تخوض مصر حراكاً دبلوماسياً وأمنياً مكثفاً يهدف إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي العربي في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد والاضطراب. وتأتي هذه التحركات مدفوعة بضرورة إيجاد حائط صد عربي جماعي يتجاوز ردود الأفعال الفردية، ويؤسس لمرحلة جديدة من التنسيق العسكري والاستخباراتي لمواجهة الأطماع التوسعية والتهديدات.
المساعي المصرية الحالية، والتي بلغت ذروتها في زيارة الرئيس المصري ووزير خارجيته إلى الدول الخليجية، لا تقتصر فقط على الجوانب الدفاعية التقليدية، بل تمتد لتشمل صياغة ترتيبات أمنية شاملة لمرحلة ما بعد الحرب. وتهدف القاهرة إلى تفعيل الاتفاقيات التاريخية المجمدة، مثل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وتطويعها لتناسب التحديات الحديثة.
في هذا التقرير، نستعرض ملامح المقترح المصري الذي سيُطرح على طاولة وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الافتراضي الأحد 29 مارس/ آذار 2026، حيث تسعى القاهرة لبناء "شبكة أمان" عربية متكاملة. وتستهدف هذه الشبكة تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون اللوجستي، لضمان عدم فرض أي ترتيبات أمنية خارجية على المنطقة.
تحركات لبناء تصور الأمن القومي العربي
قال مصدر مصري مطلع إن القاهرة عرضت في اجتماعات عديدة مع أطراف عربية وخليجية عدة أطر عامة للتعاون والتنسيق العربي المشترك منذ بدء الحرب الإيرانية، وذلك خلال الجولة التي قام بها وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى 5 عواصم خليجية، إلى جانب الأردن والعراق.
وتطرقت الاجتماعات إلى مقترحات تدور في فلك تعزيز التعاون الأمني وبناء منظومة أمنية عربية موحدة لمواجهة التحديات التي تواجه الدول العربية، سواء كان ذلك داخل إطار الجامعة العربية أو عبر التنسيق بين الدول العربية أو من خلال إشراك قوى إقليمية إسلامية أخرى. وكان الحديث يتناول إمكانية انضمام تركيا وباكستان بصفة مبدئية.
المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، أوضح أن القاهرة ترفض أن تنجرف أي دولة بمفردها في الصراع الدائر في المنطقة، والذي تبقى تبعاته سلبية على مستوى تهديد الأمن القومي العربي، وتسعى لأن يكون التنسيق في مواجهة أي اعتداءات، سواء كانت من إسرائيل أو إيران أو أي دولة تشكل تهديداً للأمن القومي العربي.
وتسعى القاهرة لأن يكون هناك حائط صد عربي موحد أمام مخططات تقسيم المنطقة وتفتيتها لصالح إسرائيل ومشروعاتها التوسعية، وتأمل في أن يكون التنسيق دافعاً نحو تبريد صراعات عربية أخرى تشكل تهديداً لتماسك الدول ومؤسساتها.
وشدد المصدر ذاته على أن القاهرة نوّعت في طروحاتها التي قدمتها خلال الأيام الماضية بين الحديث عن استعادة مقترح سبق أن تقدمت به قبل 10 سنوات بشأن تشكيل قوة عربية مشتركة، إلى جانب حديثها عن بناء منظومة دفاع أمني عربي أو ترتيبات أمنية متفق عليها بين الدول العربية أو بناء منظومة تنسيق تبقى جاهزة.
وتهدف من وراء ذلك إلى ألا تكون الدول العربية لقمة سائغة في مشروعات التقسيم التي قد تأخذ منحنى أكثر سرعة في أعقاب توقف الحرب الإيرانية، مع وجود صراعات أخرى مشتعلة في لبنان والعراق وسوريا، إلى جانب الأزمات المفتوحة في السودان واليمن وليبيا والصومال.
ملامح الرؤية المصرية للأمن الجماعي
لفت المصدر المصري المطلع إلى أن طروحات القاهرة ما زالت قائمة، وأن اجتماع وزراء الخارجية العرب، الذي سيركز بالأساس على مواجهة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، سوف يتطرق إلى فكرة التباحث حول إيجاد ترتيبات إقليمية بين الدول العربية لمجابهة مآلات الحرب الحالية.
وأشار المصدر إلى أن القاهرة لديها رغبة في بناء منظومة أمنية عربية تتجاوز فكرة الانضمام إلى تحالفات قد يتم الإعلان عنها مع أي من طرفي الصراع القائم حالياً، وترى أن الدول العربية التي تتعرض لخسائر فادحة بحاجة إلى مزيد من التنسيق فيما بينها.
وفق الرؤية المصرية، فإن ذلك يمكن أن يتحقق من خلال تكثيف التعاون المعلوماتي والاستخباراتي بشكل مبدئي، دون أن يصل الأمر إلى الشكل التقليدي للجيش العربي الموحد، الذي يصعب الوصول إليه في الوقت الحالي.
وسبق أن تحدث وزير الخارجية المصري عن "ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له"، مشيراً، خلال محادثات مع نظيره السعودي في الرياض منتصف شهر مارس/ آذار، إلى أن الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي، سواء بالجامعة العربية أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية.
وأشار عبد العاطي في تصريحات إعلامية بعد جولته الخليجية إلى أن جزءاً من النقاش يتضمن الترتيبات الأمنية بعد انتهاء الحرب، وصيغة العلاقات العربية مع إيران، وتصور الوضع الإقليمي. وشدد على أن الأطراف الإقليمية يجب أن يكون لها الدور المؤثر في صياغة ترتيبات مستقبل المنطقة، وألا تُفرض من أطراف خارج الإقليم.
وتحدث عبد العاطي عن مجموعة من المحددات التي يجب أن تشملها الترتيبات الإقليمية الجديدة، ومنها حظر استخدام القوة، واحترام قواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، ودعم المؤسسات الوطنية للدول. وأشار إلى أن جزءاً من هذه المفاهيم نصت عليه اتفاقية الدفاع العربي المشترك الموقعة منذ عام 1950.
تحديات التوافق العربي واختلاف الأولويات
بحسب مصدر دبلوماسي مصري، فإن ما تتحدث عنه القاهرة بشأن التوافق العربي حول الترتيبات الأمنية والإقليمية المشتركة يأتي انطلاقاً من اتفاقية الدفاع العربي المشترك، التي لم يتم تفعيلها من قبل، وترى أن الفرصة الآن مواتية لتفعيلها في ظل تنامي التهديدات التي تتعرض لها الدول العربية، وأن يكون هناك توافق على صيغة معينة بين الدول العربية والإسلامية تضمن التنسيق والتعاون فيما بينها لصون الأمن الجماعي وحماية سيادة دول المنطقة.
وأشار إلى أن اجتماع وزراء الخارجية العرب يمكن أن يكون فرصة للوصول إلى رؤية مشتركة بشأن محددات التعاون الأمني العربي، لكنه تحدث عن صعوبات تواجه المقترحات المصرية في ظل اختلاف أهداف الدول العربية والخليجية من التعامل مع المهددات الحالية، والأولوية التي يمكن أن يتحرك على أساسها التعاون المشترك. مشيراً إلى أن الأحداث المتسارعة تتطلب موقفاً عربياً سريعاً وقوياً أيضاً، وأنه من المهم عقد مشاورات عربية لتحديد الموقف تجاه الوضع الراهن.
وشدد على أن القاهرة طرحت أيضاً فكرة تشكيل مجموعة عمل عربية للتفكير فيما سيكون عليه الموقف مستقبلاً في مواجهة المشروعين الإيراني والإسرائيلي، اللذين يتصادمان على الأرض العربية.
وكشف عن أنه سيكون مزيد من الاتصالات واللقاءات خلال الفترة المقبلة لتعزيز التعاون في مواجهة أي عدوان، وأن هناك أولوية مصرية لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية. وترى القاهرة أن الخطر سيكون أشد في ظل حالة الرخاوة الأمنية وسيولة الضربات التي تطال دولاً عربية عديدة، وأنه سيكون من المستبعد الوصول إلى تهدئة شاملة في المنطقة.
وشدد المصدر الدبلوماسي على أن القاهرة تطرح رؤية قائمة على أن يكون هناك صيغة عربية موحدة بشأن التحديات أياً كان شكلها، سواء كان تنسيقاً أمنياً أو استخباراتياً أو عسكرياً، وتستهدف تعزيز مفهوم المواجهة الجماعية مع التحديات المحتملة، وهو ما يدعم استقرار وسيادة الدول العربية في مواجهة أي اعتداء.
ولفت إلى أن القاهرة في هذا التوقيت تستهدف أولاً الوصول إلى صيغة بشأن تبادل المعلومات والدعم اللوجستي لتوفير البيانات والمعلومات الدقيقة، وأن يكون هناك تقدير موقف عربي بشأن تطورات الصراع في المنطقة، الذي قد يصل مداه إلى دول أخرى.
ولدى القاهرة رغبة في تقديم مزيد من الخبرات الأمنية في التعامل مع مثل هذه التهديدات التي تشكل خطراً على الأمن القومي العربي برمته، وترى أن الفرصة ما زالت مواتية لإمكانية إيجاد أرضية عربية مشتركة، وأن إطالة أمد الصراع يمكن أن تُصعّب مسألة التعاون المشترك في ظل اختلاف الأهداف، بخاصة أنه من المتوقع أن تضاعف إيران من استهدافها للدول الخليجية حال فشلت جهود التهدئة الحالية.
الأمن القومي العربي بين التجديد والعقبات
قبل أيام، دعا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي أجراه مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، إلى ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار.
وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب.
وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل "قوة عربية مشتركة" قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية، كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.
وكان عبد العاطي قد أكد في اجتماع حكومي منتصف الشهر الجاري أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية أو من أطراف خارج الإقليم.
وقال محلل سياسي مصري لـ"عربي بوست" إن ما تطرحه مصر يتطرق إلى وضع آليات يمكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية، وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يسهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها.
كما أشار إلى أن التمسك المصري بالتنسيق الأمني يهدف إلى أن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة، وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.
وترفض مصر جر المنطقة بمقدراتها وشعوبها إلى حلقة مفرغة جديدة من صراع لا نهاية له، وبالتالي فإنها اتجهت إلى طرح رؤى عديدة لا تتعلق فقط بتشكيل القوة العربية المشتركة التي لا تلقى قبولاً بصفة عامة، وتعوّل على اختلاف الظروف والسياقات في الوقت الحالي، الذي يجعل من الممكن تحقيق قدر من التعاون المشترك في مجالات استخباراتية وأمنية.
وذكر المحلل السياسي أن القاهرة طرحت مسألة القوة المشتركة في أعقاب الضربة الإسرائيلية على قطر، التي استهدفت قادة من حركة حماس في سبتمبر عام 2025، لكنها أيضاً لم تحظ بتوافق عربي أو إسلامي في ذلك الحين، وأن مصر تحاول أن تعيد تكرار فكرة "قوات درع الجزيرة" التابعة لمجلس التعاون الخليجي، التي تأسست عام 1982 كقوة دفاعية مشتركة بين دول الخليج، ولكن وفق آليات حديثة تتماشى مع اتساع نطاق الصراع في المنطقة في الوقت الحالي.