مستقبل شرق ليبيا: تفاصيل جولة إقليمية غير معلنة لصدام حفتر تتضمن الإمارات والأردن

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/09 الساعة 11:33 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/09 الساعة 11:33 بتوقيت غرينتش
جولة صدام حفتر سبق اندلاع الحرب على إيران بأيام/ عربي بوست

في وقت كانت فيه ليبيا تبدو عالقة في حالة جمود سياسي طويل، كشفت تحركات إقليمية غير معلنة قام بها صدام خليفة حفتر، نجل القائد العام للقوات في شرق ليبيا خليفة حفتر، عن نقاشات حساسة جرت داخل دوائر ضيقة حول مستقبل شرق البلاد وترتيبات المرحلة المقبلة داخل معسكره السياسي والعسكري.

مصدر عسكري رفيع في القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا قال إن صدام حفتر أجرى، قبل اندلاع الحرب الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، جولة إقليمية غير معلنة شملت عدداً من العواصم العربية، حيث التقى مسؤولين أمنيين وسياسيين معنيين بالملف الليبي.

وبحسب المصدر الذي صرح لـ"عربي بوست"، فإن أهمية هذه الجولة لا تتعلق فقط بطبيعة اللقاءات التي عقدت خلالها، بل أيضاً بتوقيتها، إذ جاءت قبل الانفجار الإقليمي الأخير، ما يوحي بأنها كانت جزءاً من ترتيبات واستطلاعات موقف سبقت التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة لاحقاً.

وأوضح المصدر، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن اللقاءات ركزت على استكشاف مواقف أطراف إقليمية فاعلة من ترتيبات محتملة داخل معسكر شرق ليبيا، سواء على مستوى مستقبل القيادة العسكرية أو على مستوى شكل التوازنات السياسية والإدارية في المرحلة المقبلة.

تحرك استباقي في لحظة جمود سياسي

جاءت هذه التحركات في لحظة كان فيها المسار السياسي الليبي شبه متوقف، إذ إنه منذ تعثر الانتخابات التي كان مقرراً تنظيمها في ديسمبر/ كانون الأول 2021، دخلت البلاد مرحلة طويلة من الانسداد السياسي، مع استمرار الانقسام المؤسسي بين حكومتين في الشرق والغرب، وتعثر جهود الأمم المتحدة لإطلاق مسار سياسي جامع.

في هذا السياق، يرى مراقبون أن جولة صدام خليفة حفتر لم تكن استجابة مباشرة لتطور عسكري طارئ في المنطقة، بل تحركاً استباقياً هدفه اختبار مواقف الحلفاء والشركاء الإقليميين تجاه ترتيبات يجري التفكير فيها داخل معسكر شرق ليبيا.

خلال السنوات الماضية، لعبت العواصم الإقليمية دوراً حاسماً في صياغة موازين القوى داخل ليبيا، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو عبر التأثير في مسارات التفاوض الدولية، ما يجعل أي تحرك من هذا النوع مرتبطاً حتماً بقراءة المواقف الإقليمية قبل المضي في أي ترتيبات داخلية.

البداية من أبوظبي والهدف "جس النبض"

المصدر العسكري أوضح في تصريحه لـ"عربي بوست" أن جولة صدام خليفة حفتر بدأت بزيارة إلى الإمارات، حيث التقى مستشار الأمن الوطني طحنون بن زايد آل نهيان، وتناول اللقاء مستقبل الوضع السياسي والعسكري في ليبيا، إضافة إلى مناقشة الترتيبات الممكنة داخل المؤسسة العسكرية شرق البلاد.

وقال المصدر إن النقاش في أبوظبي لم يكن بعيداً عن سؤال الخلافة داخل البنية العسكرية في الشرق، إذ جرى التطرق إلى تصورات تتعلق بمستقبل القيادة وإمكانية منح صدام حفتر دوراً أكبر في المرحلة المقبلة.

وتعد الإمارات أحد أبرز الداعمين السياسيين والعسكريين لمعسكر شرق ليبيا خلال السنوات الماضية، وقد لعبت دوراً مهماً في بناء شبكة العلاقات الإقليمية المرتبطة بهذا الملف، وهو ما يمنح أي لقاء من هذا النوع وزناً سياسياً يتجاوز طبيعته الثنائية.

البحث عن "قبول" مصري عبر وسيط

وفق المصدر العسكري فإن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل القيادة العسكرية في شرق ليبيا لا يمكن فصلها عن الموقف المصري.

فالقاهرة تنظر إلى شرق ليبيا باعتباره امتداداً مباشراً لمجالها الحيوي، نظراً لطول الحدود المشتركة بين البلدين، وللتداخلات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بها. ولهذا ظلت مصر خلال السنوات الماضية أحد أهم الداعمين للقيادة العامة سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً.

وبحسب المصدر، فإن أحد أهداف محطة أبوظبي كان استكشاف إمكانية فتح قناة غير مباشرة مع القاهرة عبر الوساطة الإماراتية، بهدف معرفة شكل الترتيبات التي يمكن أن تحظى بقبول مصري أو على الأقل بعدم اعتراض.

ويعني ذلك، وفق قراءة سياسية، أن الجولة لم تكن مجرد محاولة للحصول على دعم إقليمي، بل أيضاً سعياً لفهم الخطوط الحمراء المرتبطة بأي انتقال محتمل في هرم القيادة داخل شرق ليبيا.

لقاءات واسعة في عمّان

جولة صدام خليفة حفتر شملت أيضاً العاصمة الأردنية عمّان، وحسب المصدر العسكري الذي كشف تفاصيل الجولة لـ"عربي بوست"، فقد عقد صدام حفتر لقاءات مع شخصيات أمنية وسياسية في اجتماعات وصفها المصدر بأنها غير رسمية.

ورغم طابعها غير البروتوكولي، فإن هذه اللقاءات تناولت قضايا استراتيجية تتعلق بمستقبل التوازنات السياسية في ليبيا.

وأوضح المصدر أن الاجتماعات شهدت حضور ممثلين عن جهات دولية مهتمة بالملف الليبي، ما يعكس أن النقاش لم يكن محصوراً في إطار ثنائي، بل امتد إلى تصورات أوسع بشأن شكل المرحلة المقبلة في شرق البلاد.

وخلال هذه اللقاءات، طرح صدام حفتر أفكاراً تتعلق بإعادة تنظيم العلاقة السياسية والإدارية في شرق ليبيا في حال استمرار الانقسام الحالي وتعذر العودة إلى مسار سياسي موحد في المدى القريب.

سيناريوهات داخل دوائر ضيقة

بحسب المصدر، فإن النقاشات التي جرت خلال هذه الجولة تضمنت طرح عدد من السيناريوهات التي يجري تداولها داخل دوائر محدودة في شرق ليبيا.

ومن بين هذه الأفكار، طرح تصور يمنح شرق ليبيا هامشاً أوسع من الاستقلال الإداري والاقتصادي، وهي مقترحات تعيد إلى الواجهة نقاشات قديمة حول الفيدرالية وإعادة توزيع السلطة بين الأقاليم الليبية الثلاثة: برقة وطرابلس وفزان.

ورغم أن هذه الطروحات ليست جديدة بالكامل في السياق الليبي، فإن إعادة طرحها في هذا التوقيت وقبل اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة يعطي انطباعاً بأنها كانت جزءاً من تفكير منظم داخل بعض الدوائر، وليس مجرد رد فعل على تطورات خارجية لاحقة.

النفط في قلب أي ترتيب

لا يمكن قراءة هذه السيناريوهات بعيداً عن ملف النفط، الذي ظل العامل الأكثر حساسية في معادلة الصراع الليبي.

فمعظم الحقول والموانئ النفطية الرئيسية تقع في مناطق الشرق والجنوب، بينما توجد المؤسسات المالية والسياسية المعترف بها دولياً في طرابلس، وعلى رأسها المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي.

هذا التوزيع جعل من النفط خلال السنوات الماضية أداة نفوذ وضغط في آن واحد، حيث استخدمته الأطراف المتصارعة مراراً كورقة تفاوض أو وسيلة لفرض شروط سياسية.

وبالتالي، فإن أي حديث عن توسيع استقلالية الشرق إدارياً أو اقتصادياً يرتبط مباشرة بسؤال أساسي: من يسيطر على الثروة النفطية؟ ومن يدير عائداتها؟ ومن يملك قرار التصدير؟

ويرى خبراء في شؤون الطاقة أن أي تغيير في هذه المعادلة لن يكون شأناً ليبياً داخلياً فقط، بل سيحمل تداعيات إقليمية ودولية، نظراً لمكانة النفط الليبي في أسواق الطاقة العالمية.

ما بعد الحرب: تبدل السياق لا يلغي الدلالة

رغم أن جولة صدام حفتر سبقت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فإن دلالتها السياسية لم تتراجع بعد اندلاعها، بل ربما ازدادت تعقيداً.

فالحرب أعادت ترتيب أولويات العديد من العواصم الإقليمية، ورفعت مستوى الحساسية تجاه أي تحركات غير معلنة في ملفات إقليمية مفتوحة مثل ليبيا.

ومن هذه الزاوية، فإن قراءة هذه الجولة اليوم لا تتم بوصفها حدثاً منفصلاً، بل باعتبارها تحركاً سبق عاصفة إقليمية كبيرة، وربما عكس إدراكاً مبكراً لدى بعض الأطراف بأن المنطقة تتجه نحو مرحلة إعادة تموضع واسعة، وأن شرق ليبيا قد يكون أحد ساحات هذه التحولات.

علامات:
تحميل المزيد