا نفترض أن كوكب الشرق ذهبت إلى حفلتها الشهرية الشهيرة ذات يوم لتجد صالة المسرح خاوية على عروشها، والجمهور في المقابل انصرف لمتابعة راقصة روسية أو أرمينية صارت مصر بالنسبة لها أرضاً للأحلام والفرص، منطلقاً للشهرة وجمع المال، بالطبع لو كان هذا قد حدث لتوقفت كوكب الشرق عن الغناء، ولو كانت دعيت بعدها لمسرح "أوليمبيا" لما وجدت بداخلها الثقة اللازمة لقبول مثل هذا التحدي.
الشاهد أنه بقدر عبقرية أم كلثوم كانت عبقرية جمهورها، الذي عرف كيف يتذوق ويفهم إبداعاتها فدعمها فاستمرت، أعطاها فأعطت، قدّرها فردّت له الجميل.
بقدر عبقرية الفريق سعد الدين الشاذلي بقدر بسالة ضباطه وجنوده الذين نفذوا خطته، فجاءت نتائج خطة العبور بأفضل مما توقع واضعها من حيث دقة التنفيذ وسرعته ومفاجأة حجم الخسائر التي لا تذكر أمام صعوبات هذا الهجوم الجبار .
بقدر وطنية سعد باشا زغلول بقدر عزيمة شعب كانت غالبيته العظمى من الفلاحين، ومع ذلك استطاعوا بوعي ونضج، جمع توكيلات شعبية دعمت موقفه في وجه المحتل، فتحول من رجل مأسور منفي إلى زعيم مفاوض مؤازَر شعبياً، ثم رئيس وزراء منتخباً ديمقراطياً.
إذن، الشعب هو من يصنع نخبته، هو من يختار قادته، هو من يغير اتجاه بوصلته، لذا أفهم لماذا انزعج المثقف الأميركي حين وجد ترامب منتخباً على رأس السلطة في بلاده؛ لأنه أدرك أن هذا مؤشر على قرب أفول نجمهم الإمبراطوري، وهو الأمر ذاته الذي أدى إلى تفكك الاتحاد السوفييتي حين اختار الحزب الشيوعي غورباتشوف الضعيف سكرتيراً له، وهو الأمر الذي حدث أيضاً حين استبدل الناخب البريطاني "تشرشل" القوي بــ"أنتوني إيدن" الضعيف، فانتهت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
والحق أقول، إن السيسي حينما حاول إقناع المصريين بأنه أحرز هدفاً بتوقيع اتفاقية الغاز مع نتنياهو كان يدرك أن هذا الشعب لم ينجب بعد من يجبر السيسي على خشيته، لم يصنع نخبة صلبة قوية تردع السيسي وتلزمه عدم الابتعاد عن ثوابتنا الوطنية.
السيسي حين انقلب على نتائج ثورة يناير، وأعاد بناء جدار الخوف، وفرط في تيران وصنافير، وتوسع في جلب القروض والاستدانة من الخارج، وقبل ذلك كله قتل الآلاف من المصريين واعتقال الآلاف وتشريد الآلاف، دون شك يعلم أن هناك سُكارى بيننا، سُكارى سيقبلون صنيعه الظالم فينا؛ إما بالتأييد الصريح وإما بالصمت المريض وإما بالخوف البغيض.
لعله قد آن الأوان أن ننتبه، حان الوقت كي نفيق قبل أن يضيع منا كل الرحيق.
مصادر:
– نص رسائل الإعجاب بين أم كلثوم وشارل ديجول!
– قصة حياة ونستون تشرشل
– البرنامج النووي الإسرائيلي
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.