بينما لم تمر إلا أيام على قرار رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، بإنهاء كافة ترتيبات تطوير النفط مع شركة "أركنو" استجابة لتوصيات أممية، كانت هناك شحنة ضخمة من النفط الليبي تشق طريقها نحو أعالي البحار تحت مظلة رسمية مفاجئة.
إذ كشفت وثيقة شحن مسربة حصل "عربي بوست" على نسخة منها، مؤرخة في 9 أبريل 2026، عن مشهد مغاير تماماً في الميدان، حيث ظهرت المؤسسة الوطنية للنفط وهي "تنوب" رسمياً عن شركة "أركنو" لتصدير مليون برميل من خام السرير ومسلة عبر الناقلة "ألمي هورايزن".
هذا التناقض الصارخ بين "خطاب المنع" في طرابلس و"واقع التصدير" في مرسى الحريقة، لا يثير التساؤلات حول جدوى القرارات الحكومية فحسب، بل يضع قطاع النفط الليبي أمام اختبار حقيقي ويدعو إلى طرح مجموعة من الأسئلة بخصوص واقع ومستقبل النفط في ليبيا.
فهل تحولت القنوات الرسمية للمؤسسة الوطنية للنفط إلى "غطاء" يشرعن عمليات التصدير للجهات التي صدر بحقها قرار بالحظر؟ ومن هي القوى الخفية التي تملك القدرة على تجاوز أوامر رئيس الحكومة وتمرير شحنة بمليارات الدولارات لصالح جهات أدرجتها السلطة التنفيذية ضمن "ملفات التحقيق" لدى النائب العام؟
في هذا التقرير المفصل، نستعرض الأبعاد الفنية والزمنية والقانونية لهذه الشحنة، ونحلل كيف نجحت "أركنو" في البقاء كلاعب رئيسي داخل معادلة النفط رغم قرارات الحظر الرسمي، وكيف تحولت "بوليصة الشحن" إلى وثيقة سياسية بامتياز تُقرأ فيها ملامح الصراع القادم على الموارد.
قرار الإيقاف مقابل واقع التصدير
تكمن القوة التحليلية لهذه الواقعة في "التسلسل الزمني" الذي يكشف فجوة لافتة في صناعة القرار الليبي وتطبيقه على الأرض. ففي مطلع أبريل 2026، تصدر المشهد قرار الدبيبة، القاضي بإنهاء كافة الترتيبات والتعاقدات مع شركة "أركنو"، واستند في ذلك إلى ضرورة حماية الأصول النفطية وضمان شفافية التصرف في الخام الليبي بعيداً عن شبكات النفوذ غير الرسمية.
مع ذلك، تظهر الوثيقة المسربة أن إجراءات شحن مليون برميل من النفط الليبي لصالح "أركنو" لم تتوقف، بل إن المراسلات الرسمية لترتيب الشحنة (Ref No: 646/AOC/2026) صدرت في 9 أبريل 2026، أي بعد أيام قليلة فقط من "قرار المنع" المزعوم، وتم تحديد موعد التحميل الفعلي في يومي 11 و12 من الشهر ذاته.
هذا التسلسل يبرز حقيقة قاسية مفادها أنه بينما كانت المنصات الرسمية في طرابلس تعلن "شطب" الشركة من سجلات التعامل، كانت موانئ التصدير في الشرق تشهد تعاوناً فنياً وإدارياً كاملاً لإتمام واحدة من أكبر العمليات التجارية لهذا العام. هذه المفارقة تضع هيبة السلطة التنفيذية في كفة، والقدرة التشغيلية الميدانية في الكفة الأخرى.
التفاصيل الفنية للوثيقة
تتضمن الوثيقة الموجهة إلى مدير العمليات بشركة الخليج العربي للنفط (AGOCO) بيانات دقيقة تمنحها درجة عالية من الصدقية. الشحنة تتكون من مليون برميل (بزيادة أو نقص 5%) من خام "السرير ومسلة"، وهو خام عالي الجودة يُنتج من الحقول التي تسيطر عليها شركة الخليج العربي، لكن الوثيقة تضع شركة "أركنو" كطرف أصيل في العملية.
أكثر ما يثير الانتباه في خانة "المصدر" (Consignor) هو التوصيف القانوني: "N.O.C ON BEHALF OF ARKENU OIL COMPANY – LIBYA"، هذه العبارة هي مفتاح فهم الأزمة؛ فالمؤسسة الوطنية للنفط (NOC) لا تظهر هنا كبائع أصيل، بل كـ "وكيل" أو "نائب" عن شركة خاصة.
هذا الترتيب يهدف بالدرجة الأولى إلى منح الشحنة "غطاءً شرعياً" أمام الموانئ الدولية وشركات التأمين، إذ إن تصدير النفط الليبي خارج مظلة المؤسسة يُصنف دولياً كـ "تهريب" ويعرض الناقلات للحجز، لكن استخدام اسم المؤسسة لخدمة مصالح شركة خاصة صدر بحقها قرار وقف تعامل، يمثل التفافاً واضحاً على القواعد المنظمة لقطاع الطاقة.
ماذا عن حركة الناقلة "ألمي هورايزن"؟
لا تتوقف قوة التقرير عند حدود الورق، بل تمتد إلى مراقبة الميدان، فالبيانات الملاحية المفتوحة الخاصة بالناقلة "ألمي هورايزن" (Almi Horizon)، التي ترفع علم ليبيريا وتحمل الرقم التعريفي (IMO: 9579494)، تتقاطع مع ما ورد في الوثيقة في عناصر جوهرية.
فقد أظهرت أنظمة تتبع السفن (AIS) أن الناقلة كانت موجودة بالفعل في مرسى الحريقة النفطي في طبرق خلال الإطار الزمني المذكور (11-12 أبريل)، وبعد إتمام عملية الشحن، غادرت الناقلة المرسى باتجاه شرق البحر الأبيض المتوسط.
واللافت هنا هو أن الوجهة النهائية المعلنة في أنظمة التتبع كانت "وجهة عامة"، وهو أسلوب متبع غالباً في الشحنات التي تثير جدلاً قانونياً أو سياسياً، لإخفاء الميناء النهائي حتى اللحظات الأخيرة.
ورغم أن الوثيقة تشير بوضوح إلى "تايلاند" كمقصد للشحنة، إلا أن هذا التقاطع بين حركة السفينة وتوقيت الوثيقة يمنح الواقعة درجة عالية من الجدية، ويحولها من مجرد "ورقة متداولة" إلى "واقعة مشهودة" في عرض البحر.
من الناحية التشغيلية، يبدو حجم الشحنة منسجماً تماماً مع قدرات الناقلة والميناء. تنتمي "ألمي هورايزن" لفئة ناقلات الخام الضخمة (Suezmax)، حيث يبلغ طولها 274 متراً وعرضها 48 متراً، وتصل حمولتها الساكنة إلى قرابة 157 ألف طن، وتجعل هذه المواصفات من شحن مليون برميل (ما يعادل حوالي 135 ألف طن من الخام) عملية نمطية ومثالية لهذه السفينة.
هذا الاتساق الفني يعزز من فرضية أن الوثيقة لم تكن مجرد خطة نظرية، بل كانت "أمر تشغيل" حقيقي بُني على أساس قدرات لوجستية متوفرة، كما أن اختيار ميناء الحريقة، الذي يتمتع بعمق كافٍ لاستقبال هذه الفئة من الناقلات، يضيف بعداً آخر لجدية العملية واستمرارية العمل في هذا المرفأ الحيوي رغم الاضطرابات السياسية في العاصمة.
من "خدمات النفط" إلى "سيادة التصدير"
لم تعد "أركنو" مجرد شركة خدمات نفطية ناشئة، بل تحولت إلى ظاهرة اقتصادية وسياسية في ليبيا، فقد سبق لتقارير دولية أن أشارت إلى دور هذه الشركة كأول شركة ليبية خاصة تكسر احتكار الدولة لتصدير الخام، ونجحت الشركة في تصدير ملايين البراميل منذ عام 2024، وارتبط اسمها بحقلي "السرير والمسلة"، وهما الحقلان اللذان تكرر ذكرهما في الشحنة الأخيرة.
هذا الحضور القوي للشركة، وقدرتها على تجاوز قرارات رئيس الحكومة، يطرح تساؤلات حول "الراعي السياسي" أو "المظلة العسكرية" التي تحمي نشاطها في شرق البلاد، واستمرار هذا النمط يوحي بأننا أمام عملية "خصخصة غير معلنة" لقطاع النفط، حيث تُمنح شركات بعينها امتيازات تصديرية كانت حكراً على الدولة، ما يضعف المركز المالي للمؤسسة الوطنية للنفط على المدى الطويل.
البعد الدولي والمسؤولية القانونية
ظهور اسم شركة "ميركوريا للطاقة والتجارة" (Mercuria Energy Trading SA) كجهة مستفيدة (Consignee) يمنح القضية أبعاداً دولية حساسة، وشركة "ميركوريا" هي واحدة من أكبر 5 شركات لتجارة الطاقة في العالم، ومقرها سويسرا. إن تعامل شركة بهذا الحجم مع "أركنو" تحت مظلة المؤسسة الوطنية للنفط يثير تساؤلات حول "الامتثال الدولي".
فبينما تسعى الشركات العالمية لتأمين مصادر الطاقة، فإنها قد تجد نفسها وسط صراعات الشرعية المحلية، فإذا كانت الحكومة في طرابلس قد حظرت التعامل مع "أركنو"، فكيف تقبل شركة دولية شراء شحنة تكون فيها "أركنو" هي الطرف المستفيد؟ الإجابة تكمن غالباً في "ختم المؤسسة الوطنية للنفط".
فوجود اسم المؤسسة في الوثائق كجهة مصدرة نيابة عن الشركة الخاصة يوفر لـ "ميركوريا" الحماية القانونية الكافية أمام البنوك والمحاكم الدولية، ما يعزز فكرة أن المؤسسة الوطنية أصبحت، طوعاً أو كرهاً، "مشرعناً" لعمليات يرفضها رئيس الحكومة.
لغز الرحلة الطويلة لشحة النفط الليبي
تشير الوثيقة إلى أن الوجهة هي "ميناء آمن أو أكثر في تايلاند"، وهو ما يحمل دلالات استراتيجية، فغالباً ما تُرسل الشحنات الجدلية إلى أسواق آسيوية بعيدة حيث تكون الرقابة الدولية أقل حدة مقارنة بالموانئ الأوروبية، كما أن الرحلة الطويلة تمنح الأطراف المعنية وقتاً إضافياً لإتمام التسويات المالية المعقدة بعيداً عن الأنظار.
ومع ذلك، تظل الوجهة النهائية بحاجة إلى متابعة دقيقة؛ ففي كثير من الأحيان يتم تغيير مسار الناقلات في اللحظات الأخيرة، أو يتم تفريغ الشحنة عبر عمليات "نقل من سفينة إلى سفينة" (STS) في عرض البحر لتغيير هوية المنشأ أو الوجهة النهائية، وهو تكتيك يُستخدم لتجاوز أي تعقيدات قانونية قد تظهر أثناء الرحلة.
فيما لا تبدو قصة الناقلة "ألمي هورايزن" مجرد خبر عن حركة ملاحية روتينية، بل هي فصل جديد من فصول الصراع على "حق التوقيع" في ليبيا، إذ إن نجاح شركة "أركنو" في تصدير مليون برميل بعد أيام فقط من قرار رئيس الحكومة بإيقافها، يبعث برسالة واضحة مفادها أن السلطة في ليبيا لم تعد تتركز في مكتب رئيس الوزراء في طريق السكة بطرابلس، بل تتقاسمها القوى التي تسيطر على "صمامات النفط" و"أرصفة الشحن".
هذه الواقعة تكشف أن المؤسسة الوطنية للنفط تعيش حالة من "الازدواجية الإدارية"، فهي مجبرة على اتباع قرارات الحكومة شكلياً، لكنها مضطرة للتعامل مع الواقع الميداني الذي تفرضه الشركات والقوى المسيطرة في الشرق لضمان استمرار التدفق المالي.
وبين "المنع الورقي" و"التصدير الفعلي"، يبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر من غياب الشفافية في إدارة المورد الوحيد للبلاد، بينما تتحول شحنات النفط إلى وقود للصراعات السياسية وإعادة توزيع خارطة الولاءات والنفوذ.
تجدر الإشارة إلى أنه حتى وقت إعداد هذا التقرير، لم يتسنَّ الحصول على تعليق رسمي من المؤسسة الوطنية للنفط، أو شركة أركنو، أو شركة الخليج العربي للنفط، بشأن التفاصيل الواردة في الوثيقة المسربة.