في شتاء 2026، تجد إيران نفسها أمام موجة احتجاجات ساخنة جديدة بدأت من "قلب الاقتصاد اليومي" لا من الساحات السياسية: الأسواق والبازارات. وانطلقت شرارة الاحتجاجات، بحسب تسلسل الأحداث الذي وثّقته وكالة أسوشيتد برس، مع هبوطٍ قياسي للعملة وارتفاعٍ سريع في تكاليف المعيشة، قبل أن تتسع المطالب في الشارع لتتجاوز الاقتصاد إلى شعارات سياسية في بعض المناطق.
الدولة الإيرانية، بتياراتها المختلفة، تعاملت مع الاحتجاجات بوصفها مزيجًا من غضبٍ اجتماعي مشروع من جهة، وتهديدٍ أمني تُحمِّله أطرافًا خارجية من جهة أخرى. هذا التوصيف يظهر بوضوح في خطاب القضاء والإعلام الرسميين، والذي يعتبر أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدعمان الاضطرابات والعنف، بل والتحريض على تهديد مؤسسات الدولة.
وبينما تزيد القيود على الاتصال، خاصة قطع الإنترنت وحتى الاتصالات الخارجية في بعض الأحيان، يتحول تدفّق المعلومات إلى جزء من المعركة نفسها: ما يُنشر، وكيف يُوثَّق، ومن يملك القدرة على التحقق. وفي ظل هذا الانقطاع، تتباين تقديرات الخسائر البشرية تباينًا حادًا بين مصادر رسمية وأخرى حقوقية، ما يجعل "رقم الضحايا" عنوانًا مفتوحًا للنقاش والجدل.
بداية.. كيف بدأت وتطورت الاحتجاجات في إيران؟
وفق الخط الزمني الذي نشرته أسوشيتد برس، بدأت الاحتجاجات يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 داخل سوقين رئيسيين في وسط طهران، بعد أن تراجعت العملة الإيرانية إلى مستوى قياسي مقابل الدولار، بما ضاعف الضغوط التضخمية ورفع أسعار السلع الأساسية. كما يشير التسلسل نفسه إلى أن قرارًا حكوميًا سابقًا برفع أسعار البنزين المدعوم في أوائل ديسمبر ساهم في تعميق السخط.
الأسباب المباشرة -بحسب مصادر دولية وتقارير رسمية إيرانية- تتمركز حول أزمة المعيشة، حيث تدهورت القوة الشرائية، واضطرب سوق الصرف، وتحوّل القلق الاقتصادي إلى فعل احتجاجي في قطاعات التجارة الصغيرة والمتوسطة.
خرج التجار إلى الشوارع احتجاجًا على الانهيار المفاجئ للريال الإيراني بنسبة 16% والذي انخفضت قيمته بنسبة 84% خلال العام الماضي. وقد شهدت العملة الإيرانية تقلبات حادة منذ فرض العقوبات الأمريكية عليها عام 2011، والتي أدت إلى خفض عائدات النفط وحرمان البنك المركزي من الوصول إلى جزء كبير من الإيرادات المتبقية لديه. وقد أدى الانهيار الاقتصادي إلى تدمير جزء كبير من الطبقة المتوسطة في إيران، ودفع نحو ثلث مواطنيها إلى براثن الفقر.
وفي خطاب رسمي إيراني، يؤكد رئيس السلطة القضائية الإيرانية بحسب قناة "برس تي في" الإيرانية، أن "هموم المحتجين بشأن المعيشة والرفاه الاقتصادي ستُسمع"، مع فصلٍ بين "الاحتجاج" و"الشغب" في توصيف الدولة. لكن الاقتصاد لم يبقَ وحده في الواجهة طويلًا. فبحسب أسوشيتد برس، توسعت الشعارات في بعض المناطق إلى مطالب سياسية، في لحظةٍ يرى فيها مراقبون أن "سقف التحمل" الاجتماعي يصبح هشًا حين تتزامن الضغوط الاقتصادية مع شعور بانسداد الأفق.
وهذه هي المرة السادسة التي تشهد فيها الجمهورية الإسلامية انتفاضات جماهيرية واسعة النطاق في تاريخها. وفي كل مرة، كانت شرارة هذه الانتفاضات مجموعة من القضايا الاقتصادية والثقافية. وهي تُضاهي الاحتجاجات الحالية في حجمها العديد من الانتفاضات السابقة، إلا أنها فريدة من نوعها لكونها تحدث في وقت تخوض فيه طهران ما تصفه بـ" حرب شاملة " مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب.
وفي الأيام الأخيرة، انتشرت مقاطع فيديو تُظهر آلاف الإيرانيين وهم يسيرون سلمياً احتجاجاً على فساد الحكومة وسوء إدارتها. وفي عبدانان، عاصمة محافظة فقيرة ذات أغلبية كردية، اقتحم المتظاهرون فرعاً لسلسلة متاجر تابعة للحرس الثوري الإسلامي، القوة شبه العسكرية الإيرانية القوية، ونثروا الأرز في الشوارع.
حاولت طهران في البداية تهدئة الاحتجاجات. قال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في 31 يناير/كانون الثاني: "الشعب ساخط، ونحن المخطئون، فلا تُحمّلوا أمريكا المسؤولية". لكن في 8 يناير/كانون الثاني، اندلعت أعمال عنف، حيث أُضرمت النيران في مبانٍ حكومية وسيارات شرطة ومساجد.
وصرح رئيس بلدية طهران بأنه في تلك الليلة وحدها، أُضرمت النيران في أكثر من خمسين بنكًا وثلاثين مسجدًا. وفُرض انقطاع تام للإنترنت في جميع أنحاء البلاد، بينما بث التلفزيون الرسمي جنازات جماعية لأفراد من الأجهزة الأمنية.
من جهته، أقام المرشد الأعلى علي خامنئي صلاة الجمعة في طهران، وقال إن عملاء أجانب تسللوا إلى الاحتجاجات، وأشار إلى "أعمال تخريب واسعة النطاق" في أنحاء إيران. وقد حمّلت الحكومة الإيرانية الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية أعمال العنف.
ما المناطق التي وصلت إليها الاحتجاجات في إيران؟
بسبب انقطاع الإنترنت والاتصالات، لا يوجد معلومات محددة ودقيقة، لكن بحسب ما هو متوافر من مصادر مفتوحة وتقارير وكالات الأنباء، مثل أسوشيتد برس، فإن الاحتجاجات وصلت في تاريخ 2 يناير/كانون الثاني 2026، إلى أكثر من 100 موقع في 22 محافظة إيرانية من أصل 31. ثم توسعت في 3 يناير إلى أكثر من 170 موقعًا في 25 محافظة، وفي 6 يناير إلى أكثر من 280 موقعًا في 27 محافظة على امتداد البلاد.
ولإضافة طبقة تحليلية عن حجم الانتشار للاحتجاجات في إيران، قدّرت تقارير متابعة ميدانية من معهد دراسة الحرب (ISW) تسجيل عشرات الاحتجاجات في عدد كبير من المحافظات خلال أيام محددة، في ظل الانقطاع الواسع للإنترنت. (وهنا نؤكد أن هذه تقديرات رصدت وليست إحصاءً رسميًا).
ما حجم الخسائر من الأمن ومن المحتجين.. ولماذا الأرقام متضاربة؟
يقلل قطع الإنترنت والاتصالات الدولية، قدرة الصحافة الدولية على التحقق، ويزيد الاعتماد على شبكات ناشطين أو روايات رسمية متفرقة فيما يتعلق بتباين أرقام الضحايا في الاحتجاجات الإيرانية.
ووفق أسوشيتد برس، لم تقدّم الحكومة الإيرانية حصيلة شاملة لضحايا المحتجين، بينما تتوسع حصيلة الأجهزة الأمنية في الإعلام القريب من الدولة. كما أن وجود عنف متبادل في بعض المواقع (إحراق منشآت/اشتباكات) يزيد تعقيد تصنيف الضحايا وتوثيق المسؤولية.

وبحسب أحدث الإحصاءات المتوفرة حتى 14 يناير 2026 حول الخسائر البشرية في احتجاجات إيران، بما يشمل الضحايا من المحتجين ومن قوات الأمن:
1) ما تقوله الجهات الرسمية:
بحسب وكالة رويترز، قال مسؤول إيراني يوم الثلاثاء 13 يناير 2026 إن حوالي 2000 شخص قتلوا في الاحتجاجات داخل إيران، وهي المرة الأولى التي تقدم فيها السلطات حصيلة إجمالية للقتلى جراء أكثر من أسبوعين من الاضطرابات على مستوى البلاد.
2) ما تقوله منظمات/شبكات حقوقية:
أفادمت (HRANA) وهي منظمة حقوقية مقرها الولايات المتحدة، أن إجمالي القتلى في احتجاجات إيران بلغ على الأقل 2,571 شخصًا منذ اندلاع الاحتجاجات في أواخر ديسمبر. ومن هؤلاء 2,403 قتلى من المحتجين، 147 قتلى من عناصر الأمن/الأشخاص المرتبطين بالحكومة (منهم قوات الباسيج وقوات أمنية أخرى).
كما تحدثت منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية عن "استخدام مميت للقوة ووقائع قتل في محافظات بعينها". لكنها لا تستطيع التأكد استقلاليًا داخل إيران بسبب حجب الاتصالات، كما أن الحكومة لم تنشر إحصاءات تفصيلية عن قتلى المحتجين.
كيف يساهم الأمريكيون والإسرائيليون في تأجيج الاحتاجات والتحريض على العنف داخل إيران؟
تتهم طهران وبعض وسائل الإعلام المقربة منها الأمريكيين والإسرائيليين بلعب "دور مكمل" ضمن حرب هجينة، تخدم أجندات خارجية أمريكية وإسرائيلية لتأجيج العنف ومحاولة إسقاط الدولة. وتنظر إيران إلى التصعيد الحالي، بما فيه الدور الإعلامي والتحريض الميداني، كامتداد لـ"حرب الأيام الـ12″ بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، متهمةً عناصر إسرائيلية بالتسلل لتحويل المطالب المعيشية إلى أعمال شغب وحرق للمساجد.
واستشهد عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، بتغريدة نشرها مايك بومبيو، المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، بتاريخ 2 يناير/كانون الثاني: "عام جديد سعيد لكل إيراني في الشوارع. وكذلك لكل عميل للموساد يسير بجانبهم…". تُظهر لقطات شاشة من مجموعة إسرائيلية على تطبيق تيليجرام، تحظى بشعبية بين المسؤولين السابقين وخبراء مراكز الأبحاث، نقاشًا محتدمًا حول دور إسرائيل في الاحتجاجات: "ينبغي على إسرائيل تقديم المساعدة، ولكن ليس بشكل مباشر، بل بشكل غير مباشر – من خلال الدعم الإعلامي، والمساعدات المالية، وحتى نقل وسائل مثل الأسلحة". وقد نشرت الحكومة لقطات غير موثقة من كاميرات المراقبة تُظهر أشخاصًا من بين الحشود يطلقون النار ويلقون قنابل يدوية الصنع على مبانٍ رسمية.
ونقلت صحيفة واشنطن بوست، عن دبلوماسي إيراني -اشترط التكتم على هويته- أن الاحتجاجات السلمية في بلاده تحولت بسرعة مفاجئة إلى اعتداءات مسلحة على الشرطة والمدنيين وإلى حرق للمرافق العامة. واتهم الدبلوماسي عناصر إسرائيلية بالتسلل إلى الاحتجاجات وتأجيج العنف، معتبرا ذلك امتدادا لحرب الـ12 يوما بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الصيف الماضي. ويضيف الدبلوماسي الإيراني إن هذا التدخل لم يترك للحكومة الإيرانية خيارا آخر سوى قطع الإنترنت لتعطيل اتصالات ما وصفها بالخلايا الإرهابية.
وقبل أيام، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسالة تقول إن الولايات المتحدة "مستعدة لدعم الإيرانيين" محذرًا طهران من قتل "محتجين سلميين"، ومُلوّحًا بتدخل/رد أمريكي قريب. وقال ترامب: إذا "قُتل محتجون سلميون بعنف" فإن الولايات المتحدة "ستأتي لإنقاذهم"، مع الإشارة إلى أن ذلك يأتي بعد أشهر من ضربات أمريكية لمواقع نووية إيرانية خلال حرب 12 يومًا في يونيو 2025.
وحث ترامب الإيرانيين يوم الثلاثاء 13 يناير 2026 على مواصلة الاحتجاجات، ووعد بأن "المساعدة في الطريق" على حد وصفه. عندما سُئل ترامب عن معنى عبارة "المساعدة في الطريق"، قال للصحفيين إن عليهم أن يكتشفوا ذلك بأنفسهم. وكان ترامب قد صرّح بأن العمل العسكري من بين الخيارات التي يدرسها لمعاقبة إيران على حملتها القمعية.
مستغلاً الاحتجاجات، كان ترامب قد أعلن بالفعل عن فرض رسوم استيراد بنسبة 25% على المنتجات القادمة من أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران، وهي دولة مصدرة رئيسية للنفط. وقد انتقدت الصين، التي تستورد جزءاً كبيراً من صادرات النفط الإيرانية، هذه الخطوة بشدة.
من جهته، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -بحسب وكالة فرانس برس- إنه يأمل أن "يتحرر الشعب الفارسي قريبًا من نير الطغيان"، وتحدث عن عودة "شراكة" مستقبلية بين إسرائيل وإيران في حال تغيرت الظروف على حد تعبيرة. كما نُقل عنه أيضًا إعلان "التضامن والدعم" لـ"تطلعات الإيرانيين للحرية".
وبحسب مصدر إسرائيلي، ناقش رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، خلال مكالمة هاتفية يوم السبت، إمكانية التدخل الأمريكي في إيران.
وتعهدت إيران بالرد على أي هجوم باستهداف إسرائيل والقواعد والسفن الأمريكية في الشرق الأوسط. واعتبرت طهران التصريحات الأمريكية والإسرائيلية دليلًا على "دعم خارجي للاضطرابات"، حيث نقلت "برس تي في" عن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجائي قوله إن الولايات المتحدة وإسرائيل دعمتا "انعدام الأمن"، وإن ذلك يسقط أي ادعاء بالبراءة لدى من يشارك في أعمال عنف. كما أدانت وزارة الخارجية الإيرانية التصريحات الأمريكية، واعتبرتها "تدخلية وتهدف لإثارة الاضطراب وانعدام الأمن في إيران".
ما الجهود التي تقودها طهران لاحتواء الأزمة؟
كثف المسؤولون الإيرانيون اتصالاتهم الدبلوماسية في المنطقة خلال الأيام القليلة الماضية، حيث أجروا اتصالات هاتفية مع مسؤولين من قطر وتركيا والعراق. أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، يوم الأربعاء 14 يناير 2026، أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أجرى محادثات مع نظيره في الإمارات العربية المتحدة. وتُعدّ الإمارات من أهم الشركاء التجاريين لإيران، كما أنها حليف وثيق للولايات المتحدة وإسرائيل.
صرحت وزارة الخارجية الإيرانية بأن عراقجي أبلغ عبد الله بن زايد آل نهيان أن "الهدوء قد ساد (في إيران) بفضل يقظة الشعب وقوات إنفاذ القانون"، وأن الإيرانيين مصممون على الدفاع عن سيادتهم الوطنية وأمنهم ضد أي تدخل أجنبي.
كما تحدث عراقجي يوم الثلاثاء مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، ودعاه إلى إدانة "التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية" لإيران. واستدعت فرنسا السفير الإيراني على خلفية ما وصفته "حملة القمع التي لا تطاق وغير الإنسانية" التي شنتها السلطات الإيرانية لإخماد الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد.
في السياق، شدد الرئيس مسعود بزشكيان في مقابلة مع "برس تي في" على ضرورة عدم السماح "للمخربين" بإثارة انعدام الأمن، مع ضرورة التمييز بين "الاحتجاج" و"الشغب". فيما نقلت وكالة IRNA الرسمية عن أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف قال إن مطالب المحتجين "صحيحة ويجب التعامل معها عبر الحوار"، مع ربط الإصلاح باستعادة الاستقرار الاقتصادي والاستجابة لمطالب الجمهور.
أما رئيس القضاء الإيراني غلام حسين محسني إيجي فقد قال يوم الأربعاء، خلال زيارة لأحد سجون طهران حيث يُحتجز الأشخاص الذين تم اعتقالهم في الاحتجاجات، إن السرعة في معاقبة أولئك "الذين قطعوا رؤوس الناس أو أحرقوهم" أمر بالغ الأهمية لضمان عدم تكرار مثل هذه الأحداث.