ليس اعتراضنا على حرية الاعتقاد والرأي، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولكن اعتراضنا ينصب على الازدواجية والنفاق وذهنية الإقصاء، وعلى أشكال الإكراه والقمع المعنوي والابتزاز الفكري الذي يمارسه الخطاب السائد في جماعة ما، فكل ذلك من سمات "الدوغما" العقدية، وتحكيم الصور الذهنية النمطية المرسومة "للذات" الجمعية، و"للآخر" الموضوع، عوضاً عن تحكيم النظر المعرفي (Epistemological) في الحقيقة الاجتماعية (Social reality) بوصفها ظاهرة يتحقق وجودها الواقعي واشتغالها في التاريخ والتنظيم الاجتماعي بفضل نشاط الوعي الذي يتمثلها ويمثل بها الواقع، فيعمل على إنتاجه وفقاً لذلك التمثيل.
وعلى ذلك فإن عدم الإيمان لا ينبغي له أن ينفي الظاهرة الدينية بوصفها حقيقة اجتماعية ثقافية فاعلة، بل لعلها أقوى الظواهر بقاءً وصموداً وتأثيراً عبر التاريخ.
المؤرخ العظيم أرنولد توينبي لم يكن مؤمناً بالحقيقة الدينية المجردة، ومع ذلك أسلمه النظر المعرفي إلى أن يضع الدين في مكان مركزي في المسار التاريخي، فإن أنت أقررت بذلك لم يسعك أن تخلط بين عقيدتك اللادينية وبين تعاملك الواقعي مع الظاهرة الدينية، فتحكم مبدأ الإقصاء والاجتثاث.
وتلكم هي "الدوغما" التي تصبح منها العقيدة اللادينية ديناً معكوساً، لا ينكر الحقيقة المطلقة عند الآخر المتدين إلا بقدر ما يثبتها لنفسه، ثم لا يجد كلا الطرفين الضدين طريقة لإثبات حقيقته وإقصاء حقيقة الآخر إلا إعلان الحرب على الآخر، فيلتقيان فيما اختلفا عليه! والحال أنها حرب خاسرة بالمعيار العملي.
فمن اشترط نقض الإسلام لتحقيق غاية إصلاحية تنويرية فقد حكم على مشروعه بالإخفاق وأحبط الغاية النبيلة نفسها مهما تكن ضرورة اجتماعية تحررية نهضوية بحق، إذ غرب وألّب عليها تلك الفئات نفسها التي يفترض أن مشروع التغيير موجه إلى تحريرها وإنهاضها.
فإذا أقررنا أن الناس هم وسيلة التنمية وغايتها في الوقت نفسه، فإن الوصفة الكفيلة بإحباط مشروع التغيير والتنوير تتمثل في مصادمة حساسياتهم الدينية والثقافية الراسخة العميقة، حين يوضعون أمام خيارين متفاصلين: فإما عقيدتهم الدينية مع المظالم التي تقعدهم، وإما التحرر وصلاح الحال مع نفي الدين والمقدس! عندئذ ستجد جل هؤلاء يقاومون ما يهدد عقيدتهم ولو حمل لهم وعود التحرر والعدالة والنهضة والتقدم والازدهار! هذه في رأيي شروط موضوعية لا علاقة لها بعقيدة دعاة التنوير والإصلاح إيماناً بالدين أو إنكاراً له.
فمن كان مخلصاً حقاً لأهداف التحرر والنهوض لم يسعه تجاهل الشروط الموضوعية والمصادر الثقافية للمجتمع وهويته، فيكون كالمنبت: لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى، أو كمن انشغل بمقاتلة الناطور عن بلوغ العنب كما يفيد المثل الشعبي، ويكون قد جعل "الأيديولوجيا" المجردة في ذاتها موضوع الصراع وغايته، عوضاً عن توظيفها في تشخيص الواقع وتغييره، ثم تقويمها ومراجعتها في ضوء النتائج والغايات العملية.
والشواهد التاريخية المعاصرة في بلادنا ومنطقتنا كثيرة؛ فذاك شاه إيران الأخير لم يحسن تقدير قوة المشاعر الدينية في بلده وهو يعمل على تغريب المجتمع باسم التحديث والتطوير على طراز الغرب، وكانت النتيجة ثورة إسلامية شعبية شاملة عارمة انتهت بدولة الولي الفقيه و"الملالي".
أما تركيا، فبعد أكثر من ثمانين سنة من النظام الأتاتوركي العلماني العسكري الصارم، الذي لم يكتفِ بعلمنة الدولة، فعمل بكل الطرق على علمنة المجتمع نفسه وتجريده من مصادر هويته الثقافية الإسلامية وعلى إلحاقه بالغرب، بعد هذا كله رأينا الإسلام ينبعث من جديد ويعبر عن نفسه سياسياً بالطرق الديمقراطية مع انحسار وطأة العسكر.
وتلكم تونس، لم تفلح محاولات بورقيبة وخلفه زين العابدين في تغريبها وتهميش مرجعها الثقافي الإسلامي بوسائل القمع البوليسية، ذهب الرجلان وبقي الإسلام فاعلاً وموجهاً.
أما الجزائر فقد غبر عليها أكثر من مائة وثلاثين سنة من الاستعمار الفرنسي الاستيطاني الثقافي معاً، ولم تختفِ آثاره السياسية بعد الاستقلال، ومع ذلك لم يقوَ ذلك كله على طمس الهوية الإسلامية للشعب الجزائري، بل ازدادت قوة في مواجهة التهديد، واتخذت بعض تعبيراتها أشكالاً متطرفة بعد حين.
وقبل الشيوعية المدعومة بالغزو السوفييتي في أفغانستان، لم يكن الشعب الأفغاني يعرف النمط الطالباني المغلق وأمثاله.
إن تهديد الهوية يؤدي إلى انغلاقها كما تؤكد التجارب المعاصرة، والتطرف ينتج نقيضه المتطرف أو يتشاطر معه، وكلاهما يتغذى من الآخر، وبدلاً من أن تتدافع الأفكار في مناخ سلمي وديمقراطي يسلّم بالتعددية، وتستظهر في برامج عملية تصدّقها اختبارات الواقع أو تكذبها أو تدفع إلى مراجعتها وتكييفها، بدلاً من ذلك لا يأبه التطرف والإقصاء المتبادل بأن يضحي بالمجتمع ومصالحه من أجل الفكرة! فلا يكون التدافع بين الأضداد على تطوير الواقع واستباق الخيرات، ولكن على غلبة الفكرة بالإكراه، وليذهب المجتمع ومصالحه إلى الجحيم!
ليس عليك أن تكون مسلماً أو مؤمناً أو متديناً كي تقر بقوة الإسلام في الوجدان العام وفي التوجيه والتأثير، وبكونه مقوّماً أساسياً من مقومات الهوية الثقافية الحضارية العربية الإسلامية.
وإنما تتعرف الشعوب والأمم بهويتها الحضارية، فيكون تهديدها تهديداً للوجود الجمعي نفسه، فلا غرابة أن تدافع الشعوب عن هويتها المهددة دفاعها عن وجودها، حتى لو استخفى التهديد في مشاريع تعد بالتحديث والتطوير والتقدم والنهوض والتحرر والعدالة.
وبطبيعة الحال لا يعني ذلك كله قبول الفكر الديني الموروث والمعاصر الذي أنتجه الوعي دون مراجعة وتجديد وتطوير.
فلا ينبغي المطابقة بين الوحي واجتهادات البشر في فهم نصوص الوحي وإنزال معانيها على الواقع، وهي اجتهادات محكومة بالشروط التاريخية ومحتوى الوعي، فهي ظواهر ثقافية اجتماعية.
وقد بينا في مواضع سابقة أن الثقافة حقيقة ديناميكية متغيرة ومتواصلة في خط صيرورتها، إلا أن تتحلل وتختفي، فتختفي معها الأمة التي تتعرف بها هويتها، وهي كذلك مفتوحة للنشاط التأويلي الذي يرفد التدافع الاجتماعي بين الأفراد والجماعات حول المصالح والأغراض والمطالب المتضاربة في الفضاء الثقافي المشترك نفسه، وبذلك ينتظم التدافع في الحدود الجامعة التي تصون التماسك الاجتماعي، وإلا كان التفكك الذي ينذر بانفراط الهوية الجمعية.
فإن كان الأمر كذلك، فإن ضرورات المراجعة والتجديد والتطوير في الموروث الثقافي بعامة، والفكر الديني بخاصة، لا تقتضي نبذ المرجع بجملته ولا إلى الانسلاخ من الهوية الثقافية على الجملة شرطاً للتقدم والتحرر، فالتأويلات والقراءات والخطابات الإسلامية المستنيرة أجدر بأن تدافع التأويلات والخطابات المتطرفة، دون أن تغرّب الجمهور العريض باسم التقدم.
التقدم يفترض وجود موضوع تشتغل عليه مشاريع النهوض، أما نفي الموضوع نفسه فينقل الصراع والتدافع من قضية التجديد والإحياء والنهوض إلى قضية الوجود الذي يتعين في الهوية الثقافية والحضارية.
إذاً، فمن السذاجة والتبسيط المضلل أن يختزل بعضنا الصراع الفكري القائم بين فسطاطين: تيار علماني تغريبي وتيار إسلامي متشدد ماضوي منغلق؛ ليكون الخيار بين الرمضاء والنار! فلا الفكر العلماني ظاهرة واحدة متجانسة، ولا الفكر الإسلامي كذلك.
وثمة خطابات إسلامية ودينية، ربما اختلفت فيما بينها أكثر مما يختلف بعضها مع بعض طروحات الفكر العلماني.
وفي رأيي أن التدافع بين الخطابات الدينية والإسلامية المعتدلة والمتشددة، المستنيرة والمنغلقة، أهم في تداعياته المستقبلية من التدافع بين مجمل الخطابات الإسلامية من جهة ومجمل الخطابات العلمانية من جهة أخرى.
على أن نزعة الإقصاء المتبادل والتنكر لمبدأ التعددية والتدافع السلمي وقبول الآخر، تفضي عادة إلى استقطاب حاد يحاصر الخطابات العقلانية المعتدلة المستنيرة في كلا الجانبين، لصالح الاتجاهات الإقصائية الأكثر تطرفاً هنا وهناك.
الدين إذاً، كحال أي مرجع عقدي أو مصدر ثقافي، لا ينطق عن نفسه خارج نشاط الوعي الذي يتعامل معه، فالحاكم المستبد يمكن أن يستغله ليسوغ استبداده ويؤبده، ويقمع معارضيه.
وفي المقابل، يمكن أن يكون محركاً عظيماً للشعوب ضد الغزاة والطغاة، وكذلك يمكن أن تستند إليه التيارات المتطرفة المنغلقة لتشريع القتل ونفي التعددية وتكريس التخلف، كما يمكن أن تستند إليه التيارات الوسطية المستنيرة، لتعظيم قيمة الحياة والإنسان، واحترام مبدأ الاختلاف والتعددية، ودفع عجلة التحرر والتقدم والتجديد والتطور والإنماء.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.