نظام سياسي جديد: تفاصيل شروط حزب الله لوقف الحرب وعلاقتها بإعادة صياغة السلطة في لبنان

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/25 الساعة 15:15 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/25 الساعة 15:15 بتوقيت غرينتش
المقاربة المطروحة تربط بين مسار الحرب وشكل النظام السياسي بعد انتهائها/ عربي بوست

في ظل التصعيد العسكري المتواصل على الجبهة اللبنانية، تتحرك في الخلفية قنوات دبلوماسية غير معلنة تحاول استكشاف فرص احتواء المواجهة ومنع تمددها إقليمياً، غير أن هذه التحركات تصطدم بواقع ميداني يفرض إيقاعه، في ظل غياب قنوات تفاوض مباشرة قادرة على إنتاج مسار سياسي واضح.

الاتصالات الجارية مع حزب الله، وفق مصادر دبلوماسية، لا تدور حول وقف إطلاق النار بمعناه التقليدي، بل حول إطار أوسع يتجاوز التهدئة إلى إعادة ترتيب التوازنات. فالمقاربة المطروحة تربط بين مسار الحرب وشكل النظام السياسي بعد انتهائها، ما يعكس تحوّلاً في طبيعة التفاوض من إجراءات ميدانية إلى إعادة صياغة المشهد الداخلي.

في المقابل، تتقاطع هذه الطروحات مع حسابات عسكرية إسرائيلية تتجه نحو فرض وقائع جديدة على الأرض، وسط تعثر واضح في المسار السياسي وعجز المبادرات الدولية عن ملاحقة التطورات. وبين ميدان يتقدم وسياسة تتأخر، يتشكل مسار معقد قد يحدد ليس فقط نهاية الحرب، بل شكل السلطة في لبنان خلال المرحلة المقبلة.

من وقف النار إلى إعادة ترتيب السلطة

قال مصدر دبلوماسي لـ"عربي بوست" إن حزب الله لا يتعامل مع مسألة وقف إطلاق النار بوصفها إجراءً تقنياً لتهدئة الميدان، بل كمدخل لإعادة صياغة المشهد السياسي في لبنان.

فشروط حزب الله التي جرى تداولها عبر الوسطاء لا تُطرح كحزمة تفاوضية نهائية، بل كسقف أولي يربط بين المسارين العسكري والسياسي، ويمتد من الجنوب إلى بنية السلطة في بيروت.

في الجانب الميداني، تتمحور هذه الشروط حول وقف شامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وانسحاب كامل من المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية خلال الحرب، إلى جانب الإفراج عن الأسرى وضمان عودة السكان إلى القرى الحدودية من دون فرض ترتيبات أمنية دائمة.

كما تتضمن التزامات دولية واضحة بإعادة الإعمار وتعويض المتضررين، فضلاً عن وضع قيود على حرية الحركة الجوية والعسكرية الإسرائيلية داخل لبنان، عبر آلية تنفيذية فعلية تتجاوز نماذج الرقابة السابقة.

لكن البعد الأكثر حساسية يتمثل في الشق الداخلي، حيث تربط هذه المقاربة بين وقف الحرب وإعادة إنتاج السلطة. وتشمل الطروحات المتداولة إعادة تشكيل الحكومة بصيغة جديدة توازن بين القوى السياسية، وفتح الباب أمام انتخابات برلمانية خلال مهلة زمنية محددة، بما يسمح بإعادة تكوين المشهد السياسي.

كما يجري التداول في الكواليس، وفق مصادر "عربي بوست"، حول تثبيت معادلة داخلية تمنع اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى، خصوصاً في ما يتعلق بالسلاح والسياسة الدفاعية، من دون توافق وطني واسع.

هذا الربط بين الداخل والخارج يعكس رؤية تعتبر أن أي وقف لإطلاق النار لا يمكن أن يكون مستقراً ما لم يُترجم إلى توازنات سياسية جديدة. لذلك، يتمسك الحزب بسلة شروط مترابطة، انطلاقاً من تقدير بأن أي تسوية جزئية قد تعيد إنتاج الاختلالات التي سبقت الحرب.

استنزاف وتكيّف حزب الله مع الحرب

بالتوازي، تشير مصادر مقربة من حزب الله إلى أن قيادة الحزب تنطلق من فرضية أن الحرب مرشحة للاستمرار، حتى في حال تراجع مستوى التصعيد الإقليمي. بناءً على ذلك، يُعطى القتال الميداني أولوية كاملة، مع تأجيل أي انخراط سياسي إلى مرحلة لاحقة تُبنى على نتائج المواجهة.

في هذا السياق، تكشف المعطيات عن تحول في أسلوب القتال، حيث ابتعد الحزب عن نموذج الدمج بين القتال النظامي وحرب العصابات الذي اعتمده في حرب 2024، واتجه نحو تكتيكات أكثر مرونة تقوم على الكمائن والاستنزاف. وتُقدَّر أعداد المقاتلين المنتشرين جنوب الليطاني بين 1000 و1500 عنصر، يعملون ضمن مجموعات صغيرة، مستفيدين من طبيعة الأرض لتوجيه ضربات محددة.

غير أن هذه المقاربة تواجه تحديات واضحة، في ظل التفوق الإسرائيلي في مجال الاستطلاع الجوي والطائرات المسيّرة، وهو ما حدّ من فعالية بعض العمليات الميدانية، بعد استهداف مجموعات أثناء تحركاتها.

من الضغط العسكري إلى فرض وقائع جديدة

في المقابل، تشير مصادر حكومية لبنانية إلى أن السلوك العسكري الإسرائيلي يتجاوز هدف الضغط لتحسين شروط التفاوض، ويتجه نحو إعادة رسم الجغرافيا الأمنية في الجنوب.

فحجم الحشد العسكري، الذي يُقدَّر بعشرات الآلاف من الجنود، لا يعكس عملية محدودة، بل يشير إلى نية التوغل بعمق قد يصل إلى ما بين 10 و15 كيلومتراً في بعض المحاور.

وتضيف هذه المصادر أن الهدف الأبعد يتمثل في إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان والبنية التحتية، وهو ما يتقاطع مع توجهات داخل إسرائيل تدفع نحو اعتماد نهر الليطاني كخط أمني فعلي.

كما تربط تل أبيب أي انسحاب مستقبلي بسلسلة شروط تشمل ترتيبات أمنية موسعة، تمتد إلى ملف سلاح حزب الله وطبيعة انتشار الجيش اللبناني، وحتى شكل القوة الدولية أو المحلية التي ستتولى ضبط الجنوب.

مسار سياسي بلا تأثير فعلي

على المستوى السياسي، تبدو المبادرات المطروحة عاجزة عن مواكبة التطورات الميدانية، فالمبادرة الفرنسية، التي سعت إلى تسويق مقترح لبناني داخلي، لم تحقق تقدماً يُذكر، في ظل غياب أدوات ضغط فعلية لدى باريس.

أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع الملف من زاوية أوسع مرتبطة بالمواجهة مع إيران، من دون منح أولوية لمسار تفاوضي خاص بلبنان. هذا الواقع انعكس على الداخل اللبناني، حيث تراجع الزخم السياسي لأي طرح تفاوضي.

وتشير المعطيات إلى تقارب موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الرافض لأي تفاوض قبل وقف إطلاق النار، في حين يحافظ رئيس الحكومة نواف سلام على مقاربة وسطية تقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، من دون الانخراط في مسار تفاوضي مباشر.

توترات تتصاعد داخلياً تحت ضغط الحرب

بالتوازي مع المواجهة العسكرية، تتزايد مؤشرات التوتر داخل الساحة اللبنانية، وتشير مصادر حكومية إلى أن قرار وزارة الخارجية بحق السفير الإيراني فجّر خلافاً سياسياً حاداً، بعدما اعتبره الثنائي الشيعي خطوة تتجاوز البعد الدبلوماسي.

هذا التوتر يعكس أزمة أعمق تتعلق بقدرة الدولة على إدارة توازناتها الداخلية في ظل الحرب، خاصة مع تصاعد خطاب داخل حزب الله يلوّح بإمكانية الرد داخلياً في حال فُرضت تسويات لا تتماشى مع موازين القوى التي يسعى إلى تثبيتها ميدانياً.

في ضوء هذه المعطيات، يتجه المشهد نحو مسارين محتملين: إما تسوية إقليمية واسعة تشمل إيران وتنعكس على لبنان، أو استمرار الحرب مع سعي كل طرف إلى تحسين موقعه على الأرض قبل أي تفاوض.

وفي كلا السيناريوهين، يبقى العامل الحاسم هو ميزان القوى الميداني، في ظل غياب إطار سياسي قادر حتى الآن على فرض مسار تفاوضي متماسك.

تحميل المزيد