في وقت تتواصل فيه حالة الجمود السياسي في ليبيا دون أفق واضح لحل شامل، بدأت تتسرب من داخل دوائر ضيقة في العاصمة طرابلس معطيات تشير إلى نقاشات غير معلنة تتجاوز فكرة التعديل الحكومي المحدود نحو إعادة ترتيب أوسع لشكل السلطة التنفيذية في ليبيا.
هذه التسريبات، التي لم تصدر في بيانات رسمية، تعكس حراكاً سياسياً يجري خلف الكواليس، تحاول من خلاله أطراف محلية ودولية إعادة صياغة توازنات المرحلة المقبلة، ولا تتعلق فقط بإعادة توزيع المناصب داخل الحكومة، بل تمتد إلى طرح صيغ جديدة لتقاسم النفوذ بين شرق البلاد وغربها.
وتتقاطع هذه النقاشات مع تحركات ميدانية ودبلوماسية متزامنة، تشمل قنوات تواصل غير معلنة بين الأطراف الليبية، ولقاءات خارجية جرت برعاية دولية، إضافة إلى مسار أمني تقوده الولايات المتحدة عبر القيادة العسكرية في إفريقيا (AFRICOM).
إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا
كشف مصدر مقرب من حكومة عبد الحميد الدبيبة تحدث لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن ما يجري بحثه داخل أروقة السياسة والحكم في ليبيا لا يقتصر على تعديل وزاري أو سد شواغر، بل يرتبط بتصور أوسع يعيد ترتيب هيكل السلطة التنفيذية في ليبيا.
التصور المتداول، بحسب المصدر، يقوم على الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، مقابل إدخال شخصيات من شرق ليبيا في مواقع سيادية، من بينها المجلس الرئاسي، وفي هذا السياق، طُرح اسم صدام خليفة حفتر كأحد الخيارات الممكنة لشغل موقع داخل المجلس بصفة مدنية، ضمن صيغة تهدف إلى تحقيق نوع من التوازن بين الأطراف المختلفة.
إدراج هذا الاسم لا يعني، وفق المصدر ذاته، وجود اتفاق نهائي أو إعلان وشيك، بل يعكس اتجاهاً داخل بعض دوائر القرار نحو البحث عن صيغة مشتركة تدمج الشرق في بنية السلطة التنفيذية في ليبيا، دون تفكيك الحكومة الحالية، وتندرج هذه المقاربة ضمن محاولات لتجاوز حالة الانقسام، عبر إعادة توزيع الأدوار بدل استبدالها بالكامل.
النقاشات لا تقف عند حدود توزيع المناصب، بل تمتد إلى ملفات أكثر تعقيداً تتعلق بإعادة صياغة العلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة النظر في موقع القيادة العامة في شرق البلاد ضمن أي تصور مستقبلي لتوحيد المؤسسات.
صراع الحقائب السيادية وإعادة توزيع النفوذ
ضمن هذه النقاشات، تبرز الحقائب السيادية كأكثر النقاط حساسية، وعلى رأسها وزارتا الدفاع والخارجية. هذه الوزارات لا تُعامل كحقائب إدارية عادية، بل كمفاتيح أساسية للنفوذ داخل الدولة، نظراً لارتباطها المباشر بالملف الأمني والعلاقات الدولية.
المصدر المقرب من حكومة الوحدة أشار إلى أن الجدل الدائر لا يتعلق بوزارات خدمية، بل بمواقع تحدد طبيعة السيطرة على مفاصل القرار، وهو ما يفسر استمرار الخلافات حولها. السيطرة على وزارة الدفاع تعني التأثير في الملف العسكري، بينما تمنح وزارة الخارجية القدرة على إدارة العلاقات الدولية والاعتراف السياسي.
في هذا السياق، يبدو أن أي محاولة لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا ستصطدم بهذه العقدة، حيث تسعى الأطراف المختلفة إلى ضمان حصتها داخل هذه المواقع الحساسة، وهو ما يجعل التوافق حولها شرطاً أساسياً لأي اتفاق محتمل.
ويتقاطع ذلك مع ما جرى في التعديل الحكومي الأخير الذي أعلن عنه عبد الحميد الدبيبة في 12 مارس/ آذار 2026، حيث احتفظ بعدد من الحقائب السيادية، من بينها الدفاع والخارجية، في خطوة تعكس إدراكاً لأهمية هذه المواقع في الحفاظ على موازين القوة داخل الحكومة.
القيادة العامة وقنوات التواصل غير المعلنة
إلى جانب ملف الحقائب السيادية، يُعاد طرح مسألة القيادة العامة في شرق ليبيا كأحد أكثر الملفات حساسية، فالحديث داخل بعض الدوائر يتجه نحو "إعادة تعريف" هذا الكيان ضمن أي تصور لتوحيد المؤسسات، في محاولة لإعادة إدماجه ضمن هيكل الدولة.
هذا الطرح لا يزال في إطار النقاشات غير الرسمية، ولم يتحول إلى مقترحات مكتوبة أو اتفاقات معلنة، لكنه يعكس إدراكاً بأن أي تسوية سياسية لن تكون مكتملة دون معالجة موقع المؤسسة العسكرية في الشرق.
بالتوازي مع ذلك، تشير تقارير إعلامية ليبية إلى وجود قنوات تواصل بين ممثلين عن الشرق والغرب. فقد عُقد اجتماع في 28 يناير/ كانون الثاني داخل قصر الإليزيه في باريس، جمع وفداً من الشرق برئاسة صدام حفتر، ووفداً من الغرب برئاسة إبراهيم الدبيبة، في لقاء قيل إنه جرى بتنسيق أمريكي–فرنسي.
ورغم عدم صدور نتائج رسمية عن هذا اللقاء، فإنه يعكس وجود مسار تفاوضي غير معلن، يتقاطع مع ما كشفه المصدر المقرب من حكومة الوحدة بشأن وجود نقاشات خلف الكواليس. هذه القنوات قد تمثل الأرضية التي تُبنى عليها أي ترتيبات سياسية لاحقة.
مسار سياسي محتمل خارج الانتخابات
في خلفية هذه التحركات، تبرز فرضية إعادة تشكيل السلطة التنفيذية دون المرور بانتخابات مباشرة. وأشار موقع "Africa Intelligence" إلى وجود تصورات تتجه نحو الإبقاء على بعض الأطراف في مواقعها ضمن صيغة جديدة، بدل الذهاب إلى استحقاق انتخابي شامل.
هذا الطرح يعكس تحولاً في مقاربة إدارة الأزمة، حيث يتم الانتقال من البحث عن شرعية انتخابية إلى محاولة إنتاج توازن سياسي توافقي، قد يكون أكثر قابلية للتنفيذ في ظل التعقيدات الحالية.
غير أن هذا المسار يثير في الوقت ذاته تساؤلات حول شرعيته واستدامته، خاصة في ظل استمرار المطالب المحلية والدولية بإجراء انتخابات كحل نهائي للأزمة.
في المقابل، طرح رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد خيارين: إما الدخول في حوار مباشر مع حكومة الوحدة، أو تنحي الطرفين بشكل متزامن، تمهيداً لتشكيل حكومة توافقية جديدة. هذا الموقف يعكس وجود رؤى مختلفة حول كيفية الخروج من الأزمة.
الحضور الدولي بين الأمن والسياسة
تتزامن هذه التحركات السياسية مع نشاط أمني تقوده الولايات المتحدة عبر القيادة العسكرية في إفريقيا (AFRICOM)، فقد أُعلن عن تنظيم تمرين "Flintlock 26" في أبريل/ نيسان 2026، مع تنفيذ جزء منه في مدينة سرت.
وأكدت AFRICOM أنها تعمل مع مسؤولين عسكريين ليبيين من الشرق والغرب لتنظيم موقع تدريب ضمن هذا التمرين، ما يشير إلى وجود مستوى من التنسيق الأمني بين الأطراف المختلفة، حتى في ظل غياب اتفاق سياسي شامل.
هذا التوازي بين المسار الأمني والسياسي يعكس مقاربة دولية تقوم على إدارة الاستقرار الميداني، بالتوازي مع دعم قنوات الحوار غير المعلنة. وفي هذا السياق، لم تصدر الولايات المتحدة موقفاً رسمياً يؤكد أو ينفي ما يتم تداوله، حيث اكتفت وزارة الخارجية بالقول إن التعامل مع وسائل الإعلام يتم عبر القنوات المختصة.
أما بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL)، فقد أكدت أنها لا تبني مواقفها على تسريبات، وأن أي تقييم رسمي يرتبط بمسارات معلنة تستند إلى أساس قانوني ودستوري. في الوقت ذاته، حذرت المبعوثة الأممية هانا تيتيه من استمرار حالة الجمود السياسي والانقسام المؤسسي.
خلاصة المشهد
تكشف المعطيات المتداولة، سواء من خلال التسريبات أو التقارير المنشورة، عن وجود نقاشات جارية لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية في ليبيا، تقوم على مزيج من إعادة توزيع النفوذ، وفتح قنوات تواصل غير معلنة، وتوازي المسارين السياسي والأمني.
ورغم غياب أي إعلان رسمي، فإن تزامن هذه المؤشرات، من لقاءات خارجية، وتحركات داخلية، ومسار أمني تقوده واشنطن، يوحي بأن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولة لفرض صيغة سياسية جديدة، قد لا تمر بالضرورة عبر الانتخابات.
ويبقى مستقبل هذه النقاشات مرهوناً بقدرتها على التحول إلى اتفاقات ملموسة، في ظل توازنات معقدة بين الأطراف المحلية والدولية، وحتى ذلك الحين، تظل هذه التحركات جزءاً من إدارة الأزمة، أكثر من كونها حلاً نهائياً لها.