تعود خارطة الاستثمارات الصينية والأجنبية في الولايات المتحدة إلى الواجهة من جديد، بعدما أشارت تقارير إلى أن الصين حثّت مؤسسات مالية على تقليص حيازتها لسندات الخزانة الأمريكية، وسط مخاوف بشأن مخاطر التركيز وتقلبات السوق.
وتشكّل هذه التحذيرات حلقة أخرى في سلسلة التوترات التجارية التي شابت العلاقات الأمريكية الصينية، والتي حفزتها الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على عدد من الشركاء، وفي مقدمتهم الصين، التي ردت هي الأخرى بفرض رسوم جمركية مماثلة على واشنطن.
ولم تكن التحذيرات الصينية بشأن خفض حيازة السندات الأمريكية، والتي صدرت عن جهات تنظيمية، بمعزل عن تقارير أخرى نشرتها وسائل إعلام أمريكية، وأشارت فيها إلى عدة أسباب قد تدفع الصين والمستثمرين الأجانب الآخرين إلى الانسحاب من الولايات المتحدة.

وشهدت المشاركة الصينية في السوق الأمريكي تراجعاً لافتاً مقارنة بفترات سابقة، وسط توجه صيني نحو الأسواق الناشئة.
في هذا التقرير، نستعرض خارطة الاستثمارات الصينية والأجنبية في الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالاستثمارات المباشرة في السوق الأمريكي وسندات الخزانة.
ما هو حجم الحيازات الأجنبية لسندات الخزانة الأمريكية؟
سجلت الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأمريكية أعلى مستوى لها على الإطلاق في نوفمبر/ تشرين الثاني، إذ ارتفعت بعد انخفاضها لشهرين متتاليين، مع تحسن معنويات السوق بعد أن أنهت الحكومة الاتحادية أطول إغلاق في التاريخ.
وأظهرت بيانات صادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية في يناير/ كانون الثاني الماضي أن حيازات سندات الخزانة الأمريكية ارتفعت إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق عند 9.355 تريليون دولار في نوفمبر/ تشرين الثاني، صعوداً من 9.243 تريليون في أكتوبر/ تشرين الأول.
وبالمقارنة مع العام السابق، ارتفعت سندات الخزانة المملوكة للأجانب 7.2% في نوفمبر/ تشرين الثاني.
وتصدرت اليابان وبريطانيا وبلجيكا وكندا قائمة الدول الأكثر زيادة في حيازات سندات الخزانة الأمريكية، وفق بيانات صادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية.
وعربياً، تستثمر البنوك المركزية جزءاً من احتياطياتها في سندات وأذونات خزانة أجنبية (خصوصاً الأمريكية والأوروبية) للحفاظ على سيولة عالية مع تحقيق عوائد منخفضة المخاطر.
وتُعدّ السعودية من أبرز الدول العربية الحائزة لسندات الخزانة الأمريكية. وبلغت حيازاتها الرسمية بنهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 نحو 148 مليار دولار، محتلة بذلك المركز 17 عالمياً ضمن كبار حاملي هذه السندات.
وتليها في المرتبة 2 عربياً الإمارات، وبلغت حيازاتها من السندات الأمريكية نحو 113 مليار دولار في يونيو/ حزيران 2025، ما يضعها في المركز 19 على مستوى العالم.
وحلّت الكويت في المرتبة 3 عربياً، وكشفت بيانات عن ارتفاع قيمة حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية لتصل إلى مستوى 64.84 مليار دولار بنهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، تليها العراق بنحو 33.7 مليار دولار، ثم سلطنة عُمان بنحو 7 مليارات دولار.
ما هو حجم الحيازة الصينية لسندات الخزانة الأمريكية؟
انخفضت حيازات الصين من سندات الخزانة الأمريكية إلى 682.6 مليار دولار في نوفمبر/ تشرين الثاني، وهو أدنى مستوى لها منذ سبتمبر/ أيلول 2008، حين تراجعت حيازاتها إلى 618.2 مليار دولار.
وخلال الفترة من نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 وحتى نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، هوت حيازة الصين، ثالث أكبر مالك لسندات الخزانة الأمريكية من خارج الولايات المتحدة، بحوالي 10% من 768.6 مليار دولار إلى 682.6 مليار دولار.
وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أفادت التقارير أن الصين تُقلّص حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية، لتتراجع من أكبر حائز سيادي إلى ثالث أكبر حائز، بعد اليابان والمملكة المتحدة.
وخلال السنوات الـ 5 الماضية، انخفضت حيازة الصين للسندات الأمريكية بحوالي 35% من إجمالي بلغ 1080 مليار دولار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 إلى 682.6 مليار دولار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.
لماذا تنخفض حيازة الصين من السندات الأمريكية؟
تبرز عدة أسباب كقوة دافعة للصين لخفض حيازتها للسندات الأمريكية خلال الأعوام الماضية، ومن أبرزها:
1- استراتيجية "التنويع الآمن" للأصول
- ووفق مراقبين، فإن تقليص الصين لحيازاتها الأمريكية هو جزء من جهودها المستمرة لتوجهها نحو أصول أخرى، مثل الذهب والعملات غير الأمريكية والاستثمارات في الأسهم الخارجية.
- وقال شي جونيانغ، الأستاذ في جامعة شنغهاي للاقتصاد والمالية، لصحيفة غلوبال تايمز:"إن انخفاض حيازات الصين من سندات الخزانة الأمريكية هو نتيجة لزيادة تحسين وتنويع حيازات الأصول الأجنبية التي شهدتها السنوات الأخيرة، مما يساعد على تعزيز السلامة والاستقرار العام للمحفظة الاستثمارية".
- وأظهرت أحدث البيانات الصادرة عن بنك الشعب الصيني، البنك المركزي للبلاد، أن احتياطيات الصين من الذهب بلغت 74.15 مليون أونصة بنهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، بزيادة قدرها 30 ألف أونصة مقارنة بالشهر السابق، مسجلةً بذلك الشهر الرابع عشر على التوالي الذي يزيد فيه البنك المركزي من احتياطياته من الذهب.
2- التحوط الجيوسياسي من العقوبات
- فبعد تجميد الغرب للأصول الروسية (حوالي 300 مليار دولار) عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا، أدركت الصين أن السندات الأمريكية يمكن أن تتحول إلى "سلاح" في حال اندلاع نزاع حول تايوان، وفق تقرير لمجلة ذا أتلانتك الأمريكية.
3- دعم العملة المحلية (اليوان)
- تسعى الصين جاهدةً إلى تدويل عملتها، وهي استراتيجية تهدف إلى تقليص الدور المحوري للدولار الأمريكي كعملة الاحتياط العالمية الرئيسية تدريجياً، بحسب مجلة ذا أتلانتك.
- وفي خطاب ألقاه هذا الصيف، صرّح محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، صراحةً بأن التعددية القطبية هي هدف الحكومة، وأن الدولار لم يعد يلعب دوراً بارزاً في الاقتصاد العالمي وفي استخدام العقوبات المالية. وقد ذهب نائبه، لو لي، إلى أبعد من ذلك في ديسمبر/كانون الأول عندما شدّد على أهمية أنظمة الدفع الجديدة العابرة للحدود في الصين، والمصممة للعمل خارج الشبكات الغربية.
4- المخاوف من "فخ الديون" الأمريكية
- ويتزايد قلق المسؤولين الماليين في الصين (وفقاً لتسريبات تنظيمية) من استدامة الديون الأمريكية التي تجاوزت 36 تريليون دولار.
- وقال شاو يو، كبير الاقتصاديين في مركز أبحاث إدارة الابتكار العلمي والتكنولوجي بجامعة فودان، إن بكين تبدو مستعدة لمواصلة تقليص حيازتها للسندات وسط تزايد خطر عدم استدامة ديون الولايات المتحدة.

لماذا طالبت الصين بنوكها بخفض شراء السندات الأمريكية؟
عزت السلطات الصينية مطالبتها إلى مخاطر التركيز والتقلبات في أسواق الدين الأمريكية.
وبحسب تقرير نشرته وكالة بلومبرغ نقلاً عن مصادر مطلعة، طالبت الجهات التنظيمية في بكين البنوك الصينية بالحد من عمليات الشراء الجديدة للسندات الأمريكية، بينما طُلب من البنوك ذات التعرض العالي تقليص استثماراتها.
ووفقاً للمصادر، فإن التوجيهات التي لم يتم الإعلان عنها بشكل رسمي لبعض أكبر البنوك في البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، تعكس تزايد القلق لدى المسؤولين من أن الحيازات الكبيرة من الديون الحكومية الأمريكية قد تُعرّض البنوك لتقلبات حادة.
وفي حين أشارت المصادر إلى أن توجيهات الجهات التنظيمية جاءت بهدف تنويع مخاطر السوق، وليس لها علاقة بالمناورة الجيوسياسية أو فقدان الثقة في الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة، فمن المرجح أن يثير ذلك المزيد من النقاش في السوق حول استعداد الدول لمواصلة الإقراض للولايات المتحدة.
وأضافت بلومبرغ أن الجهات التنظيمية في الصين لم تحدد حجم انكشاف البنوك الصينية على الديون الأمريكية.
ما هي خارطة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في أمريكا؟
بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة 5.7 تريليون دولار بنهاية عام 2024، بحسب بيانات مكتب التحليل الاقتصادي (BEA)، وهو وكالة حكومية أمريكية توفر الإحصاءات الرسمية للاقتصاد الكلي والصناعة ويشمل ذلك الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.
ووفقاً للبيانات، استحوذت أربع دول على أكثر من نصف إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة في نهاية عام 2024.
وحلت اليابان في المركز الأول باستثمارات تجاوزت 754.1 مليار دولار، تلتها المملكة المتحدة (742.7 مليار دولار)، وكندا (732.9 مليار دولار)، وهولندا (726.4 مليار دولار).
وبحسب القطاعات، تركز الاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة في قطاع التصنيع الأمريكي، الذي استحوذ على 42.3% من إجمالي الاستثمارات.
ومن بين استثمارات الشركات متعددة الجنسيات الأجنبية في قطاع التصنيع الأمريكي، والتي بلغت 2.42 تريليون دولار، شكلت صناعة الكيماويات ثلث الإجمالي، أي 827.5 مليار دولار. كما شهدت قطاعات التمويل والتأمين استثمارات كبيرة (599.4 مليار دولار) وتجارة الجملة (520.5 مليار دولار).
وحققت الشركات متعددة الجنسيات الأجنبية دخلاً قدره 310.9 مليار دولار في عام 2024 من استثماراتها التراكمية في الولايات المتحدة، بزيادة قدرها 13.1 في% عن عام 2023.
ما حجم الاستثمارات الصينية المباشرة في أمريكا؟
يمر الاستثمار الصيني المباشر في أمريكا بمرحلة "انكماش استراتيجي" وتعويض النقص عبر استثمارات في دول وسيطة أو أسواق ناشئة ترحب برؤوس الأموال الصينية.
وبحسب بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي لعامي 2024 و2025، فإن حجم الاستثمارات الصينية المباشرة في الولايات المتحدة ضئيل جداً مقارنة بحجم استثماراتها في السندات، ويمكن تفصيله كالتالي:
وبلغ إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر للصين في الولايات المتحدة (على أساس التكلفة التاريخية) نحو 43.9 مليار دولار فقط (وفق بيانات نهاية 2023/مطلع 2024).
ويضع هذا الرقم الصين في مرتبة متأخرة جداً مقارنة بدول مثل اليابان (أكثر من 800 مليار دولار) أو كندا، حيث تمثل الاستثمارات الصينية أقل من 1% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في أمريكا.
وكانت تقارير سابقة أشارت إلى تراجع الاستثمار الصيني في دول الغرب في ظل تنامي عداء تلك الدول لرؤوس الأموال الصينية.
وازداد توجه الشركات الصينية إلى إنفاق الأموال على إنشاء المصانع في جنوب شرق آسيا، ومشروعات التعدين والطاقة في آسيا والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية، حيث تسعى بكين إلى تعزيز تحالفاتها في تلك المناطق وتأمين الوصول إلى الموارد المهمة.

ما العوامل التي تدفع دولاً إلى سحب استثماراتها من أمريكا؟
أورد تقرير لموقع أكسيوس أربعة أسباب قد تدفع الصين والمستثمرين الأجانب الآخرين إلى الإنسحاب من الولايات المتحدة، وهذه الأسباب هي:
1- الرئيس ترامب
- تجعل التعريفات الجمركية والتحولات الكبيرة في السياسة والمخاوف من تسييس الاحتياطي الفيدرالي المستثمرين حذرين من شراء سندات الخزانة.
- إضافة إلى ذلك، بدأت بعض الدول في زيادة استثماراتها المحلية، حيث تنفق على جيوشها الخاصة مع تزايد المخاوف بشأن العلاقات طويلة الأمد والاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة.
- وقال جو بروسويلاس، كبير الاقتصاديين في شركة أر إس إم، لموقع أكسيوس إن المستثمرين يشعرون بقلق متزايد من أن يستخدم البيت الأبيض سندات الخزانة كسلاح أو مصدر للضغط على الدول الأخرى.
2- تزايد العجز
- هناك بعض المؤشرات على أن المستثمرين أصبحوا حذرين بشأن التوقعات المالية طويلة الأجل للولايات المتحدة.
3- تسليح الدولار
- استخدم الرؤساء الأمريكيين الدولار بشكل أكثر عدوانية كأداة للسياسة الخارجية في العقود الأخيرة – وربما كان ذلك بشكل أكثر حدة في عام 2022، عندما جمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها احتياطيات النقد الأجنبي الروسية.
4- السندات اليابانية
- فلأول مرة منذ عقود، ترتفع عوائد السندات اليابانية، وهذ من شأنه أن يؤدي إلى تفكيك العمود الفقري للأسواق العالمية – تجارة الين، حيث يقترض المستثمرون بالين ويستثمرون في أصول ذات عائد أعلى – ويقلل الطلب على الدولار وسندات الخزانة.

هل يمكن أن تنفصل الصين عن أمريكا اقتصادياً؟
بينما تشير أحدث البيانات الصادرة عن مؤسسة "هينريش" في مطلع عام 2026، إلى أن حصة الصين في الواردات الأمريكية هبطت من ذروتها (21%) لتستقر تحت حاجز الـ 9%، وهو تراجع وصفه المحللون بأنه "زلازل صامت"، يكشف التدقيق في سلاسل التوريد عن "انفصال وهمي" في كثير من الأحيان.
فالسلع التي كانت تصل مباشرة من شنغهاي، باتت اليوم تمر عبر موانئ فيتنام والمكسيك، حيث تُجرى عليها عمليات تجميع نهائية قبل دخولها السوق الأمريكية، في استراتيجية صينية ذكية للالتفاف على الرسوم الجمركية، وفق تقرير مجلة أوراسيا ريفيو.
أما في قطاع التكنولوجيا، فربما نشهد "انفصالاً صلباً" لا رجعة فيه. فبينما تضع واشنطن "خنادق رقمية" حول أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، ترد بكين بحظر تصدير المعادن النادرة الضرورية للصناعات الدفاعية والسيارات الكهربائية الأمريكية.
وأدى هذا "الشد والجذب" لظهور نظام مالي ثنائي القطب؛ حيث تسارع الصين لبناء نظام موازٍ يعتمد على "اليوان الرقمي" والذهب، لتأمين نفسها ضد أي تجميد محتمل لأصولها الدولارية.
ويمثل الانفصال الكامل "انتحاراً متبادلاً"؛ فالاقتصاد الأمريكي لا يزال يعتمد على السلع الاستهلاكية الصينية الرخيصة لكبح جماح التضخم، والشركات الصينية لا تزال بحاجة ماسة لأسواق الاستهلاك الأمريكية والتدفقات النقدية الدولارية.