في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تشهده ليبيا منذ سنوات، تعود مسألة إعادة ترتيب السلطة التنفيذية إلى الواجهة مجدداً، مع تحركات لإجراء تعديل وزاري محدود يُعتقد أنه يهدف إلى معالجة بعض الاختلالات داخل حكومة الوحدة الوطنية، وفي الوقت نفسه إعادة ضبط التوازنات السياسية في طرابلس.
ويأتي الحديث عن هذا التعديل في مرحلة حساسة من المسار السياسي الليبي، حيث تتقاطع الضغوط الداخلية مع المتابعة الدولية لمسار السلطة التنفيذية، في ظل تعثر الاستحقاق الانتخابي واستمرار الخلاف بين المؤسسات السياسية في شرق البلاد وغربها حول شرعية الحكومة وصلاحياتها.
في هذا السياق، كشفت مصادر حكومية وأخرى مطلعة على المشهد السياسي لموقع "عربي بوست" معطيات أولية بشأن التعديل الوزاري الجاري داخل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إضافة إلى التحركات السياسية المرافقة له والآليات التي يجري بحثها لتمريره.
ما الذي يشمله تعديل حكومة الوحدة الوطنية؟
كشف مصدر حكومي مطّلع لموقع "عربي بوست" عن معطيات أولية تتعلق بالتعديل الوزاري الجاري داخل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مشيراً إلى أن التعديل المرتقب يشمل نحو 12 حقيبة وصفة وزارية، في إطار إعادة ترتيب جزئية لبعض الوزارات داخل الحكومة.
التعديل المطروح داخل أروقة الحكومة، وفق المصدر، لا يمسّ الوزارات السيادية الرئيسية، إذ بقيت حقائب مثل وزارة النفط والغاز، ووزارة الدفاع، ووزارة الداخلية، إضافة إلى جهاز المخابرات ووزارة التخطيط، خارج نطاق التغيير.
ويعكس ذلك، وفق المصدر الحكومي، توجهاً نحو إجراء تعديل محدود يهدف إلى إعادة توزيع بعض الحقائب دون المساس بمراكز القرار الأكثر حساسية داخل السلطة التنفيذية.
وأوضح المصدر أن عدداً من الوزارات المشمولة بالتعديل تُعد عملياً شاغرة أو تُدار بتكليفات مؤقتة، على خلفية ملفات ومخالفات قانونية طالت بعض شاغليها أمام مكتب النائب العام، ما دفع الحكومة إلى إعادة النظر في وضع هذه الحقائب ضمن التشكيلة الحكومية.
كما أضاف أن الخطوة تأتي أيضاً في سياق اختبار مستوى التفاعل السياسي، سواء داخلياً أو دولياً، مع أي تغييرات حكومية محتملة، قبل الانتقال إلى ترتيبات أوسع قد تشمل إعادة هيكلة أكبر داخل السلطة التنفيذية.
تحرك لاستقطاب نواب إلى طرابلس
في تطور لافت، قال مصدر لـ"عربي بوست" إن رئيس الحكومة يعمل خلال الفترة الحالية على استقطاب عدد من أعضاء مجلس النواب إلى العاصمة طرابلس لعقد جلسة هناك، على أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمام رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة، وبحضور عدد من النواب الموجودين في المنطقة الغربية.
ويفسّر المصدر هذه الخطوة بكون مجلس النواب في شرق البلاد، برئاسة عقيلة صالح، يرفض الاعتراف السياسي بحكومة الدبيبة ويرفض منحها أي غطاء جديد لأي تعديل وزاري، ما يجعل تمرير التعديلات عبر البرلمان في صورته الحالية أمراً شبه مستحيل.
وفي ظل هذا الانقسام، يسعى الدبيبة، بحسب المصدر، إلى ترتيب مسار بديل لاستكمال الإجراءات الدستورية لتولي الوزراء الجدد مهامهم، من خلال جلسة تُعقد في طرابلس بحضور نواب من المنطقة الغربية وبعض النواب القادمين من مناطق أخرى.
موقف البعثة الأممية في ليبيا
في السياق ذاته، قال مصدر مقرّب من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إن البعثة كانت تتابع، قبل الإعلان عن أي تشكيلة حكومية جديدة، آلية إجراء التعديل الوزاري داخل حكومة الوحدة الوطنية.
وأوضح المصدر أن اهتمام البعثة يتركز بشكل خاص على مدى قانونية الخطوة والإطار الذي يتم من خلاله تنفيذ التعديل، إضافة إلى حجم الوزارات التي قد يشملها، في ظل حساسية أي تغييرات في السلطة التنفيذية خلال المرحلة الانتقالية.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الساحة الليبية نقاشاً سياسياً وقانونياً مستمراً بشأن صلاحيات حكومة الوحدة الوطنية وحدود قدرتها على إجراء تعديلات واسعة في تركيبتها، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر المسار الانتخابي.
ويثير أي تعديل وزاري داخل حكومة الوحدة الوطنية جدلاً قانونياً، إذ يرى مجلس النواب في شرق البلاد أن ولاية الحكومة انتهت منذ تكليف حكومة فتحي باشاغا ثم حكومة أسامة حماد لاحقاً، في حين تتمسك حكومة الدبيبة بشرعيتها باعتبارها الحكومة المعترف بها دولياً.
إصلاح أم تعقيد إضافي للمشهد؟
في قراءة لمآلات هذه الخطوة، قال عضو لجنة الحوار المهيكل أسعد زهير إن التعديلات الوزارية الأخيرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد إجراء إداري لإصلاح الأداء الحكومي، بل تعكس في جوهرها استمرار حالة الانقسام المؤسساتي التي تشهدها ليبيا.
وأوضح زهير أن إعادة هيكلة السلطة التنفيذية من طرف واحد، ومن دون توافق مع المعسكر السياسي في شرق البلاد، قد تعقّد فرص أي تفاهمات سياسية مستقبلية بين الطرفين، خاصة إذا اعتُبرت بعض التعيينات الجديدة خطوات استفزازية من قبل خصوم الحكومة.
ويرى عضو لجنة الحوار المهيكل أن هذه التطورات قد تؤثر أيضاً في المقترحات التي كانت تُطرح بشأن تشكيل لجنة حوار مصغرة بين الأطراف الليبية، وهو المسار الذي كانت بعثة الأمم المتحدة تلمّح إليه خلال الفترة الماضية.
كما أن التطورات الأخيرة قد تدفع المجتمع الدولي إلى الانتقال نحو مسار سياسي بديل يقوم على إطلاق حوار أوسع يستند إلى الأطر القانونية للاتفاق السياسي الليبي، بهدف معالجة الملفات الجوهرية المرتبطة بالقوانين الانتخابية وإعادة ترتيب مسار الانتخابات، وصولاً إلى إنتاج سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد نحو إنهاء المرحلة الانتقالية.
هذه التعديلات قد تمنح الحكومة هامشاً سياسياً مؤقتاً لتعزيز موقعها الداخلي، لكنها في المقابل، يرى عضو لجنة الحوار المهيكل أسعد زهير، أنها قد تسرّع من وتيرة الضغوط الدولية للدفع نحو خارطة طريق سياسية شاملة تقود في النهاية إلى إجراء الانتخابات.