لن تكون مهمة أي قوات أمريكية برية للسيطرة على جزيرة خارك الإيرانية، التي تُعد مركزاً نفطياً استراتيجياً لطهران، والتي قال الرئيس دونالد ترامب إنه يريد السيطرة عليها، مهمة سهلة لوشنطن فحسب، بل وستؤدي أيضاً إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من إنهائها.
وقال ترامب في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، الاثنين 30 مارس/آذار، إنه يريد "الاستيلاء على النفط في إيران" وأنه يمكنه السيطرة على جزيرة خارك "بسهولة بالغة".
ويعارض غالبية الأمريكيين الحرب والتصعيد العسكري، الذي قد يؤدي إلى أزمة طويلة الأمد، ومن المرجح أن يزيد ذلك من الضغط على معدلات تأييد ترامب المنخفضة بالفعل قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني.
⛔️ رويترز: آلاف من قوات المظلات الأمريكية تصل الشرق الأوسط في وقت يدرس فيه #ترامب التصعيد ضد #إيران
— عربي بوست (@arabic_post) March 30, 2026
⭕️ بدأ آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جواً، إحدى وحدات النخبة في الجيش الأمريكي، الوصول إلى الشرق الأوسط في وقت يدرس فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطواته التالية في التصعيد… pic.twitter.com/Qu8lihZd5g
وكشف مسؤولون أمريكيون لصحيفة واشنطن بوست أن وزارة الحرب (البنتاغون) تستعد لشن عملية برية في إيران قد تستغرق شهرين، مع احتمال احتلال جزيرة خارك الاستراتيجية، التي يمر من خلالها 90% من صادرات النفط الإيرانية.
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن مسؤولين أمريكيين لم تسمهم إن البنتاغون يستعد لأسابيع من العمليات البرية في إيران، مع وصول آلاف الجنود الأمريكيين إلى الشرق الأوسط.
في هذا التقرير نستعرض الأهمية الاستراتيجية لجزيرة خارك، ولماذا تُعرّض السيطرة عليها القوات الأمريكية للخطر، والتداعيات الاقتصادية العالمية لمثل هذه الخطوة الأمريكية.
أين تقع جزيرة خارك وما أهميتها؟
تقع جزيرة خارك شمال الخليج العربي على بعد 26 كيلومتراً من الساحل الإيراني في الطرف الشمالي للخليج، وعلى بعد 483 كيلومتراً تقريباً شمال غربي مضيق هرمز.
وتكمن أهميتها في موقعها الجغرافي، فمعظم سواحل إيران ضحلة للغاية بالنسبة لأكبر ناقلات النفط في العالم، بينما تحيط بجزيرة خارك مياه عميقة طبيعية، ما يسمح لناقلات النفط العملاقة بالرسو مباشرة وتحميل شحنات تصل إلى حوالي مليوني برميل.
وتتعامل الجزيرة مع 90% من صادرات النفط الإيرانية، ومن شأن الاستيلاء عليها منح الولايات المتحدة القدرة على تعطيل تجارة الطاقة الإيرانية بشكل خطير، ما يعرّض اقتصاد طهران لضغط هائل.
وتُعد إيران ثالث أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك).
وأمضت إيران عقوداً في بناء خطوط أنابيب من مناطق الإنتاج الداخلية الرئيسية إلى الجزيرة، ما جعلها نقطة التجميع والتخزين والتحميل الرئيسية للنفط الخام قبل نقله إلى المشترين الدوليين.
وتستطيع محطات الجزيرة تحميل ما يقرب من 1.3 إلى 1.6 مليون برميل من النفط الخام يومياً. ووفقاً لتحليل أجرته شركة جي بي مورغان تشيس، فقد زادت إيران صادراتها من جزيرة خارك إلى مستويات قياسية تقريباً في الأيام التي سبقت التصعيد الأخير في المنطقة.
وتجاوزت الشحنات بين 15 و20 فبراير/ شباط 3 ملايين برميل يومياً، ما يشير إلى أن طهران ربما كانت تُسرّع الصادرات تحسباً للاضطرابات المحتملة، وفق تقرير لموقع يورو نيوز.
وتشير بيانات من شركة تحليلات الشحن "كبلر" إلى أن إيران زادت صادراتها من النفط الخام المنقول بحراً بنسبة 9% بين عامي 2023 و2025، لتصل إلى ذروتها عند حوالي 1.68 مليون برميل يومياً العام الماضي.
هل تعرضت الجزيرة لهجمات أمريكية خلال الحرب الحالية؟
شنّت القوات الأمريكية غارات على جزيرة خارك في منتصف مارس/ آذار رداً على حصار الحرس الثوري الإيراني لمضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
وقال ترامب إن الولايات المتحدة "محت تماماً" جميع الأهداف العسكرية هناك، وأضاف أن الهدف التالي قد يكون البنية التحتية للنفط.
⛔️ #ترامب يلوح بتدمير جزيرة #خارك ومنشآت الطاقة الإيرانية إذا فشلت المفاوضات مع #طهران
— عربي بوست (@arabic_post) March 30, 2026
⭕️ صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته تجاه #إيران، متوعداً بتدمير جزيرة خارك ومنشآت الطاقة الإيرانية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع طهران، في ظل استمرار الهجمات العسكرية التي تشنها… pic.twitter.com/kpDNBPaAUY
لماذا ستُعرّض محاولة السيطرة على الجزيرة القوات الأمريكية للخطر؟
أجمعت تقارير عدة نشرتها وسائل إعلام أمريكية على أن مهمة السيطرة على جزيرة خارك ستُعرّض القوات الأمريكية لخطر كبير، وستؤدي إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من إنهائها.
وكتب رايان بروبست وكاميرون ماكميلان من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: "من المرجح أن يؤدي الاستيلاء على جزيرة خارك واحتلالها إلى توسيع نطاق الحرب وإطالة أمدها وليس لتحقيق أي نوع من الانتصار الحاسم".
وقالا إن القوات الأمريكية ستتعرض لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بما في ذلك، على الأرجح، مسيّرات صغيرة الحجم لكنها فتاكة مزودة بكاميرات وتُستخدم بالفعل بالملايين في أوكرانيا.
وأضافا: "عند نجاح أي ضربات، من المتوقع أن ينشر النظام الإيراني مقاطع فيديو لتلك الهجمات على الإنترنت مستخدماً المشاهد المروعة لمقتل أفراد القوات الأمريكية كدعاية".
وقد تضع عملية السيطرة على جزيرة خارك القوات الأمريكية بشكل مباشر في خط النار. وبالتالي، لن تُشنّ مثل هذه العملية إلا بعد أن يُضعف الجيش الأمريكي القدرات العسكرية الإيرانية في محيط مضيق هرمز، بحسب تقرير لموقع أكسيوس.
وقال مصدر مُطّلع على تفكير البيت الأبيض لموقع أكسيوس: "نحتاج إلى نحو شهر لإضعاف الإيرانيين أكثر بالضربات، والسيطرة على الجزيرة، ثم الضغط عليهم بقوة واستخدامها في المفاوضات".
وقال محللون إن ترامب يأمل أيضاً في أن يجبر الاستيلاء على الجزيرة إيران على إعادة فتح مضيق هرمز، ما يمنحه أفضلية محتملة في أي مفاوضات لاحقة.

ومع ذلك، قد تختار طهران زرع المزيد من الألغام لاستهداف السفن، بما في ذلك الألغام العائمة لنشرها من الساحل، ما سيجعل المنطقة أكثر خطورة على الملاحة البحرية التي تعطلت بالفعل بشكل كبير بسبب الصراع.
وقال جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، لموقع ذا وور زون (تي. دبليو. زد) الأسبوع الماضي، إنه في حين أن احتلال جزيرة خارك يتطلب قوات يتراوح قوامها بين 800 إلى 1000 جندي فقط، فإن هؤلاء الجنود سيحتاجون إلى دعم لوجستي سيحتاج بدوره إلى الحماية.
وأضاف فوتيل أن القوات ستكون مهددة على نحو كبير، وشكك في أن الاستيلاء على الجزيرة سيوفر أي ميزة محددة في الحرب.
وقال فرانسيس غالغانو، الأستاذ المشارك والمتخصص في الجغرافيا العسكرية في جامعة فيلانوفا في بنسلفانيا، لموقع سي إن بي سي إن الاستيلاء على الجزيرة الصغيرة لن يكون بالأمر الهين.
وأضاف: "سيتطلب الأمر نقل عدد كبير من القوات البرية المقاتلة إلى المنطقة… أقدر العدد بنحو 5000 جندي للاستيلاء على الجزيرة والسيطرة عليها."
وإلى جانب احتمالية وقوع خسائر بشرية في صفوف القوات الأمريكية، قال ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمركز الأبحاث الأمريكي البارز "مجلس العلاقات الخارجية"، لشبكة سي إن إن إن أي مهمة عسكرية في الجزيرة من شأنها على الأرجح أن تؤدي إلى "استنزاف المزيد من مخزونات الصواريخ الأمريكية".
هل استعدت إيران لاحتمالية شن هجوم أمريكي؟
وفقاً لما نقلته سي إن إن عن عدة أشخاص مطلعين على تقارير الاستخبارات الأمريكية المتعلقة بهذا الشأن، فقد دأبت إيران خلال الأسابيع الأخيرة على زرع الفخاخ ونقل أفراد عسكريين إضافيين وأنظمة دفاع جوي إلى جزيرة خارك، وذلك استعداداً لعملية أمريكية محتملة تهدف للسيطرة على الجزيرة.
وأفادت المصادر لسي إن إن بأن الجزيرة تمتلك بالفعل تحصينات دفاعية متعددة الطبقات، كما قام الإيرانيون خلال الأسابيع الأخيرة بنقل أنظمة إضافية من الصواريخ الموجهة "أرض-جو" التي تُطلق من على الكتف -والمعروفة اختصاراً باسم MANPADs- إلى هناك.
وأضافت المصادر أن إيران عمدت أيضاً إلى زرع فخاخ متنوعة حول الجزيرة، بما في ذلك ألغام مضادة للأفراد وأخرى مضادة للمدرعات، مشيرة إلى أن عمليات الزرع شملت المناطق الواقعة على طول الشريط الساحلي للجزيرة.
وقال رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، قبل عدة أيام، إن "أعداء إيران، بدعم من إحدى دول المنطقة"، يستعدون لاحتلال إحدى جزر البلاد، دون أن يذكر اسم تلك الجزيرة بالتحديد.
وكتب قاليباف في منشور على منصة "إكس": "إن جميع تحركات العدو تخضع للمراقبة الكاملة من جانب قواتنا المسلحة. وإذا ما تجاوزوا الخطوط الحمراء، فإن كافة البنى التحتية الحيوية لتلك الدولة الإقليمية ستتحول، دون أي قيود، إلى أهداف لهجمات لا هوادة فيها".

ما التداعيات الاقتصادية العالمية لاحتلال الجزيرة؟
يُجمع المحللون على أن أي محاولة للسيطرة على الجزيرة أو تعطيلها ستؤدي إلى الإزالة الفورية لما يتراوح بين 1.1 إلى 1.7 مليون برميل يومياً من السوق العالمية. وقد يصل ذلك إلى حوالي 3-4% من تجارة النفط الخام المنقولة بحراً على مستوى العالم، وفقاً لروكايا إبراهيم، خبيرة استراتيجيات السلع في شركة أبحاث الاستثمار BCA.
ووفقاً لتقديرات نيل كويليام، الخبير في معهد "تشاتام هاوس"، فإن هذا السيناريو قد يدفع أسعار النفط للقفز من مستوياتها المرتفعة الحالية (فوق 100 دولار) لتلامس حاجز الـ 150 دولاراً للبرميل، ما سيدخل الأسواق في "دوامة هبوط" ويشعل أزمة اقتصادية عالمية.
كما أكدت مذكرة بحثية لبنك جي بي مورغان أن فقدان المنشأة سيلغي أي هوامش احتياطية للتصدير لدى إيران بشكل شبه فوري.
وفي السياق، ستُعتبر السيطرة على الجزيرة بمثابة إعلان حرب اقتصادية شاملة.
وبحسب تقرير لصحيفة تايمز أوف إنديا، حذرت طهران صراحةً من أن المساس ببنيتها التحتية النفطية سيقابل بمبدأ "العين بالعين"، ما يعني توجيه ضربات انتقامية واسعة النطاق لمنشآت الطاقة والمصافي في الدول الخليجية المجاورة التي تستضيف أو تدعم القوات الأمريكية، وهو ما يهدد بشل قطاع الطاقة في الشرق الأوسط بأسره.
وقد تشمل الأهداف المحتملة خطوط الأنابيب المصممة لتجاوز مضيق هرمز، بحسب موقع يورو نيوز.
وقالت روكايا إبراهيم: "على وجه الخصوص، فإن الهجمات على خط أنابيب شرق-غرب السعودي وخط أنابيب النفط الخام في أبوظبي بالإمارات، واللذين يُستخدمان لإعادة توجيه تدفقات النفط التي تعطلت بسبب إغلاق مضيق هرمز، ستكون ضربة مؤثرة".