أثار تعيين القيادي السابق في الحرس الثوري، محمد باقر ذو القدر، أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران خلفاً لعلي لاريجاني، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية والخارجية على حد سواء. مثل هذا القرار خطوة مفاجئة للكثيرين، لا سيما أن لاريجاني كان شخصية سياسية بارزة، اشتهرت بقدرته على الموازنة بين الملفات الأمنية والسياسية وبمرونته في إدارة العلاقات الدولية والمحلية، ما جعله رمزاً للخط الوسطي داخل النظام الإيراني.
يُعدّ ذو القدر شخصية أمنية وعسكرية بارزة، سبق له قيادة وحدات الحرس الثوري وتقلّد مناصب أمنية عليا، منها نائب وزير الداخلية لشؤون الأمن، ونائب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، بالإضافة إلى كونه مستشاراً لرئيس السلطة القضائية لشؤون منع الجريمة. يعكس هذا التدرج في المناصب امتداد نفوذه داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية على حد سواء، ويبرز خبرته في التعامل مع الملفات الحساسة التي تمس صميم النظام، سواء على صعيد إدارة الاحتجاجات الداخلية أو توسيع شبكة المؤسسات الأمنية والاجتماعية مثل "الباسيج"، التي تمثل أداة مهمة للتعبئة الأيديولوجية والسيطرة على المجتمع.
هذا التقرير يرصد حياة محمد باقر ذو القدر ومساره منذ بداياته في الحرس الثوري حتى وصوله إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، مركّزاً على كيفية انتقاله من القوة العسكرية المباشرة إلى إدارة الأمن الداخلي والمؤسسات القضائية، وصولاً إلى دوره الحالي في أعلى هرم القرار الأمني في إيران.
تهديد لأمريكا!
لم يكن تصريح محمد باقر ذو القدر في عام 2007، حينما كان يتولى منصب نائب وزير الداخلية الإيرانية لشؤون الأمن وتنفيذ القانون، بخصوص الخطر الأمريكي على بلاده أمراً هامشياً، فالرجل كان لديه تصور واضح بشأن رغبة الولايات المتحدة في إسقاط النظام الإيراني، وقد حذّر آنذاك أمريكا من أنه إذا هاجمت إيران، فلن يكون هناك مكان آمن لها، مؤكداً أن إيران قادرة بما تملكه من صواريخ بعيدة المدى على "إطلاق عشرات الآلاف من الصواريخ على أهداف أمريكية كل يوم وتهديد إسرائيل باعتبارها حصناً لأمريكا".
وفي كلمته حينها في مؤتمر بعنوان "دور الأمن في تنمية محافظة كردستان" بمدينة سنندج، عاصمة المحافظة، قال إن الولايات المتحدة تتبع سياسة يطلق عليها "التهديد الناعم"، وهي سياسة مشابهة لتلك التي استخدمتها ضد الاتحاد السوفيتي، موضحاً أن الهدف منها خلق حالة من عدم الاستقرار والأزمات داخل إيران وتأجيج الانقسامات العرقية والدينية، مع الاستعانة بالصحافة ومنظمات المجتمع المدني لتحقيق هذا الغرض.
كان ذو القدر، القادم من صفوف الحرس الثوري، على دراية تامة بشكل الصراع وطبيعة المعركة بين نظام بلاده والإدارة الأمريكية التي تسعى وفق ما تعلنه دوماً إلى "تقليص أو إنهاء" النفوذ الإيراني في المنطقة، سواء عبر الحرب المباشرة أو من خلال الضغوط الاقتصادية والعقوبات.
لذلك لم يكن مستغرباً أن يكون البيان الأول الصادر من مؤسسة رسمية في إيران لتهنئة محمد باقر ذو القدر بتوليه منصب أمين مجلس الأمن القومي، هو بيان الحرس الثوري، الذي أثنى فيه على تعيينه وأكد أنه أحد "الأصول الدائمة للثورة الإسلامية"، مشيداً بسجله الحافل بالخدمة على مدى عقود خلال لحظات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث. كما أبرز بيان الحرس الثوري مشاركة ذو القدر الواسعة في ساحات متعددة، بما في ذلك الكفاح ضد نظام بهلوي السابق المدعوم من الغرب، وعمليات مكافحة الإرهاب ضد جماعة مجاهدي خلق، والحرب التي استمرت ثماني سنوات مع العراق، واصفاً تعيينه بأنه "جدير بالثناء" وذا أهمية قصوى في منعطف حاسم من تاريخ إيران.
بداياته في الحرس الثوري
ولد محمد باقر ذو القدر عام 1954 في محافظة فارس جنوب إيران، ونشأ في بيئة متأثرة بالتيارات الدينية والسياسية التي كانت تنتشر في تلك الفترة قبل الثورة الإسلامية. منذ صغره، أبدى اهتمامًا بالأنشطة الدينية والسياسية، فانخرط في مجموعات شبابية تعمل على التوعية الدينية والسياسية، قبل أن تهب الرياح الثورية في أرجاء البلاد عام 1979. وقد ساعده حصوله على تعليم متقدم؛ حيث درس الاقتصاد في جامعة طهران، ثم نال الماجستير في الإدارة الحكومية، وأكمل الدكتوراه في الإدارة الاستراتيجية، مما وفّر له قاعدة معرفية قوية لفهم ديناميكيات الحكم وإدارة المؤسسات المعقدة، وهو ما سيظهر جليًا في مسيرته داخل الحرس الثوري.
مع قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بدأ ذو القدر نشاطه في لجان الثورة، التي كانت بمثابة نواة الأجهزة الإدارية والسياسية الجديدة، ثم التحق بالحرس الثوري، المؤسسة التي أصبحت الركيزة الأساسية لضبط الاستقرار الداخلي وحماية النظام الجديد. خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، تدرج في المسؤوليات العسكرية، فبدأ بمسؤولية التدريب داخل الحرس، حيث أعدّ الأفراد على مهارات القتال والانضباط العسكري، ثم تولى قيادة مقر رمضان للحروب غير النظامية، المتخصص في العمليات التي تعتمد على التكتيكات غير التقليدية والتنسيق بين الوحدات المختلفة، ما أكسبه خبرة استراتيجية متقدمة في إدارة الصراعات المعقدة.
خلال هذه الفترة، عاش ذو القدر تجربة التعاون مع أبرز الشخصيات في الحرس الثوري، مثل محسن رضائي، القائد العام السابق للحرس، وعلي شمخاني، وغلام علي رشيد المسؤول عن التخطيط العسكري للعمليات الكبرى. هذه الشراكات مهدت الطريق ليصبح جزءًا من النخبة العسكرية التي شكلت قلب المؤسسة بعد الحرب، ما ساعده على بناء شبكة علاقات قوية داخل الحرس، قائمة على الولاء المهني والدقة في تنفيذ المهام الاستراتيجية.
بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، دخل ذو القدر مرحلة جديدة من مسيرته المهنية، حيث أمضى ستة عشر عامًا في أعلى هرم القيادة داخل الحرس الثوري. شغل خلال هذه الفترة منصب رئيس الأركان المشتركة لمدة ثماني سنوات، ثم أصبح نائب القائد العام لمدة مماثلة، وهو ما منحَه القدرة على الإشراف على كل تفاصيل المنظومة العسكرية، بدءًا من التخطيط الاستراتيجي للعمليات، مرورًا بإدارة الموارد البشرية والمادية، وصولًا إلى التنسيق مع المؤسسات الحكومية الأخرى.
عمله في قيادة الأركان ونيابة القائد العام أكسبه تمرسًا في إدارة منظومة معقدة، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية مع السياسة الداخلية والخارجية، فاعتمدت قوته بشكل رئيسي على موقعه داخل الحرس نفسه وليس على الكاريزما أو الحضور الشعبي. خلال هذه المرحلة، تكرس موقعه داخل الحرس، خاصة في أوقات التوتر السياسي الداخلي، مثل عهد الرئيس محمد خاتمي، الذي شهد تصاعد الحركة الإصلاحية ومواجهة واضحة بين المؤسسة العسكرية والمجال المدني، حيث برز اسم ذو القدر كأحد المسؤولين العسكريين الذين عكسوا موقف الحرس من مشروع الإصلاح، متماشياً مع فلسفة المؤسسة في حماية الأسس السياسية للنظام على حساب أي تحرك إصلاحي محتمل.
في الأبعاد العسكرية، كان ذو القدر معروفًا بقدرته على إدارة الموارد المعقدة للحرس، سواء في التخطيط للعمليات الكبرى أو إدارة قواعد البيانات الاستخباراتية والتقارير العسكرية، ووضع أسس نموذج إيراني لإدارة العمليات غير التقليدية، يجمع بين القوة العسكرية التقليدية والتأثير النفسي والاستراتيجي للعمليات، ما عزز مكانة الحرس كقوة مؤثرة داخل الدولة.
الحرب العراقية الإيرانية وفترة ما بعد الحرب
بعد انتهاء الحرب، تولى محمد باقر ذو القدر رئاسة هيئة الأركان المشتركة للحرس لمدة ثماني سنوات، ما منحه القدرة على الإشراف المباشر على التخطيط العسكري الشامل وإدارة القوى البشرية والمادية للمؤسسة في مرحلة ما بعد الحرب، التي شهدت تحديات إعادة هيكلة القوات وتجهيزها لمواجهة أي تهديدات محتملة. لم يقتصر دوره على إدارة العمليات التقليدية، بل شمل تطوير استراتيجيات الحرب غير النظامية، وتعزيز تدريب وحدات النخبة، ودمج القدرات الاستخباراتية مع التخطيط الميداني.
بعد ثماني سنوات، أصبح نائب القائد العام للحرس، وتوسعت مسؤولياته لتشمل الإشراف على السياسات العامة للمؤسسة، والتنسيق بين مختلف الوحدات، وتوجيه الخطط الاستراتيجية التي تربط العمل العسكري بالسياسات الأمنية الوطنية. أصبحت سلطته محورية في رسم ملامح الحرس كقوة عسكرية وسياسية متكاملة، حيث تجلت ليس فقط في الأوامر العسكرية المباشرة، بل في التأثير على صناعة القرار الاستراتيجي، وإدارة الأزمات واستباق التهديدات الأمنية، وضمان الانضباط الصارم للوحدات.
لاحقًا، شغل منصب مساعد شؤون التعبئة في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، الذي ربط الحرس بالمؤسسة العسكرية الأوسع، وأشرف على برامج التجنيد والتدريب والتنسيق بين الحرس والقوات النظامية، ما رفع كفاءته في إدارة منظومات معقدة متعددة الأبعاد، وعزز مكانته كقائد قادر على دمج الرؤية العسكرية مع التخطيط الاستراتيجي الشامل وربط العمل الميداني بالسياسة العامة للأمن الوطني.
مع وصول محمود أحمدي نجاد إلى السلطة عام 2005، تولى ذو القدر منصب نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية، مركزًا محورياً لإدارة الأمن الداخلي والإشراف على المحافظات والتعامل مع الأزمات والاحتجاجات. رغم خروجه من الوزارة عام 2007 نتيجة تباينات مع إدارة نجاد، حافظ على نفوذه عبر تعيينه نائبًا لرئيس هيئة الأركان لشؤون "الباسيج"، حيث عزز دوره في التعبئة الاجتماعية والسيطرة الأيديولوجية على المجتمع الإيراني.
في 2010، انتقل ذو القدر إلى السلطة القضائية، شاغلاً مناصب مثل معاون الحماية الاجتماعية والوقاية من الجريمة، ثم المعاون الاستراتيجي لرئيس السلطة القضائية حتى عام 2020، مواصلاً حماية النظام عبر أدوات قانونية، ما يعكس اتساع خبرته في إدارة ملفات معقدة تتداخل فيها السياسة مع الأمن والمجتمع.
فالنظام الإيراني لا يفصل بين الأمن والقضاء، إذ يشكّل القضاء جزءًا من منظومة الدولة الخاضعة للمرشد الأعلى، ما يعني أن النفوذ الأمني يمكن تحويله إلى تأثير قانوني واستراتيجي. ومن خلال هذه المناصب، وسّع ذو القدر شبكة علاقاته المؤسسية وفرض حضورًا في ملفات استراتيجية تمزج بين القانون والسياسة والأمن، مع الحفاظ على الهدف ذاته: حماية النظام.
في سبتمبر 2021، عُيّن ذو القدر أمينًا لمجلس تشخيص مصلحة النظام خلفًا لمحسن رضائي، في موقع يتجاوز الطابع البروتوكولي ليصبح ذا دور فعلي في إدارة التوازنات وصياغة التسويات داخل النظام الإيراني. يُعنى الأمين بإدارة اللجان والإشراف على العمل البيروقراطي، ويؤدي دور حلقة الوصل مع مركز القرار الأعلى، ما يجعل هذا المنصب منصة استراتيجية للنفوذ الداخلي. وينسجم هذا الدور مع طبيعة ذو القدر بوصفه رجل إدارة وشبكات، وليس رجل خطاب جماهيري، كما يظهر امتداد نفوذه في الأبعاد العائلية والمؤسسية، من خلال ارتباطه بشخصيات بارزة مثل كاظم غريب آبادي، أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الإيرانية ذات الخلفية الأمنية.
ويعكس صعود ذو القدر إلى منصب أمين مجلس الأمن القومي، بعد مقتل علي لاريجاني، تحولًا واضحًا في طبيعة القيادة داخل النظام. فبينما كان لاريجاني يتميز بالمرونة السياسية والقدرة على المناورة بين مراكز القوة، يجسد ذو القدر الصلابة التنظيمية والانضباط المؤسسي. هذا التحول يعكس استراتيجية النظام الإيراني في تفضيل الشخصيات القادرة على إدارة الشبكات الداخلية والمراكز الاستراتيجية على حساب الشخصيات ذات الحركة السياسية الواسعة، حتى وإن كانت مشهورة أو ذات حضور عام، وفق ما يراه الأكاديمي والدبلوماسي السابق عباس خامه يار في تصريحاته لـ"عربي بوست".
جدير بالذكر أن مجلس تشخيص مصلحة النظام يعد أحد أكثر مؤسسات النظام الإيراني تعقيدًا وتأثيرًا، إذ نشأ في أواخر ثمانينات القرن الماضي بقرار من روح الله الخميني لحسم النزاعات المتكررة بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور. وتطوّر دوره تدريجيًا من هيئة تحكيم تشريعي إلى منصة عليا لإدارة التوازنات داخل الدولة، حيث يتدخل عندما تصل الخلافات المؤسسية إلى طريق مسدود، ويقرّ القوانين التي يُنظر إليها باعتبارها "مصلحة عليا للنظام" حتى لو تعارضت مع التفسيرات الدستورية أو الفقهية التقليدية.
ومع مرور الوقت، تحوّل المجلس إلى أداة استراتيجية بيد المرشد الأعلى، الذي يعيّن أعضائه ويحدد اتجاهاته العامة. فإلى جانب وظيفته في فض النزاعات، يتولى المجلس مهامًا أوسع مثل رسم السياسات العامة للدولة والإشراف على تنفيذها، ما يجعله حلقة وصل بين مراكز القوة المختلفة: الحكومة، البرلمان، القضاء، والمؤسسة العسكرية. ومن خلال تركيبته التي تضم شخصيات سياسية وأمنية وعسكرية بارزة، يعكس المجلس طبيعة النظام الإيراني القائمة على تداخل المؤسسات الرسمية مع شبكات النفوذ غير المعلنة، حيث لا تُدار السلطة فقط عبر الهياكل الدستورية، بل أيضًا عبر التوازنات الداخلية بين هذه القوى.
أما المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فيعد المؤسسة المركزية لتنسيق السياسات الأمنية والدفاعية والخارجية، ويشرف عليه المرشد الأعلى مباشرة، بينما يرأسه رسمياً رئيس الجمهورية. يضم المجلس كبار القادة العسكريين والأمنيين، إضافة إلى وزراء الخارجية والداخلية والدفاع ومسؤولين قضائيين، ما يجعله منصة شاملة تجمع مختلف أذرع الدولة لإدارة الملفات الحساسة المتعلقة بالحرب، الأمن الداخلي، البرامج النووية، والسياسة الخارجية. دوره ليس شكليًا فقط، بل يشمل وضع الاستراتيجيات وتوحيد الرؤية بين المؤسسات لضمان استقرار النظام في أوقات الأزمات.
أحد أهم وظائف المجلس هو إدارة الأزمات الأمنية والسياسية التي تواجه إيران داخليًا وخارجيًا. فهو ينسق بين القوات المسلحة، الحرس الثوري، الأجهزة الاستخبارية، والوزارات المعنية لتطبيق سياسات الأمن القومي، سواء في مواجهة تهديدات عسكرية، أو ضبط الاحتجاجات الداخلية، أو مراقبة التطورات الإقليمية والدولية. هذا الدور التنفيذي يضع المجلس في موقع حساس بين اتخاذ القرار وتحويله إلى إجراءات عملية، كما يوفر للمرشد نافذة مباشرة على الواقع الأمني والسياسي من دون الاعتماد على الوسائط الحكومية التقليدية.
كما يلعب المجلس دورًا استراتيجيًا في توجيه السياسة الخارجية، خصوصًا فيما يتعلق بالتفاوض مع القوى الكبرى أو إدارة ملفات حساسة مثل البرنامج النووي والدبلوماسية الإقليمية. ويشكل لجنة للتنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية عند وقوع أزمات، ويصدر توصيات ترتبط بمستوى أعلى من القرارات السياسية اليومية.
يكمن الاختلاف الجوهري بين المجلس الأعلى للأمن القومي ومجلس تشخيص مصلحة النظام في طبيعة المهام والزمن الذي يتحرك فيه كل منهما. فالمجلس الأعلى للأمن القومي يعمل كغرفة عمليات مركزية لإدارة الأزمات والملفات الأمنية اليومية، بما يشمل الحرب، التهديدات الداخلية، والسياسات الدفاعية والخارجية، ويعتمد على التنفيذ المباشر والتنسيق بين الأجهزة المختلفة. أما مجلس تشخيص مصلحة النظام، فيعمل على مستوى أعلى وأكثر تجريدًا، حيث يضع الإطار الاستراتيجي العام للنظام، يحل النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، ويصيغ السياسات بعيدة المدى التي تراعي المصلحة العليا للنظام، بعيدًا عن الإدارة اليومية للأزمات.
بالإضافة إلى ذلك، يختلف كل مجلس من حيث تركيبته ونفوذه على المؤسسات الأخرى. فالمجلس الأعلى للأمن القومي يضم كبار القادة العسكريين والأمنيين ووزراء الوزارات التنفيذية، ويركز على التنسيق العملي بين مؤسسات الدولة في الوقت الفعلي، بينما مجلس تشخيص مصلحة النظام يضم شخصيات مخضرمة من المجال السياسي والأمني والقضائي، ويعمل كحلقة وصل استراتيجية بين مراكز القوى، مع التركيز على صياغة التسويات الكبرى وضبط التوازنات العليا داخل النظام، ما يجعله أقرب إلى السياسات البيروقراطية الاستراتيجية منه إلى الإجراءات التنفيذية اليومية.