تفاصيل خطة مصرية لتطوير الموانئ وشبكات النقل لتعويض الاضطراب الذي سببته الحرب على إيران

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/13 الساعة 13:17 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/13 الساعة 13:17 بتوقيت غرينتش
هل تستفيد مصر اقتصادياً من الحرب المستمرة على إيران/ عربي بوست

مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة نتيجة الحرب على إيران وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة عبر بعض الممرات البحرية الحيوية، بدأت مصر تراهن على البنية التحتية التي أنشأتها خلال السنوات الماضية في قطاعي الموانئ والطرق لتعزيز دورها كممر بديل لحركة التجارة بين الشرق والغرب.

فالتوترات الجيوسياسية واستمرار الحرب على إيران وما تسببت به من ارتفاع مخاطر الملاحة البحرية دفعت شركات الشحن الدولية إلى البحث عن مسارات أكثر أماناً لنقل البضائع بين آسيا والخليج وأوروبا، وهو ما يفتح المجال أمام القاهرة لاستثمار موقعها الجغرافي وشبكاتها اللوجستية المتطورة.

وخلال العقد الأخير توسعت مصر بشكل ملحوظ في إنشاء وتطوير الموانئ البحرية وشبكات الطرق والمناطق اللوجستية، وهو ما أثار في حينه انتقادات بشأن جدوى التوسع الكبير في هذا القطاع، غير أن الاضطرابات الحالية في سلاسل الإمداد العالمية دفعت بعض الخبراء إلى إعادة تقييم تلك الاستثمارات باعتبارها فرصة استراتيجية.

توسع كبير في إنشاء الموانئ

في هذا السياق، تعتزم وزارة النقل المصرية إنشاء 5 موانئ جديدة تضاف إلى قرابة 19 ميناءً تجارياً تعمل حالياً في البلاد، وتشمل هذه الموانئ ميناء أبو قير والمكس وجرجوب على ساحل البحر المتوسط، إلى جانب مينائي برنيس وطابا على البحر الأحمر.

وتقوم الاستراتيجية الحكومية على التوسع في إنشاء الأرصفة والمحطات البحرية الجديدة بحيث تصل أطوالها إلى نحو 70 كيلومتراً بأعماق تتراوح بين 18 و25 متراً، وهو ما يسمح باستقبال السفن العملاقة وزيادة القدرة الاستيعابية للموانئ المصرية.

وبحسب مصدر مصري مطلع، فإن الهدف من تحديث الموانئ المصرية وتطويرها يتمثل في زيادة طاقة التداول لتصبح قادرة على استقبال كميات أكبر من البضائع يومياً.

وفي ظل صعوبات نقل البضائع بين دول الخليج العربي وأوروبا نتيجة استمرار الحرب، يقول مصدر لـ"عربي بوست": بدأ يظهر توجه متزايد للاعتماد على الموانئ المصرية الواقعة على البحرين الأحمر والمتوسط، مع الاستفادة من شبكة الطرق البرية الحديثة في مصر لنقل البضائع.

ويضيف المصدر أن عدداً من شركات الشحن الأوروبية الكبرى عمل بالفعل على تغيير مسار بعض سفنها بحيث تقوم بتفريغ حمولتها في الموانئ المصرية المطلة على البحر المتوسط.

وبدلاً من استكمال الرحلة البحرية وسط المخاطر الأمنية والتوترات في بعض الممرات البحرية، يتم نقل الحاويات عبر شبكة الطرق البرية المصرية الحديثة فيما يعرف بنظام "الترانزيت البري"، لتصل إلى موانئ البحر الأحمر ومنها إلى الموانئ الخليجية.

بنية تحتية تمنح مصر ميزة تنافسية

يرى المصدر ذاته أن البنية التحتية التي أنشأتها الدولة خلال السنوات الماضية تضع مصر في موقع متميز للاستفادة من التحولات الجارية في حركة التجارة العالمية. فشبكة الطرق القومية المتطورة التي تربط بين الموانئ المصرية والدول المجاورة ساهمت في تقدم مصر إلى المركز 18 عالمياً في جودة الطرق.

ويشير المصدر إلى أن مصر تمتلك فرصة للتحول إلى منطقة محورية لتجميع البضائع القادمة من الخليج وإعادة تصديرها إلى الأسواق الأوروبية، مؤكداً أن الموقع الجغرافي لمصر إلى جانب امتلاكها موانئ بحرية متعددة وبنية لوجستية متطورة يمنحها ميزة تنافسية مهمة في حركة التجارة الدولية بين الشرق والغرب.

كما تستفيد مصر، وفق المصدر، من تدشين ممر لوجستي جديد لنقل البضائع يبدأ من الصين إلى ميناء جبل علي في الإمارات، ثم إلى السعودية ومصر، حيث يتم تجميع البضائع داخل مصر قبل إعادة تصديرها إلى الأسواق الأوروبية.

ويهدف هذا الممر إلى تسريع عمليات الشحن بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وتعزيز دور مصر كمحور رئيسي في سلاسل الإمداد العالمية.

الموانئ الأكثر نشاطاً في ظل التوترات

تشهد عدد من الموانئ المصرية حالياً إقبالاً متزايداً من السفن التجارية في ظل اضطراب بعض الممرات البحرية، ومن أبرز هذه الموانئ ميناء العين السخنة وميناء سفاجا على ساحل البحر الأحمر، إضافة إلى موانئ الإسكندرية ودمياط وبورسعيد وسوميد على ساحل البحر المتوسط.

ويقول المصدر المطلع إن خيار نقل البضائع عبر الموانئ المصرية قد يكون مكلفاً من الناحية اللوجستية، إلا أن ارتفاع تكلفة التأمين على السفن بنسبة تصل إلى 500% في بعض الحالات جعل هذا المسار أكثر جدوى وأماناً بالنسبة لشركات الشحن الأوروبية، خصوصاً في ظل المخاطر المرتبطة بالمرور في مناطق النزاع.

ويؤكد أن التوسع في أرصفة الموانئ، الذي كان يثير في السابق تساؤلات حول جدواه الاقتصادية، أصبح اليوم شرياناً اقتصادياً قادراً على استيعاب آلاف الشاحنات المحملة بالبضائع يومياً لتجاوز الاختناقات التي تشهدها بعض الممرات البحرية، وهو ما قد يدر عوائد دولارية كبيرة على الاقتصاد المصري من رسوم العبور والتفريغ والتخزين والخدمات اللوجستية.

طفرة في منظومة الموانئ المصرية

تعمل وزارة النقل المصرية حالياً على تطوير 14 ميناءً بحرياً على البحرين الأحمر والمتوسط، من بينها موانئ العريش وشرق وغرب بورسعيد ودمياط والإسكندرية والدخيلة.

كما تشمل عمليات التطوير موانئ بور توفيق والأدبية والعين السخنة والغردقة وسفاجا ونويبع وشرم الشيخ والطور، وذلك ضمن منظومة تضم 19 ميناءً تجارياً في مصر.

وتشير بيانات وزارة النقل إلى أن الموانئ المصرية استقبلت نحو 1.6 مليار طن من البضائع المختلفة بين عامي 2015 و2024، إضافة إلى 72 مليون حاوية مكافئة.

وخلال عام 2024 وحده بلغت كميات البضائع المتداولة نحو 210 ملايين طن، إضافة إلى 9 ملايين حاوية بينها 5 ملايين حاوية ترانزيت، ما يعكس تطور القدرة الاستيعابية للموانئ المصرية.

كما ارتفعت مساحة الموانئ البحرية في مصر من نحو 40 مليون متر مربع عام 2014 إلى نحو 75 مليون متر مربع في عام 2025، مع استهداف الوصول إلى 100 مليون متر مربع بحلول عام 2030.

وسجلت مصر كذلك تحسناً في مؤشر الأداء اللوجستي الصادر عن البنك الدولي لعام 2023، حيث جاءت في المرتبة السابعة عربياً والثالثة إفريقياً والمرتبة 57 عالمياً بعد تقدمها 10 درجات مقارنة بعام 2018.

دور الترانزيت البري في تسريع الشحن

بحسب نائب برلماني مصري تحدث لـ"عربي بوست" شريطة عدم ذكر اسمه، فإن نظام النقل والتفريغ الذي تعتمد عليه حركة النقل من الموانئ المصرية المطلة على البحر المتوسط إلى البحر الأحمر أثبت فعاليته منذ بدء الحرب الإيرانية.

يقول النائب: "تصل الشحنات إلى ميناء الإسكندرية ومنها إلى موانئ البحر الأحمر وبخاصة العين السخنة في وقت قياسي لا يتجاوز يوم واحد، متجاوزة أسابيع من التأخير كانت ستتكبدها السفن إذا قررت الالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، متجنبة المخاطر الكارثية لعبور المضايق المشتعلة".

ويضيف أن مصر تمتلك اليوم المقومات التي تؤهلها للعب دور أكبر في منظومة التجارة العالمية، خصوصاً في ظل موقعها الجغرافي الاستراتيجي والبنية التحتية الحديثة وشبكة الموانئ القادرة على خدمة حركة التجارة بين الشرق والغرب.

ويرى النائب أن استمرار الحرب يعيد رسم خرائط المخاطر في التجارة والطاقة، ما يدفع الشركات العالمية إلى البحث عن مسارات أكثر أمناً. وقال: "إغلاق مضيق هرمز وتعثر الملاحة فيه أحدث صدمة في أسواق الشحن، دفع شركات عالمية كبرى للبحث عن مسارات بديلة تقلل زمن الرحلة وأقساط التأمين ومخاطر التعرض لمناطق النزاع".

ويشير إلى أن مصر شهدت زيادة كبيرة في الطلب على خدمات الترانزيت البري عبر أراضيها، حيث يمكن استقبال البضائع في موانئ البحر المتوسط مثل الإسكندرية ودمياط، ثم نقلها براً إلى ميناء سفاجا على البحر الأحمر قبل إعادة شحنها بحرياً إلى السعودية ودول الخليج.

هذا المسار، وفق النائب البرلماني المصري، يختصر زمن الرحلة بنحو 10 إلى 12 يوماً مقارنة بالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مع تقليل تكاليف التأمين المرتبطة بالملاحة في مناطق النزاع.

خط سوميد ودوره في نقل النفط

ولا يقتصر الرهان المصري على الموانئ والطرق، بل يمتد أيضاً إلى البنية التحتية لنقل الطاقة وعلى رأسها خط أنابيب سوميد.

فالخط ينقل النفط من ميناء العين السخنة على خليج السويس إلى ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط بطاقة تصل إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً، ما يسمح بإعادة شحن النفط إلى أوروبا بعد وصوله إلى البحر الأحمر.

وتشير بيانات وزارة البترول المصرية إلى أن الخط نقل منذ تشغيله عام 1974 وحتى عام 2024 نحو 24.9 مليار برميل من النفط الخام وأكثر من 730 مليون برميل من المشتقات النفطية.

وتحدث وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي عن أهمية هذا الخط خلال مؤتمر صحافي للحكومة المصرية، قائلاً إن مصر "تمتلك الإمكانيات الفنية واللوجستية الكافية لدعم هذا المسار الاستراتيجي"، مؤكداً أن خط "سوميد" يعزز مرونة تدفق الإمدادات النفطية في المنطقة.

وبحسب خبير مصري في الطاقة تحدث لـ"عربي بوست"، فإن خط "سوميد" لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً لمضيق هرمز، لكنه يمكن أن يخفف جزءاً من اضطرابات نقل النفط في حال استمرار الحرب.

ويشير الخبير إلى أن الشحنات تصل إلى الخط عبر نقل النفط من ميناء ينبع السعودي إلى ميناء العين السخنة في مصر، ومنه إلى البحر المتوسط ثم إلى الأسواق الأوروبية.

ويضيف أن الخط يظل أكثر فاعلية بالنسبة لناقلات النفط القادمة من السعودية وسلطنة عمان والبحرين والإمارات التي تصل إلى العين السخنة ومنها إلى البحر المتوسط.

ويرى الخبير أن أهمية خط "سوميد" قد تتزايد إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، خاصة مع إمكانية تعزيز السعة التخزينية للخط، إذ تمتلك شركة "سوميد" صهاريج تخزين تصل طاقتها إلى نحو 40 مليون برميل.

وقد سبق لشركة "أرامكو" توقيع عقدين مع شركة سوميد في فبراير/ شباط 2019 لتوفير سعات تخزينية لمنتجات الوقود.

فرصة لتعزيز الدور اللوجستي لمصر

في ظل هذه التطورات، أعلنت مصلحة الجمارك المصرية استثناء البضائع المتجهة إلى دول الخليج عبر الموانئ المصرية المطلة على البحر الأحمر من تطبيق منظومة التسجيل المسبق للشحنات لمدة 3 أشهر.

ويقتصر هذا الاستثناء على البضائع الواردة إلى موانئ نويبع والعين السخنة وسفاجا، على أن تكون وجهتها النهائية إحدى دول الخليج، مع استمرار اعتبارها بضائع ترانزيت لا يسمح بدخولها إلى السوق المصرية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة مصر على تسريع إجراءات التخليص الجمركي وتطوير الخدمات اللوجستية وتقديم حوافز لشركات الشحن العالمية.

وفي حال تمكنت القاهرة من استثمار هذه التحولات في حركة التجارة العالمية، فقد تتحول إلى محور لوجستي رئيسي يربط بين أوروبا وآسيا والخليج، وهو ما قد يدر عوائد اقتصادية كبيرة ويعزز موقعها في شبكة التجارة الدولية.

تحميل المزيد