تحالف يتشكل بصمت: تقارب مصر مع باكستان وتنسيق رباعي مع تركيا والسعودية بحثًا عن توازن اقتصادي

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/30 الساعة 12:36 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/30 الساعة 12:36 بتوقيت غرينتش
العلاقة بين البلدين لم تعد محصورة في التعاون التقليدي، بل باتت ترتبط بمشاريع استراتيجية/ عربي بوست

في سياق إقليمي يتسم بتقاطع الأزمات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، تعيد القاهرة صياغة أولوياتها التجارية في ضوء تراجع حركة الملاحة عبر قناة السويس. هذا التراجع المرتبط بتوترات البحر الأحمر والحرب على إيران، دفع مصر إلى البحث عن شركاء قادرين على تعويض الخسائر وتعزيز موقعها كمحور لوجستي عالمي.

ضمن هذا التحول، يبرز التقارب بين مصر وباكستان كجزء من هندسة أوسع لإعادة توزيع مراكز الثقل الاقتصادي والسياسي في المنطقة، فالعلاقة بين البلدين لم تعد محصورة في التعاون التقليدي، بل باتت ترتبط بمشاريع استراتيجية تتعلق بسلاسل الإمداد والتصنيع المشترك.

ومع انعقاد اجتماع رباعي، يضم مصر وباكستان وتركيا والسعودية، في إسلام آباد، الذي انطلق الأحد 29 مارس/ آذار ويستمر الاثنين 30 مارس/ آذار 2026، تتداخل الأهداف الاقتصادية مع رهانات التهدئة السياسية، في محاولة لبناء شبكة مصالح قادرة على الصمود في بيئة إقليمية مضطربة.

مصر وباكستان: تقارب استجابة للأزمات

يأتي الاجتماع الرباعي في وقت تمضي فيه مصر وباكستان نحو تعزيز علاقتهما الاستثمارية والتجارية، في محاولة للتخفيف من حدة الأزمات الاقتصادية، وهو الأمر الذي يتناغم مع المواقف السياسية المتقاربة والحراك بفاعلية لإحداث توازن فاعل في منطقة تسعى إسرائيل للهيمنة عليها.

وقال مصدر مصري مطلع إن الاتصالات المصرية الباكستانية منذ بدء الحرب الإيرانية تركزت على تعزيز التعاون الاقتصادي والتنسيق بشأن خفض التصعيد القائم في المنطقة، إلى جانب التفاهم حول نسج تحالفات إقليمية يمكن أن تقف حائلًا أمام مشروعات فوضوية تهدد أمن الدول الإسلامية الفاعلة.

وأشار إلى أن كلاً من مصر وباكستان كان لديهما رؤية مستقبلية بما ستؤول إليه الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، وعملا على إحداث قدر من التقارب الاقتصادي والتجاري والعسكري قبل عدة أشهر، ووضع الأسس لتحقيق استفادة متبادلة للتعامل مع أزمات سيتم خلقها لإضعاف دول المنطقة التي ما زالت تحافظ على تماسكها ولديها مؤسسات راسخة.

هذا التوجه يعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي لدى القاهرة، التي لم تعد تنظر إلى الشراكات الاقتصادية بمعزل عن السياق الأمني، بل باتت تعتبرها جزءًا من منظومة ردع غير تقليدية، تقوم على تشابك المصالح بدل المواجهة المباشرة.

محاولة لإعادة تشكيل خطوط التجارة

المصدر ذاته أوضح أن مصر وجدت أن هناك رغبة من جانب باكستان في الاستفادة من موقعها الجغرافي على البحر الأحمر، ومع توسع القاهرة في تحسين الوضع اللوجستي في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، من أجل إقامة مشروعات تجارية يمكن أن تصل بسهولة إلى أفريقيا.

إلى جانب الاستفادة من حوافز مصرية عديدة تقدمها للشركات والمصانع التي لديها استثمارات في تلك المنطقة، وهو أمر عملت القاهرة على تسويقه أيضًا للشركات التركية التي لديها حضور قوي في تلك المنطقة.

كما أن القاهرة، يقول مصدر "عربي بوست"، لديها رغبة مقابلة في الربط بين ميناء جوادر في باكستان وقناة السويس للحفاظ على حركة تجارة قائمة في ظل تراجع الملاحة الدولية، وهناك تجهيزات لإنشاء خط شحن مباشر بين العين السخنة وجوادر، إلى جانب إقامة صناعات ذات قيمة مضافة.

وأشار إلى أن الأشهر الماضية كانت شاهدة على عقد اجتماعات مختلفة بين البلدين في مجالات تكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية والبرمجيات، وشركات الأدوية والأسمدة، ومجالات اللوجستيات والاتصال البحري، إلى جانب إجراء دراسة معمقة حول الربط بين الموانئ الباكستانية وقناة السويس.

وذكر أن باكستان لديها أهداف تتعلق بفك أي حصار مقصود أو غير مقصود عليها، بما يساهم في حضور منتجاتها وصناعاتها المختلفة إلى أسواق لم تصل إليها من قبل في القارة الأفريقية، والقاهرة في المقابل تحقق ذلك بما لديها من اتفاقيات تجارة مشتركة مع أفريقيا وكذلك مع الدول العربية، ويصل الأمر إلى الاتحاد الأوروبي.

بمعنى أن المصانع أو الشركات الباكستانية التي ستعمل في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس هي خاضعة للقوانين المصرية، وتستفيد من الإعفاءات الجمركية نتيجة اتفاقيات التجارة المشتركة مع أفريقيا وأوروبا والدول العربية.

هذا الربط المحتمل بين جوادر وقناة السويس لا يعكس فقط تعاونًا ثنائيًا بين مصر وباكستان، بل يشير إلى محاولة لإعادة رسم خريطة التجارة بين آسيا وأفريقيا، خاصة في ظل التهديدات التي تواجه الممرات التقليدية.

الاستثمار والتصنيع المشترك

شدد مصدر "عربي بوست" على أن مصر تبحث عن أسواق عديدة يمكن أن تحقق معها تعاونًا اقتصاديًا ناجحًا، وتدرك بأن جذب الاستثمارات في فترات الحرب سيكون صعبًا للغاية، وبالتالي فهي تنفتح على منطقة وسط آسيا، وتعد باكستان دولة محورية في تلك المنطقة لتنويع شركائها، كما أن هناك جزءًا مهمًا يدخل في إطار التعاون الاقتصادي يتعلق بالتصنيع المشترك بين البلدين في الصناعات العسكرية.

وكانت مصر قد دعت إلى إعداد خريطة طريق مشتركة مع باكستان، بهدف تعزيز التعاون، وتشمل الملفات السياسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية والأمنية والدينية والثقافية، وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اهتمام بلاده بتوسيع التعاون مع باكستان في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار.

وتعددت اللقاءات والزيارات على المستوى العسكري بين القاهرة وإسلام آباد قبل أشهر من اندلاع الحرب الإيرانية، وفي شهر 10 (تشرين الأول) الماضي، بحث مسؤولون من مصر وباكستان تعزيز التعاون في مجال التصنيع العسكري، حيث التقى وزير الدولة للإنتاج الحربي المصري السابق، محمد صلاح الدين مصطفى، سفير باكستان في القاهرة، عامر شوكت.

ويبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وباكستان نحو 217 مليون، حسب سفير باكستان في القاهرة، عامر شوكت، الذي قال في لقاء مع اتحاد غرف التجارة المصرية في شهر 10 (تشرين الأول) الماضي إن حجم الاستثمارات الباكستانية في مصر يصل إلى 36 مليون دولار، موزعة على 117 شركة.

والأسبوع الماضي، أعرب الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تقديره للتطور الملحوظ الذي تشهده العلاقات الثنائية بين مصر وباكستان في مختلف المجالات، مؤكدًا أهمية مواصلة العمل على تعزيزها، خاصة في قطاعات النقل والتجارة والاستثمار، وذلك خلال اتصال هاتفي تلقاه من شهباز شريف.

كما أشار إلى أن الجانبين أكدا توافقهما على أهمية دفع أطر التعاون المشترك قدمًا، حيث شدد رئيس الوزراء الباكستاني على حرص بلاده على توطيد العلاقات التاريخية مع مصر، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب العمل على فتح مجالات جديدة للتعاون بين البلدين.

التقارب السياسي والأمني

بحسب دبلوماسي مصري سابق، فإن التصعيد الحالي يدفع إلى تعزيز التعاون بين مصر وباكستان في مجالات مختلفة، لافتًا إلى أن الأمر يتجاوز البعد الاقتصادي المباشر، لكنه يستهدف تعزيز العلاقات الإسلامية–الإسلامية، بعد أن وجدت القاهرة أن الخلافات بين الدول الخليجية وإيران قادت إلى أن تقوم دولة إسلامية بضرب دولة إسلامية أخرى.

وتهدف هذه التحركات إلى تقليص التباينات كما حدث مع تركيا ويحدث الآن مع باكستان، مشيرًا إلى أن القاهرة وإسلام آباد يمكن أن يلعبا دورًا في الضغط على إيران لوقف اعتداءاتها، وكذلك إقناع الولايات المتحدة بضرورة وقف الحرب.

وأوضح أن الرغبة المشتركة في تطوير التعاون التجاري تدعم التقارب في مجالات التنسيق السياسي والأمني بينهما، مشيرًا إلى أن القاهرة تقدم مميزات لإسلام آباد كونها تعد بوابة لأفريقيا، وهو أمر يمكن أن تستفيد منه الشركات الباكستانية، كما تتطلع مصر لزيادة مستوى التبادل التجاري والاستفادة من عبور الواردات الباكستانية عبر الممر الملاحي لقناة السويس.

وشدد المصدر ذاته على أن تعزيز التعاون في المجالات التجارية والاستثمارية بين مصر وباكستان يمنح الثقة نحو مزيد من التفاهمات السياسية والأمنية، وهو ما انعكس على التنسيق الحاصل حاليًا لتهدئة التصعيد في المنطقة.

ورغم صعوبات التوصل إلى تفاهمات تقود لوقف الحرب، فإنه يبقى من المهم بناء منظومة أمنية بمشاركة مصر ودول إسلامية وعربية أخرى، في مقدمتها السعودية وباكستان وتركيا وإندونيسيا، إلى جانب بعض الدول الخليجية والعراق والأردن، للوقوف أمام مساعي إعادة تقسيم النفوذ والهيمنة في المنطقة، وفقًا لمصالح اليمين المتطرف في إسرائيل.

بين الوساطة وبناء توازن استراتيجي

في الاجتماع الرباعي الذي تستضيفه إسلام آباد، ويضم وزراء خارجية مصر وباكستان وتركيا والسعودية، الأحد والاثنين 29 و30 مارس/ آذار 2026، ستتم مناقشة التطورات الإقليمية، بما في ذلك حرب إيران، وفقًا لما ذكره التلفزيون الرسمي الباكستاني.

وكانت إيران تدرس مقترحًا من 15 نقطة، مرسلًا عبر باكستان، وأشارت مصادر وتقارير إلى أن المقترح تضمن مطالب تتراوح بين تفكيك برنامج إيران النووي، والحد من تطوير صواريخها، وتسليم السيطرة فعليًا على مضيق هرمز.

وأبقت إسلام آباد على اتصالات مباشرة مع كل من واشنطن وطهران، في وقت تعطلت فيه هذه القنوات بالنسبة لمعظم الدول الأخرى، ويُنظر إلى إسلام آباد على أنها موقع مناسب لعقد محادثات سلام.

وبحث وزير الخارجية المصري، الجمعة، في اتصالين هاتفيين مع كل من نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية باكستان، ووزير خارجية تركيا، التطورات المتسارعة والتصعيد العسكري في المنطقة، إلى جانب الجهود والاتصالات المكثفة للدول الثلاث الهادفة لبدء مسار التفاوض المباشر بين واشنطن وطهران.

وفي هذا السياق، شدد وزير الخارجية المصري على ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الموقف، مؤكدًا أن مسار التهدئة وخفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية يمثل السبيل الوحيد لاحتواء الأزمة الراهنة، معربًا عن أمله في أن تسفر الجهود المصرية التركية الباكستانية المشتركة عن خفض التصعيد وبدء مسار متدرج للتهدئة يسفر عن إنهاء الحرب.

وبحسب محلل سياسي مصري، صرح لـ"عربي بوست"، مفضلًا عدم ذكر اسمه، فإن مصر والسعودية بحاجة إلى دول الجوار الإقليمي، وفي ظل الحرب على إيران تبقى تركيا وباكستان مؤهلتين للدخول في شراكات إقليمية مع الدول العربية التي تواجه تهديدات قوية.

وأشار إلى أن تركيا لديها تقاربات مع دول عديدة، وباكستان لديها ميزة نسبية باعتبار أن لديها علاقات جيدة مع إيران بحكم الجوار الجغرافي، ويمكن أن تضغط عليها للوصول إلى تهدئة، كما أن الجيش الباكستاني له علاقات وطيدة مع الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن اجتماع إسلام آباد يأتي كنتيجة لتقارب الدول الأربع على مدار الأشهر الماضية.

لكن المحلل السياسي شدد أيضًا على أن اجتماع إسلام آباد يمكن أن يساهم في بذل مزيد من الجهد لتحسين الأجواء، وصولًا إلى بيئة مناسبة يمكن أن يتم من خلالها فتح مسار للمفاوضات التي لم تحدث بعد، وما زالت الدول الوسيطة في مرحلة نقل الرسائل، مع وجود ردود سلبية من الجانبين الأمريكي والإيراني، مع إصرار واشنطن على تقديم شروط إذعان ترفضها طهران، والأخيرة أيضًا تتشدد في مطالبها التي من الصعب أن تقبلها إدارة ترامب.

وشدد المتحدث على أهمية أن يكون بين الدول الأربع (مصر والسعودية وتركيا وباكستان) ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة للمنطقة ككل، خاصة وأن باكستان رادع نووي قوي لتحقيق توازن استراتيجي مهم في المنطقة في حال تفكك إيران أو ضعفها.

وهو ما يتطلب إيجاد ردع يمكن أن يتحقق بما لدى مصر من قوة عسكرية، وتركيا التي تعد دولة وازنة في الإقليم اقتصاديًا وعسكريًا، وباكستان بما لديها من قوة عسكرية وعلاقات مع أطراف مختلفة، ونهاية بالمملكة العربية السعودية المؤثرة في دول مجلس التعاون الخليجي.

وكان كل من وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان، ووزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، قد شاركوا في اجتماع تشاوري في العاصمة السعودية الرياض قبل أيام.

تحميل المزيد