الشرع في برلين: كيف تسعى سوريا لتقديم نفسها كممر جديد للطاقة وشريكًا أمنيًا لأوروبا والخليج؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/30 الساعة 16:32 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/30 الساعة 16:32 بتوقيت غرينتش

تأتي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين، الاثنين 30 مارس/ آذار 2026، في ظل اشتداد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وما تسببت فيه من اضطرابات عميقة في منظومة الطاقة العالمية، ما دفع الدول الكبرى لإعادة تشكيل أولوياتها، خاصة فيما يتعلق بخرائط الإمداد والتحالفات.

ومع شبه الإغلاق الذي يشهده مضيق هرمز وتعطل أجزاء من الملاحة في البحر الأحمر، لم تعد الطاقة مجرد ملف اقتصادي تقني، بل أصبحت قضية أمن قومي دولي. هذا التحول فرض البحث عن بدائل جغرافية جديدة، سواء عبر الممرات البرية أو خطوط الأنابيب، لتفادي الاختناقات الاستراتيجية.

في هذا السياق، تحاول دمشق إعادة تقديم نفسها كجزء من الحل، مستندة إلى موقعها الجغرافي الذي يربط الخليج بتركيا والبحر المتوسط. ولا تبدو زيارة الشرع إلى برلين مجرد محطة دبلوماسية، بل اختبارًا فعليًا لقدرة سوريا على تسويق دور جديد يجمع بين الطاقة والأمن في لحظة إقليمية حساسة.

سوريا كممر طاقة.. كيف ذلك؟

زيارة الشرع إلى برلين لا يمكن قراءتها ضمن الإطار الدبلوماسي التقليدي، بل ضمن لحظة جيوسياسية استثنائية تعيد تشكيل أولويات الدول الكبرى. هذه اللحظة ترتبط بشكل مباشر بالحرب على إيران وما أحدثته من اختلالات حادة في أسواق الطاقة.

فمع تراجع استقرار الممرات البحرية، برزت الحاجة إلى بدائل يمكن أن تضمن استمرار تدفق النفط والغاز. في هذا السياق، تحاول دمشق إدخال نفسها في المعادلة بوصفها ممرًا بريًا محتملًا يربط الخليج بأوروبا.

هذا الطرح يستند إلى الجغرافيا قبل السياسة، حيث تقع سوريا على تقاطع طرق حيوية بين آسيا وأوروبا، ومن هنا تحاول دمشق تحويل هذا الموقع إلى ورقة تفاوضية تعيد إدماجها في النظام الإقليمي.

ويكتسب الطرح السوري زخمًا إضافيًا مع تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك، الذي دعا إلى إيجاد بدائل لمضيق هرمز، مشيرًا إلى إمكانية لعب سوريا دورًا عبر خطوط الأنابيب. هذا الموقف يمنح المبادرة السورية بعدًا دوليًا أوليًا.

كما يعكس هذا التصريح الأمريكي تحولًا في النقاش الدولي، حيث لم يعد الحديث عن سوريا محصورًا في ملفات النزاع والأمن الإقليمي والاستقرار الداخلي، بل بدأ يتجه نحو دورها المحتمل في أمن الطاقة العالمي، خاصة في ظل مخاوف من أن يطول أمد الحرب على إيران.

من فكرة نظرية إلى تداول عملي

بحسب مصادر دبلوماسية سورية، لم يعد الطرح السوري مجرد فكرة نظرية، بل دخل مرحلة التداول العملي مع عدد من الدول، خصوصًا في الخليج. هذا التحول يعكس انتقال الملف من مستوى الطرح السياسي إلى مستوى التفاوض.

فقد أبلغ الرئيس الشرع قادة خليجيين، بعد اندلاع الحرب، استعداد دمشق لفتح أراضيها كممر بديل للتجارة والطاقة، ويقوم هذا الطرح على تحويل الجغرافيا السورية من مصدر توتر إلى عنصر استقرار.

التصور الجاري تداوله يقوم على نقل النفط والغاز من الخليج عبر العراق إلى سوريا، ثم إلى البحر المتوسط. هذا المسار يتيح الوصول إلى الأسواق الأوروبية دون المرور بالممرات البحرية المهددة.

ويعيد هذا الطرح إحياء مشاريع قديمة تعود إلى ما قبل الحرب السورية، لكنه اليوم يكتسب بعدًا جديدًا، حيث أصبح مرتبطًا بأمن الإمدادات العالمية وليس فقط بالجدوى الاقتصادية.

كما يشمل التصور استخدام موانئ طرطوس واللاذقية كنقاط تجميع وتصدير، مع إمكانية تطويرها لتلعب دورًا أكبر في سلاسل الإمداد. هذا يفتح الباب أمام استثمارات دولية محتملة، غير أن تنفيذ هذه المشاريع يظل مشروطًا بتوافر بيئة سياسية وأمنية مستقرة، وهو ما يمثل التحدي الأكبر أمام أي تحرك عملي.

ماذا عن دور سوريا في الأمن الإقليمي؟

في موازاة ملف الطاقة، حملت اتصالات الرئيس السوري أحمد الشرع مع قادة دول خليجية بعدًا أمنيًا واضحًا يتجاوز التنسيق التقليدي. هذا البعد يعكس محاولة دمشق إعادة تعريف موقعها في معادلة الأمن الإقليمي.

بحسب المعطيات التي حصل عليها "عربي بوست"، فقد حذّرت دمشق من أن الحرب قد تتطور إلى أنماط أكثر تعقيدًا، تشمل عمليات تستهدف منشآت حيوية أو محاولات زعزعة استقرار عبر أدوات غير تقليدية.

وفي هذا السياق، طرح الشرع فكرة إنشاء غرفة عمليات عسكرية–أمنية مشتركة، تتولى متابعة تطورات الحرب وتنسيق الردود وتبادل المعلومات بشكل يومي. كما أبدت دمشق استعدادها للمساهمة في حماية البنية التحتية الحيوية في الخليج، عبر تبادل المعلومات الاستخبارية ودعم أنظمة الرصد المبكر.

هذا الطرح يعكس تحولًا في المقاربة السورية، حيث تحاول الانتقال من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع الشريك في إدارتها، كما تسعى الحكومة السورية إلى تقديم قيمة مضافة في لحظة إقليمية دقيقة.

زيارة الشرع إلى برلين.. اختبار أوروبي

تأتي زيارة الشرع إلى برلين كاختبار فعلي لمدى قابلية الطرح السوري للتسويق أوروبيًا، إذ إن اللقاء المرتقب مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتجاوز العلاقات الثنائية ليشمل قضايا استراتيجية أوسع.

ومن المتوقع أن يتناول النقاش دور سوريا المحتمل في منظومة الطاقة الأوروبية، خصوصًا في ظل استمرار اضطراب الإمدادات، وهو ما يجعل ألمانيا طرفًا محوريًا في تقييم هذا الطرح.

وفق مصدر دبلوماسي أوروبي، تمثل ألمانيا نقطة ارتكاز أساسية في أي إعادة تشكيل لمسارات الطاقة، ما يجعل موقفها حاسمًا سواء من حيث القبول أو التحفظ، لكن برلين تدرك أن الانخراط مع دمشق لا يزال محكومًا باعتبارات سياسية وقانونية معقدة، لذلك فإن أي تقارب محتمل سيبقى مشروطًا بضمانات واضحة.

إلى جانب الطاقة، يحمل الشرع عرضًا أمنيًا متكاملًا يشمل فتح قنوات تنسيق مع الأجهزة الأوروبية. هذا يتضمن تبادل معلومات حول شبكات تنظيم "داعش"، كما يشمل التعاون في ملف المقاتلين الأجانب، عبر خيارات تتراوح بين المحاكمة داخل سوريا أو التسليم المحدود وفق ترتيبات قانونية.

ويبرز أيضًا ملف الهجرة غير النظامية، حيث تحاول دمشق تقديم نفسها كشريك قادر على ضبط المسارات نحو أوروبا، مقابل دعم اقتصادي وسياسي.

وفي موازاة ذلك، يشكل ملف اللاجئين أحد أبرز عناصر الضغط في العلاقة مع ألمانيا، إذ إن وجود نحو 940 ألف لاجئ سوري يجعل هذا الملف حاضرًا بقوة في أي نقاش.

وقد شددت برلين إجراءات اللجوء خلال الفترة الماضية، ما يفتح الباب أمام مقايضات محتملة، تقوم هذه المقايضات على إدارة عودة تدريجية مقابل دعم اقتصادي وأمني.

الاقتصاد والكهرباء.. مفاتيح التفاوض الحقيقية

رغم الطابع السياسي للزيارة، يبقى الاقتصاد العنوان الأكثر حضورًا، خصوصًا في قطاع الكهرباء. هذا القطاع يمثل نقطة الاختناق الأساسية في عملية التعافي، وتعاني سوريا من أزمة كهرباء مزمنة نتيجة تدمير البنية التحتية وتقادم الشبكات ونقص الوقود.

هذا الوضع تسبب في تراجع التغذية الكهربائية إلى مستويات متدنية للغاية، كما أدى ذلك إلى نشوء اقتصاد موازٍ يعتمد على المولدات، ما رفع كلفة الإنتاج والمعيشة، ويجعل هذا الواقع الكهرباء مدخلًا رئيسيًا لأي تعاون دولي.

في هذا السياق، تراهن دمشق على شركات مثل Siemens Energy لإعادة تأهيل الشبكة الكهربائية، ويعود ذلك إلى الخبرة الألمانية في هذا المجال، كما تجري محادثات مع GE Vernova لتوريد توربينات غاز ضمن مشروع ضخم يهدف إلى إعادة بناء القدرة الإنتاجية.

غير أن التحدي لا يقتصر على إعادة البناء، بل يشمل تأمين الوقود اللازم للتشغيل، ويربط ذلك قطاع الكهرباء بالمعادلات الإقليمية للطاقة، كما تواجه الشبكة خسائر فنية وتجارية مرتفعة، ما يتطلب إعادة هيكلة شاملة، لذلك تحاول دمشق طرح هذا الملف كفرصة تعاون تقني مع أوروبا.

في المحصلة، فإن زيارة الشرع إلى برلين ليست مجرد تحرك دبلوماسي، بل محاولة لإعادة إدماج سوريا في معادلات إقليمية ودولية جديدة عبر بوابة الطاقة والأمن. هذا الطرح يعكس تحولًا في الاستراتيجية السورية نحو استخدام الجغرافيا كأداة تفاوض.

لكن نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بعدة عوامل، أبرزها الموقف الأوروبي، والاستقرار الداخلي، وقدرة دمشق على تقديم ضمانات سياسية وأمنية، كما أن تعقيدات الإقليم قد تجعل هذا الطرح أقرب إلى ورقة تفاوض منه إلى مشروع قابل للتنفيذ على المدى القصير.

تحميل المزيد