“خسرنا الحرب”.. كيف قرأ الإعلام الإسرائيلي اتفاق وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/04/08 الساعة 14:17 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/04/08 الساعة 14:17 بتوقيت غرينتش

في تحول دراماتيكي٬ وبعد ترديد ترامب لتهديدات بإبادة إيران وحضارتها بالكامل٬ انتقل الرئيس الأمريكي خلال يوم واحد إلى الإعلان عن أن إيران قد قدمت خطة "قابلة للتنفيذ" دفعته إلى الموافقة على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين٬ ويحتمل أن تمهد الطريق لإنهاء الحرب المستمرة منذ ما يقرب من ستة أسابيع. 

بعد ساعات من تغريدة ترامب٬ أعلن رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو دعمه لما وصفه بـ"وقف إطلاق نار مشروط"، مؤكداً في الوقت نفسه أن هذا الوقف لا يشمل وقف إطلاق النار لبنان٬ على عكس ما أورد بيان المجلس القومي الإيراني. وفي بيان صادر عن مكتبه، قال أيضاً إنه "تلقى تأكيدات بأن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة، في المفاوضات المقبلة، بضمان ألا تشكل إيران تهديداً نووياً أو صاروخياً أو إرهابياً لأمريكا أو إسرائيل أو جيران إيران العرب أو العالم". لكن كيف قرأ الإعلام العبري لهذا الاتفاق؟

"خسرنا الحرب.. وانتصرت إيران"

يجمع العديد من المحللين والكتاب الإسرائيليين على أن هذا الاتفاق هو انتصار واضح لإيران وإخفاق لإسرائيل٬ حيث أنه ينهي الحرب دون تحقيق أي من الأهداف التي وضعها نتنياهو وترامب٬ حيث خرجت إسرائيل والولايات المتحدة من هذه الحملة باتفاق يُعتبر "استسلاماً استراتيجياً محضاً"٬ فيما احتفلت طهران بعد إعلان ترامب بحرق العلمين الأمريكي والإسرائيلي٬ ورفع المتظاهرون شعارات النصر والسخرية من الولايات المتحدة: "لقد انكشف النقاب قوة النمر الورقي للعالم".

وشنت أحزاب المعارضة الإسرائيلية هجوماً على نتنياهو واتهمته بعدم تحقيق أي من أهدافه في الحرب بل جعل إيران تخرج منتصره. وقال زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد صباح الأربعاء: "لم نشهد في تاريخنا كارثة سياسية كهذه. لم تكن إسرائيل حتى حاضرة عند اتخاذ القرارات المتعلقة بجوهر أمننا القومي. لقد نفّذ الجيش كل ما طُلب منه، وأظهر الشعب صموداً مذهلاً، لكن نتنياهو فشل سياسياً واستراتيجياً، ولم يحقق أيًا من الأهداف التي وضعها بنفسه". وقال لابيد: "سيستغرق الأمر سنوات لإصلاح الضرر السياسي والاستراتيجي الذي تسبب به نتنياهو بسبب غطرسته وإهماله وانعدام تخطيطه الاستراتيجي". 

كما وُجهت انتقادات للاتفاق داخل الائتلاف الذي يتزعمه نتنياهو، لكنها كانت موجهة حصراً إلى الرئيس الأمريكي، حيث غردت عضو الكنيست زفيكا فوغل، رئيسة حزب "عوتسما يهوديت"، على حسابها في إكس قائلة: "دونالد، لقد خرجتَ خاسراً".

وقال رئيس حزب إسرائيل بيتنا، عضو الكنيست أفيغدور ليبرمان: "إن وقف إطلاق النار مع إيران يمنح نظام آية الله خامنئي استراحة وفرصة لإعادة تنظيم صفوفه. أي اتفاق مع إيران، دون تخليها عن تدمير إسرائيل، وتخصيب اليورانيوم، وإنتاج الصواريخ الباليستية، ودعم المنظمات الإرهابية في المنطقة، يعني أننا سنضطر للعودة إلى حملة أخرى في ظل ظروف أكثر صعوبة، وسندفع ثمناً باهظاً".

"من زئير الأسد إلى مواء القطة.. إيران انتصرت"

يجمع العديد من المحللين والكتاب الإسرائيليين على أن هذا الاتفاق هو انتصار كبير لإيران وإخفاق لإسرائيل٬ حيث أنه ينهي الحرب دون تحقيق أي من الأهداف التي وضعها نتنياهو وترامب٬ حيث خرجت إسرائيل والولايات المتحدة من هذه الحملة باتفاق يُعتبر استسلاماً استراتيجياً محضاً.

وفي مقال حمل عنوان "من زئير الأسد إلى مواء القطة" – في إشارة إلى اسم العملية التي أعلنها الجيش الإسرائيلي ضد إيران- قال الكاتب في صحيفة معاريف آفي أشكنازي إن الإيرانيين بعد 41 يوماً من القتال وتدمير 5000 مبنى في إسرائيل، حققوا انتصاراً ساحقاً. ورغم اغتيال خامنئي، بقي النظام قائماً، وظلت الأسلحة النووية موجودة، وأصبح مضيق هرمز بمثابة صراف آلي لطهران. 

ويرى أشكنازي إنه لا يوجد حتى الآن سوى فائز واحد في هذه المعركة، وهو إيران ووكلائها. وأضاف: للأسف، يبدو أن إسرائيل والولايات المتحدة خسرتا هذه الحرب بفارق كبير. ومن المرجح أن يُدفع الثمن نقداً في ظل الواقع الذي ستُرسّخ فيه إيران مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة في الخليج العربي". 

أحرق متظاهرون إيرانيون مؤيدون للحكومة أعلام الولايات المتحدة وإسرائيل خلال تجمع عقب إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في ساحة الثورة، في طهران، فجر الأربعاء 8 أبريل 2026. – رويترز

ويقول الكاتب إنه على الصعيد التكتيكي، نجح الإيرانيون في فرض اتفاق على الولايات المتحدة صاغوه بأنفسهم إلى حد كبير، وسوّقه الباكستانيون والأتراك. لقد رفض الإيرانيون الاتفاق الذي صاغته الولايات المتحدة. نجح الإيرانيون في دفع إسرائيل والولايات المتحدة إلى اتفاق تضمن بنود استسلام من الجانبين الإسرائيلي والأمريكي. وقد أدى تخلي الولايات المتحدة وإسرائيل عن كل هدف من أهداف الحرب إلى خلق واقع إقليمي جديد. وتشير دراسة أهداف الحرب ومبادئها القتالية في ضوء نتائجها إلى أن النظام الإيراني هو من خرج منتصراً٬ بحسب أشكنازي:

  • النظام الإيراني نجا من الحرب ويقوده الآن جيل أصغر أكثر تطرفاً.
  • المشروع النووي مستمر٬ لم يسلم الإيرانيون 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب. نص الاتفاق على أن يناقش الطرفان تخفيف تركيز المادة في المستقبل، وتنفيذ مشروع نووي مدني.
  • الصواريخ الباليستية لا تزال طهران تحتفط بها.
  • رسخت إيران سيطرتها على مضيق هرمز، إنها من تملك مفاتيح المنطقة، وتطالب بتحصيل رسوم الشحن مقابل عبور مضيق هرمز.
  • وفي لبنان خسرت إسرائيل المعركة. لم تقطع إيران علاقاتها مع حزب الله. سيشمل وقف إطلاق النار لبنان أيضاً، دون أن تُضمّن إسرائيل نزع سلاح حزب الله في الاتفاق٬ وقد نرى حزب الله قريباً أقوى بكثير مما كان عليه في 28 فبراير 2026.

"الاتفاق النهائي قد لا يراعي مصالح إسرائيل"

بالإضافة إلى ذلك٬ تقول صحيفة "هآرتس" إن المسؤولين الإسرائيليين يشعرون بالقلق من أن مصالح إسرائيل الرئيسية قد لا تنعكس في الاتفاق النهائي. وقد أوقفت إسرائيل، في الوقت الراهن، عملياتها العسكرية في إيران، لكنها قالت إنها ستواصل قصف لبنان٬ حيث شنت ظهر يوم الأربعاء حملة قصف مكثفة هي الأكبر في تاريخ لبنان منذ عقود وأوقع القصف مئات القتلى والجرحى٬ فيما تعهد الجيش بمواصلة القتال ضد حزب الله.

لكن من غير الواضح أيضاً ما إذا كانت إسرائيل ستقبل -تحت ضغط من ترامب- بربط أي اتفاق مستقبلي مع طهران بوقف القتال ضد حزب الله، مما يسمح فعلياً للجماعة بالاحتفاظ بترسانتها المكونة من آلاف الصواريخ التي تهدد المستوطنات الشمالية.

وبحسب الصحيفة٬ فمن غير الواضح أيضاً ما إذا كان الاتفاق الناشئ سيرفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران والحرس الثوري وشخصيات بارزة في النظام الإسلامي. وقد بذلت إسرائيل جهوداً دبلوماسية كبيرة لفرض هذه العقوبات على مدار سنوات طويلة، ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت ستُستخدم كوسيلة ضغط على إيران لتلبية المطالب الأمريكية.

"احتفل ترامب بالنصر، ونجت إيران بأوراق قوتها"

في مقال حمل عنوان "احتفل ترامب بالنصر، ونجت إيران – ولم يبقَ سوى إسرائيل مع علامات استفهام"٬ قال الكاتب في صحيفة "يديعوت أحرنوت" إيتامار إيشنر إن "المخفي في الخطة أكثر من الظاهر. باستثناء الأطراف المعنية مباشرةً بالمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، يُرجّح أن لا أحد يعلم على وجه التحديد ما يتضمنه الاتفاق. كما يُرجّح أيضاً أن لا أحد في إسرائيل، بمن فيهم رئيس الوزراء، يعلم على وجه التحديد ما يتضمنه الاتفاق الذي يجري إبرامه. ويضيف إيشنر: إن الأمريكيين حققوا مكاسب من الحرب على إيران، لكن السؤال هو: هل هذه المكاسب كافية لخدمة مصالح دولة إسرائيل؟

في الوقت نفسه٬ انتقد الكاتب الإسرائيلي فكرة توسط باكستان وتركيا بين إيران والولايات المتحدة في هذا الاتفاق٬ وقال: "من بين الفائزين، ينبغي ذكر الوسطاء، وعلى رأسهم باكستان. انظروا إلى هذا الأمر العجيب: دولة من غرب آسيا لا تربطها أي علاقات بالشرق الأوسط، قوة نووية إسلامية، العدو الأول لصديقتنا الاستراتيجية الهند، أصبحت الوسيط الرئيسي، الذي يجمع ويحسم الأمور بين الولايات المتحدة وإيران. بالنسبة لنا في إسرائيل، هذا ليس خبراً ساراً، فهذه دولةٌ تُمارس نفوذاً كبيراً على الرئيس الأمريكي، ومصالحها بعيدة كل البعد عن مصالح دولة إسرائيل. كما أن تركيا لا تدعم إسرائيل٬ لذا، فإن الطريقة التي تم بها التوصل إلى هذا الاتفاق لا تصب في مصلحتنا".                                                                                                                                              

ويرى الكاتب الإسرائيلي أن إسرائيل خسرت معركة السردية في هذه الحرب٬ وقال: إذا قيّمنا سلوك نتنياهو من منظور تاريخي، فإن حماس لا تزال قائمة، وحزب الله لا يزال قائماً، والإيرانيون لا يزالون موجودين، وعلى حد علمنا، لا يزال هؤلاء الأعداء في المنطقة، بينما المسافة بيننا وبين النصر المطلق لا متناهية.  والأسوأ من ذلك، أن نتنياهو قلل من شأن شرعية إسرائيل الدولية لمواصلة القتال. فلا عجب إذن أن يُصوَّر نتنياهو وإسرائيل في الولايات المتحدة والغرب على أنهما دعاة حرب، وأنهما من دفعا ترامب إلى هذه المغامرة. ومن يدّعي أن ترامب انقلب علينا وجعل فتح مضيق هرمز الهدف الرئيسي للمفاوضات، رغم أنه كان مفتوحاً قبل الحرب، فربما يكون محقاً. على أي حال، هذا دليل على أن التخطيط الاستراتيجي لهذه العملية كان معيباً!.

فرض السلام عبر مجلس الأمن
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو٬ أرشيفية/ رويترز

"لا يمكننا أن نهنئ أنفسنا على ما أنجزناه"

أما المراسل الحربي الإسرائيلي رون بن يشاي٬ فقد هاجم ترامب في مقال له "يديعوت أحرنوت"٬ وقال: يمكن للرئيس ترامب أن يدّعي تحقيق إنجازين فوريين نتيجة لوقف إطلاق النار مع إيران ويكسب الوقت، بينما لا تزال إسرائيل تواجه مخاطر أمنية وقرارات لم تكتمل. 

وأضاف بن يشاي: بالتدقيق في تفاصيل الخطة، يتضح أن إيران لم تتراجع عن أي من مطالبها الصارخة التي قدمتها للأمريكيين في الأسابيع الأخيرة. قد يخفف الإيرانيون من حدة الخطة خلال الأسبوعين المقبلين، ولكن في الوقت الراهن، لا يوجد ما يدعو الرئيس الأمريكي للتفاؤل، الذي كان يبحث عن مخرج من المأزق. وقد منحه الوسطاء الباكستانيون ما أراد.

وحذر بن يشاي حكومته قائلاً: في الساعات والأيام القادمة، لا يمكننا أن نهنئ أنفسنا على ما أنجزناه، ويجب ألا نتراخى في إسرائيل ونتخلى عن الاحتياطات. لن يكون من الممكن الابتعاد عن المناطق المحمية إلا عندما نرى عشرات ناقلات النفط والسفن التجارية والسفن الحربية الأمريكية تعبر مضيق هرمز في كلا الاتجاهين.

ويختتم الكاتب مقاله بالقول إنه في الوضع الراهن، لدى إسرائيل هاجسان رئيسيان: "كيفية إقناع ترامب بعدم التسرع في رفع العقوبات عن إيران، وعدم إعادة الأموال المجمدة إليها. إن تخفيف الضغط الاقتصادي على إيران سيمكنها من استرضاء الجماهير، التي تضم بعض معارضي النظام؛ وسيسمح للنظام بتمويل وكلائه، وعلى رأسهم حزب الله، كما سيمكنه من تمويل إعادة بناء قدراته العسكرية. الإيرانيون لا تنقصهم الكفاءات والخبرات. أما الهاجس الآخر في القدس فهو كيفية إتمام المهمة التي بدأها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والتي لا تزال بعيدة عن إتمامها".

تحميل المزيد